- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2015-07-08م
مفاوضات الاتفاق النهائي حول البرنامج النووي الإيراني:
هل سيتم الاتفاق؟ ما شروط الأطراف المفاوضة ومواقفها؟ ولماذا تنازلت إيران كل هذا التنازل؟
بقلم: أسعد منصور

للإجابة عن هذه التساؤلات المهمة لنرجع قليلا إلى الوراء، فمنذ أن وُقِّع على الاتفاق الإطاري بين دول 5+1 وبين إيران حول برنامجها النووي في لوزان بسويسرا يوم 2015/4/2 كان الأعضاء الجمهوريون في الكونغرس الأمريكي أول المنتقدين له، وقد بعثوا قبل ذلك يوم 2015/3/9 رسالة وقع عليها 47 عضوا جمهوريا إلى القيادة الإيرانية يحذرونها من توقيع أي اتفاق مع إدارة أوباما، وقد ظهروا كمعارضين للاتفاق النهائي الذي حدد لتوقيعه تاريخ 2015/6/30 مشترطين شروطا جديدة كانت عاملا مؤثرا في تمديد هذا التاريخ لترضي الإدارة الأمريكية الكونغرس.
وقد أشار الرئيس الأمريكي أوباما إلى موقف الجمهوريين ومنتقدا له بشدة يوم 2015/4/12 فقال: "لا أفهم لماذا يعمل الجميع بجد لإحداث الفشل؟ إن وجهة نظري البسيطة هي دعونا ننتظر ونرى ما هي الصفقة". وأكد أنه لا يزال يشعر بإيجابية تامة بشأن التوصل إلى اتفاق نهائي بالالتزامات المتفق عليها، وستكون أفضل وسيلة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي" وقال: "إنه يشعر بالقلق من محاولة منتقدي الاتفاق الجمهوريين لإفشال الصفقة". وكان أوباما قد وصف الاتفاق الإطاري بأنه "تفاهم تاريخي من شأنه إذا ما تم تنفيذه أن يمنع طهران من الحصول على سلاح نووي". مما يدل على مدى تأثر الرئيس الأمريكي من هذه المعارضة التي لا يراها تصب في صالح السياسة الأمريكية في المنطقة، ليجعل إيران تسير في تنفيذ المشاريع الأمريكية بكل أريحية، وهو حريص على أن يحقق هذا الاتفاق مهما كانت معارضة الجمهوريين له قوية ويضع كل ثقله من أجل ذلك، ولكنه يعمل على مراضاتهم حتى يضمن موافقتهم على الاتفاق بعد التوقيع حتى يتم رفع العقوبات تدريجيا عن إيران.
والجمهوريون لا يريدون أن يظهر الديمقراطيون برئاسة أوباما بمظهر أنهم قد حققوا نجاحا بمفردهم، حتى لا يشكل ذلك دعاية للديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية القادمة وهم يسعون للنجاح فيها بكل ما أوتوا من قوة، وقد أرادوا أن يتأخر التوقيع عليه حتى يتسلموا الإدارة كما يأملون بعد الانتخابات الرئاسية عام 2016. ولذلك كثف الجمهوريون حملتهم لعرقلة التوقيع مؤقتا، فقال السناتور الجمهوري بوب كوركر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس خلال جلسة يوم 2015/6/24: "يزداد قلقي يوما بعد يوم من اتجاه هذه المفاوضات واحتمال تجاوز الخطوط الحمراء". وقال عدد منهم إنهم لا يريدون رفع العقوبات عن إيران قبل أن تبدأ في تنفيذ الاتفاق، ويريدون نظاما صارما للتحقق يتيح للمفتشين دخول المنشآت النووية في أي وقت وفي أي مكان، ويريدون أن تكشف إيران عن الأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجها النووي.
فعندما اعترض وزير خارجيتهم كيري على ذلك قائلا: "إنه لا ينبغي الضغط على إيران في هذه النقطة"، شنوا عليه حملة اضطر فيها إلى التراجع، فاتصل هاتفيا بنظيره الإيراني جواد ظريف مرتين قبل البدء بالمفاوضات في فينا لإبلاغه بأن "طهران إذا أرادت التوصل لاتفاق نووي يجب عليها أن تجيب على الأسئلة الخاصة بالأبحاث النووية التي أجرتها في السابق فيما يتصل بالسعي في إنتاج أسلحة نووية، فيجب أن تثبت إيران براءتها بشأن أنشطتها السابقة". ومع ذلك قال إنه "يشعر بالتفاؤل بشأن المفاوضات مع إيران" أثناء استعداده للتوجه إلى فينا يوم 2015/6/6 للمشاركة في أحدث جولة. لأنه يرى أن إيران قد تنازلت كثيرا إلى أبعد الحدود كما حصل في الاتفاق الإطاري ومسألة دخول المنشآت النووية في أي وقت وفي أي مكان قد قبلت بها إيران في البروتوكول الإضافي للاتفاق الإطاري، ولكن إيران تتخوف من أن تجعل ذلك ذريعة لدخول المنشآت العسكرية والأمنية للوصول إلى الأسرار العسكرية كما عبر عن ذلك الرئيس الإيراني مبديا تحفظه على هذه النقطة يوم 2015/6/23. وكذلك مسألة الكشف عن الأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجها النووي، فإن إيران تتخوف من هذه النقطة لأنه سيجري التحقيق مع العلماء النوويين الإيرانيين. وقد أصدر مجلس الشورى الإيراني يوم 2015/6/23 قرارا يطالب فيه حكومته برفض تفتيش المنشآت العسكرية والأمنية الحساسة والتحقيق مع العلماء النوويين الإيرانيين ورفض شرط تقييد تطوير العلوم والتقنية النووية وطالب بإزالة العقوبات دفعة واحدة والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة في الدول الغربية. ولكن قرارات المجلس الإيراني غير ملزمة للحكومة التي تعمل على التوصل للاتفاق النهائي وتقدم تنازلات في سبيل التوصل إلى حل يرفع العقوبات، ولذلك أظهر وزير خارجية أمريكا تفاؤله.
وأما مواقف الدول الأوروبية الثلاث فرنسا وبريطانيا وألمانيا؛ فقد صرح وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس قائلا يوم 2015/6/27: "هناك ثلاثة شروط لا غنى عنها لتحقيق ذلك (الاتفاق) هي التقييد الدائم لقدرة إيران على الأبحاث والتطوير، والتفتيش الصارم على المواقع بما فيها العسكرية إذا اقتضت الضرورة، وإعادة فرض العقوبات تلقائيا إذا انتهكت إيران التزاماتها".
وقال وزير خارجية بريطانيا فيليب هاموند يوم 2015/6/22: "إن القوى الغربية لن تساوم على ما سماها الخطوط الحمراء، ومنها التحقق من التزام إيران بتعهداتها التوصل إلى اتفاق نهائي يقيد أنشطة طهران النووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات عنها".
وقال وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير 2015/6/22: "آمل أن يتحرك الإيرانيون لمناقشة النقاط الحاسمة" أي الشروط المذكورة.
فنرى أن الأوروبيين حاولوا الاستفادة من معارضة الكونغرس الأمريكي فوضعوا شروطا تتضمن شروطه وزيادة حتى يظهر أن لهم موقفا دوليا مؤثرا.
وأما روسيا فقد صرح ممثلها في المحادثات نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف يوم 2015/7/2 قائلا "إن الوثيقة التي يعمل عليها طرفا التفاوض جاهزة بنسبة 91%". وأشاد بزيارة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو لطهران وقال إنها يمكن أن تجلب المزيد من الوضوح للمفاوضات". فروسيا تؤيد الاتفاق من دون أن تشترط شروطا ولا نراها تقف في وجه الشروط المطروحة.. وكذلك موقف الصين.
وقد ذكر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الشهري صدر يوم 2015/7/1 إن مخزون إيران من غاز اليورانيوم منخفض التخصيب 5% انخفض إلى أقل من المستوى المطلوب بموجب الاتفاق النووي المؤقت الذي أبرمته عام 2013 مع الدول الست. أي أن إيران تنازلت أكثر مما طلب منها، لتثبت أنها ستنفذ كل المطلوب منها حسب الاتفاق.
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو الذي قام بزيارة إيران يوم 2015/7/2 والتقى الرئيس الإيراني حسن روحاني وتحدث عن تفهم "في ظل تعاون إيران أرى أن بإمكاننا إصدار تقرير بحلول نهاية العام بشأن تقييم توضيح المسائل المتعلقة بالأبعاد العسكرية المحتملة". فمعنى ذلك أن إيران استعدت للقبول بالشروط الأمريكية. ولكن يوكيا أمانو لم يتطرق للشروط الأوروبية الزائدة، فكأن أمريكا لم تتبناها ولم تفرضها على إيران.
وقد نقلت رويترز في 2015/7/4 عن دبلوماسيين مقربين من المحادثات إن إجابة الأسئلة العالقة التي طرحتها الوكالة بشأن الأبعاد العسكرية المحتملة للأبحاث الإيرانية النووية السابقة سيكون شرطا لتخفيف بعض العقوبات عن طهران إذا نجحت إيران والقوى العالمية الست في إبرام اتفاق نووي. فوكالة الطاقة الدولية تبنت الشروط الذي فرضها الكونغرس الأمريكي على إدارة بلاده وبدأت تطالب إيران بتلبيته.
وقال جواد ظريف يوم 2015/7/3: "إننا مستعدون لفتح آفاق جديدة لمواجهة التحديات الكبيرة والمشتركة. إن التهديد المشترك اليوم هو تصاعد الخطر للتطرف العنيف والهمجية". أي أن إيران تظهر تفاعلها مع القوى الغربية، لتقول بعبارات ضمنية أننا موافقون على شروطكم ولكن ارفعوا عنا العقوبات لنسير معا ضد التهديد المشترك من قبل الرافضين للهيمنة الغربية والمطالبين بالتحرر من هذه الهيمنة وعودة سيادة الإسلام متجسدا في دولة الخلافة على منهاج النبوة، والذي يعبر عنه غربيا بالتطرف والإرهاب.
إن كل ذلك يثبت أن إيران ليست دولة مبدئية، وقاعدتها الشعبية ضعيفة لا تتحمل العقوبات، وتخاف من أن ينتفض الشعب في وجه النظام فيسقطه ويسقط رموزه الذين يعملون على تحقيق مصالحهم، فقد أشار الرئيس الإيراني إلى ذلك يوم 2015/6/23 قائلا: "إن تلك العقوبات لم تنجح أبدا في تحقيق الأهداف التي فرضت من أجلها، إلا أنها كانت مؤثرة حيث تسببت في مشاكل كثيرة في المجتمع الإيراني". ولذلك قدموا التنازلات الهائلة في سبيل رفع العقوبات واستعدوا للسير مع أمريكا من أول يوم في سبيل حماية النظام وتحقيق أهدافه القومية في المنطقة، وقد عمدوا إلى تأسيس الحرس الثوري لحماية النظام الجمهوري والقائمين عليه من الشعب، ولم يتمكنوا من جعل الشعب يتبنى النظام ويعمل على حمايته ولم يطبقوا الإسلام ولم يحملوا دعوته، ولم يكونوا حماة للمسلمين، بل أصبحوا عبئا على الإسلام والمسلمين وعامل هدم وتفرقة للأمة كباقي الأنظمة في العالم الإسلامي السائرة في ركاب أمريكا والغرب عاملة على إرضائهم ومنفذة لمشاريعهم.
المصدر: جريدة الراية



