الأربعاء، 14 شوال 1447هـ| 2026/04/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-04-01

 

جريدة الراية:

حرب أمريكا وكيان يهود على إيران
وأثرها على الأمة الإسلامية

 

 


لعلّ إثارة الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة في الوقت الذي تشنّ فيه أمريكا وكيان يهود حربا مدمرة على إيران، يدلّ على مدى الانحراف الفكري والسياسي الذي وصلت إليه بعض النخب من علماء ومثقفين إلى درجة أن يعلن أحدهم أن (إيران أخطر على العرب والمسلمين من إسرائيل)! لأن كيان يهود بحسب زعمه، كيان أجنبي خارجي يمكن مواجهته وطرده كما حدث مع الصليبيين والمغول والمستعمرين، بينما إيران جارة تعتمد أيديولوجية صفوية متطرفة تعادي الإسلام السني، وتسعى للهيمنة على الأراضي العربية ونشر التشيّع.


ولا شك أن هذا الخطاب يكرر السردية نفسها التي تم الترويج لها أثناء غزو أمريكا للعراق عام 2003، فأمريكا كيان دخيل خارجي يمكن طرده، بينما إيران تسعى لتغيير الجغرافيا الديموغرافية عبر التمدد الطائفي. فتحول الجهاد ضد الاحتلال الصليبي (الأمريكي) إلى فتنة مذهبية بين السنة والشيعة، أكلت الأخضر واليابس. وها نحن نرى بعد أكثر من عقدين من الغزو، أن أمريكا لم تخرج من العراق بل ازداد نفوذها وانتشرت قواعدها العسكرية في كل مكان.
لذلك، كان من الضروري تنبيه المسلمين عامة إلى الحقائق التالية:


1. لا بد من التفريق بين إيران كبلد وبين النظام الإيراني، فإيران بلد إسلامي، فتح في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد أصبحت بعد الفتح قاعدة لانطلاق الجيوش الإسلامية، وساهمت في نشر الإسلام في خراسان وبخارى وسمرقند؛ لذلك فهي بلد إسلامي أهله جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية.


أما النظام الإيراني الحالي، فقد دار عقودا في فلك أمريكا وخدم مصالحها في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وارتكب جرائم بحق المسلمين، إلا أن ذلك لا يجعل إيران بلدا غير إسلامي. فكما أن وجود كيان يهود المجرم في فلسطين لا ينزع عنها صفتها الإسلامية، فكذلك الحال في إيران. والحكم الشرعي أنه إذا هاجم الكفار بلداً إسلامياً فإن دفعهم ومقاومتهم واجب شرعي على المسلمين كافة حتى تحصل كفاية ردّ عدوانهم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.


2. لا بد من التفريق بين العدوّ الأصلي الثابت والعدوّ الفرعي المتغيّر، فأمريكا والغرب وكيان يهود هم العدوّ الأصلي الثابت، فعداؤهم للإسلام والمسلمين ثابت لا يتغير ولا يتبدّل، وجرائمهم الشيطانية في حق الإسلام والمسلمين يعلمها القاصي والداني، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.


لذلك فإن جرائم النظام الإيراني بحق المسلمين في العراق ولبنان وسوريا وغيرها خلال العقود السابقة لا يجوز أن تجعلنا نغفل عن حقيقة هذه الحرب من كونها حرباً بين المسلمين من جهة وبين اليهود ومن ورائهم أمريكا والغرب الكافر من جهة أخرى.


والواجب في هذه الحال أن يكيّف المسلم مشاعره ومواقفه السياسية من الحرب بحسب ما يمليه عليه دينه ومصلحة أُمَّتِه وليس العكس، فالرسول ﷺ يقول: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ»، ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، لذلك لا يجوز للمسلم أن يفرح بقصف أمريكا وكيان يهود لإيران، مهما أجرم النظام الإيراني في حقه، لأنه عدوان للكفار على المسلمين وعلى بلد إسلامي، والحرب على أرضنا والدمار في ديارنا.


3. إن أهم ما يجب أن تعي عليه الأمة هو أن هذا العدوان ليس الهدف منه إيران فحسب، بل الهدف منه هو كسر شوكة المنطقة ووضعها تحت هيمنة أمريكا وكيان يهود. فأمريكا تريد فرض سيطرتها على المنطقة والاستفراد بمقدرات الأمة وفرض ديانتها الإبراهيمية، وما يجري اليوم في إيران هو إعادة أمريكا ترتيب حساباتها الإقليمية، ومحاولة تحويل النظام الإيراني من نظام يدور في فلكها إلى نظام عميل تابع بالكامل، فيما يرفض النظام الإيراني هذا التقييد، خاصة في سياسته الداخلية مثل تخصيب اليورانيوم وامتلاك القدرات الدفاعية الصاروخية. وبالتالي فإن عداءنا للنظام الإيراني لا يجيز لنا التصفيق لعدوان أمريكا ويهود على إيران، فالنظام الإيراني كباقي الأنظمة القائمة في بلادنا هي أنظمة وظيفيّة مجرمة، وعداؤنا لها لا يبيح لنا السماح باحتلال بلادنا الإسلامية وتركها لقمة سائغة لأمريكا والكيان الغاصب.


4. إن كل من يملك الحس السياسي والفطرة السليمة يدرك المآلات الخطيرة لانتصار أمريكا وكيان يهود على إيران، حيث سيزداد كيان المغضوب عليهم علوّا في الأرض، وستزداد عربدة أمريكا في المنطقة، وسيكون لذلك تداعيات وخيمة وفظيعة على المسلمين، ومقدمة لسحقهم وانتهاك حرماتهم ومقدساتهم.


5. إن إثارة الخلاف بين السنّة والشيعة في هذا الوقت لا يخدم إلا الكافر الحربي الذي لا يفرق في عدائه للمسلمين بين سني وشيعي، ولنا في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ منهجا يجعلنا نتعالى عن صراعات الماضي. فنحن مسؤولون أمام الله عن استمرار الفرقة أو السعي لتجاوزها. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة، حيث عالج العصبية الجاهلية التي كانت تمزق المجتمع وتؤجج الصراعات بين القبائل بقوله: «أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟»، ليؤسس بدلاً منها مجتمعاً يقوم على رابطة الإيمان ووحدة الأمة.


6. وفي الختام نقول: إن كيان يهود ومن يسانده يدفع بدول الخليج وتركيا إلى الانخراط في صراع إقليمي واسع ضد إيران، بما يهدد بإشعال فتنة مدمرة في المنطقة، فتزيد الأمة ضعفاً فوق ضعفها وتفتح المجال أمام خصومها لمزيد من الهيمنة والتمدد. وأمام هذا الواقع، فإن الواجب يقتضي أن يعي المسلمون خطورة الفرقة والانقسام، وأن يتمسكوا بوحدتهم ويتجنبوا الانجرار إلى صراعات تخدم أعداءهم، وأن يعملوا على توحيد صفوفهم والارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجههم، مستلهمين من تاريخهم لحظات القوة والوحدة التي مكّنتهم من تجاوز الأزمات الكبرى.


7. وإن الواجب شرعا هو اعتصام المسلمين بحبل الله تعالى والارتقاء إلى مستوى المواجهة التاريخية وتحويل هذه الأزمة إلى فرصة وأخذ المبادرة ورص الصفوف وتحريك الجيوش وتعبئة الأمة كلها في مواجهة فاصلة تعيد أمجاد حطين وعين جالوت وتقطع دابر الكافرين والمنافقين وتعيد للأمة سلطانها وخلافتها وحكم شريعتها.


﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 

بقلم: الدكتور أسعد العجيلي

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع