الجمعة، 08 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-08-19

 

جريدة الراية: 

الصراع الدولي في تونس

إلى أين؟

 

 

لم يكن التهديد المبطن الذي وجّهه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لدويلة الإمارات، بقوله: "من يهدد تونس نخلولو خيمة والديه"، لم يكن سوى مؤشر على احتدام الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في تونس، في وقت شهدت فيه العاصمة تونس في 25 تموز/يوليو 2026 مظاهرات واسعة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، رفعت خلالها شعارات تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد وإسقاط النظام، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، محملين السلطة مسؤولية ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتكرار انقطاع المياه والكهرباء، في واحدة من أكبر التحركات الشعبية منذ إجراءات 25 تموز/يوليو 2021.

 

وقد مثّلت تلك الإجراءات نقطة تحول كبرى في المشهد السياسي في تونس، بعدما فعّل الرئيس الفصل 80 من دستور عام 2014، وأقال رئيس الحكومة، وجمّد عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن نوابه، وحلّ المجلس الأعلى للقضاء، وأقر دستوراً جديداً سنة 2022 أعاد البلاد إلى نظام رئاسي واسع الصلاحيات.

 

ومنذ شباط/فبراير 2023 تشهد تونس حملة إيقافات واسعة استهدفت معارضي الرئيس، شملت إعلاميين ونشطاء وقضاة ورجال أعمال وسياسيين، بينهم رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، وجاءت أغلب الاعتقالات على خلفية لقاء رجل الأعمال خيام التركي بموظفين لدى السفارة الأمريكية فيما عرف حينها بقضية التآمر على أمن الدولة.

 

وتشهد تونس صراعا غربيا على النفوذ تدار فصوله بأدوات محلية، إذ أقدم الرئيس قيس سعيّد على تفكيك منظومة نفوذ بريطانيا، مستفيداً من دعم فرنسا. حيث اتسم موقف فرنسا منذ البداية تفهماً للإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيّد، سواء عبر تصريحات سفير فرنسا في تونس أو من خلال الاتصال التلفوني الذي أجراه رئيسها ماكرون مع سعيّد، وعبّر فيه عن استعداد باريس للوقوف بجانب تونس من أجل الحفاظ على سيادتها والدفاع عن حريتها، ولم تصدر عن باريس أية إدانة للمسار باستثناء ما تبديه من قلق فيما يتعلق بحقوق الإنسان والتعددية السياسية، وهو ما ظهر بشكل جلي من خلال الإعلام الفرنسي في محاولة لاستقطاب القوى السياسية الموالية لها والتي استهدفها الرئيس سعيد.

 

أما موقف فرنسا الرسمي فقد بقي على حاله ولم يتغير حيث رحّب رئيسها ماكرون بالاستفتاء على الدستور واعتبره "مرحلة مهمة" في عملية الانتقال السياسي، كما أكد استعداد بلاده لدعم تونس في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي. وقال أيضا إن "فرنسا مستعدة للعمل مع تونس لتلبية حاجاتها الغذائية". ويفسر هذا الموقف حرص فرنسا على الحفاظ على شبكة مصالحها الحيوية في تونس، لا سيما في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية.

 

في المقابل، اتخذت بريطانيا موقفاً رافضا لإجراءات 25 تموز/يوليو، ووصفت الاستفتاء على دستور سعيد بأنه "فاقد للشفافية"، وانتقدت ضعف نسبة المشاركة وغياب مسار سياسي شامل، داعية إلى احترام مبدأ الفصل بين السلطات وإشراك مختلف القوى السياسية والمدنية. وقد استغلت بريطانيا الأحكام الاستئنافية المشددة التي طالت المعارضة أواخر عام 2025، لتحريك الشارع من جديد عبر أدواتها السياسية والإعلامية، إذ عاد إلى الواجهة عدد من الشخصيات المحسوبة على دائرة نفوذها، من بينها هشام المشيشي، بالتزامن مع تصاعد الحضور الإعلامي لقنوات ينظر إليها على أنها أقرب إلى التوجه البريطاني، وفي مقدمتها قناة الجزيرة القطرية، بما يعكس محاولة للإطاحة بالرئيس قيس سعيد وإعادة نفوذ بريطانيا من خلال الضغط الشعبي على السلطة القائمة وإغراء القوى الصلبة بالتخلي عنه. إلا أن محدودية المشاركة في التحركات المؤيدة، كما في تحركات المعارضة، عكست حالة من العزوف الشعبي، ما يدل على أن قطاعاً واسعاً من أهل تونس لم يعد يمنح ثقته لا للسلطة ولا لخصومها.

 

كما تبنى الاتحاد الأوروبي في البداية موقفاً قريباً من موقف بريطانيا، معبراً عن قلقه من المسار السياسي وداعياً إلى احترام الفصل بين السلطات. غير أن هذا الموقف، ولا سيما الإيطالي والألماني، شهد تحولاً خلال سنة 2023، حيث اصطف الأوروبيون تدريجياً إلى جانب موقف فرنسا الداعم للرئيس قيس سعيّد، وهو ما تجلى في تكثيف الزيارات الرسمية وتقديم مساعدات مالية وإبرام اتفاقيات اقتصادية وأمنية، توجت بتوقيع مذكرة تفاهم حول "شراكة استراتيجية وشاملة" تشمل التعاون الاقتصادي والحد من الهجرة غير النظامية، قبل أن يتعزز هذا المسار باتفاقيات قطاعية في مجال الطاقة، ولا سيما مشاريع الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر الموجهة للسوق الأوروبية.

 

أما أمريكا فقد تبنت موقفاً متشدداً من المسار الذي أطلقه سعيّد، معتبرة أن الدستور الجديد يقوض الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما عبرت عنه تصريحات وزير خارجيتها بلينكن، واستثناء تونس من بعض الجولات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية، إلى جانب مواقف سفير أمريكا جوي هود، الذي أكد عزم بلاده استخدام مختلف أدوات نفوذها للدفع نحو استعادة الحكم الديمقراطي ومراجعة المساعدات الأمريكية بما ينسجم مع هذا التوجه. كما عبرت وفود من الكونغرس الأمريكي، خلال زياراتهم إلى تونس، عن قلقهم من تراجع المسار الديمقراطي.

 

ورغم استمرار التعاون العسكري بين البلدين، امتنعت واشنطن عن توفير الضمانات اللازمة لتمويلات تونس الخارجية، وعطلت الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بهدف إحداث اختراق داخل الطبقة السياسية واستثمار أي انفجار شعبي محتمل ناجم عن الأزمة الاقتصادية الخانقة. لذلك رفض سعيّد بعض شروط صندوق النقد الدولي، معتبراً إياها بمثابة "عود ثقاب مشتعل بجانب مواد شديدة الانفجار".

 

أما على المستوى الإقليمي، فقد برز موقف الجزائر باعتباره الأكثر ثباتاً واستمرارية، حيث اعتبرت الجزائر استقرار تونس جزءاً من أمنها القومي، وساندت السلطة الجديدة سياسياً واقتصادياً، وقدمت لها دعماً مالياً وضمنت تزويدها بالغاز، قبل أن يتطور التعاون إلى اتفاقية عسكرية وأمنية، ثم إلى شراكات اقتصادية واسعة، بما يعكس إدراك الجزائر أن تونس تمثل عمقها الاستراتيجي المباشر، وأن أي تحول سياسي فيها ينعكس مباشرة على أمنها واستقرارها.

 

لن تستقر الأوضاع لقيس سعيد ولا لخصومه، فالشعب التونسي الذي كان شرارة التغيير في شمال أفريقيا زمن الفتح الإسلامي، والذي كان المحرك للشعوب الإسلامية؛ في ثورة الأمة التي أحدثت تغييرا منقطع النظير في النفوس والعقول، سوف يقلب الطاولة على الاستعمار وأدواته المحلية ويؤسس لتغيير حقيقي على أساس الإسلام، في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾.

 

 

بقلم: الدكتور الأسعد العجيلي

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع