الخميس، 21 ربيع الأول 1448هـ| 2026/09/03م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-09-02

 

جريدة الراية:

أبو الظهور: هل تقود المواجهة المعلنة إلى التطبيع؟

 

 

لم يكن قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، في 18 آب/أغسطس، مجرد غارة جديدة من كيان يهود على الأراضي السورية. فقد استهدف الكيان الموقع بثماني غارات، في وقت كان الدور التركي يتعاظم في إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية، فيما يقع المطار على مسافة نحو 60 إلى 80 كيلومتراً من الحدود التركية. وربط الكيان الضربة صراحةً بالوجود العسكري التركي المحتمل، إذ قال نتنياهو إن دمشق كانت تقترب من السماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة، وهو ما اعتبره كيان يهود تهديداً لأمنه، بينما نفت أنقرة ودمشق وجود مثل هذا الانتشار. (الجزيرة نت، 2026/08/19)

 

وبذلك بدا القصف في ظاهره جزءاً من صراع متصاعد على النفوذ داخل سوريا، حتى إن كثيراً من القراءات الإعلامية قدمته باعتباره مؤشراً على اقتراب مواجهة بين كيان يهود وتركيا. فمع تنامي التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق، واحتمال إسهام تركيا في تطوير القدرات العسكرية السورية، أصبحت الأراضي السورية ميداناً لاختبار حدود النفوذ بين الطرفين.

 

لكن التطور الأكثر دلالة لم يكن عسكرياً، بل سياسياً. فقد كشفت تقارير أن رئيس الموساد رومان غوفمان أجرى في 14 آب/أغسطس اتصالاً بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، قبل قصف أبو الظهور بأيام، وكان الحضور العسكري التركي في سوريا أحد موضوعات النقاش. ثم، بعد أيام قليلة من القصف، التقى الشيباني نفسه برئيس الموساد في اجتماع رفيع المستوى في الأردن، خُصص لبحث خفض التصعيد. (العربية، 2026/08/23)

 

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف: إذا كان قصف أبو الظهور قد استهدف، وفق رواية كيان يهود، منع تمدد نفوذ تركيا في سوريا، فإن أحد أبرز نتائجه السياسية كان دفع دمشق إلى قناة اتصال مباشرة مع تل أبيب، وصلت إلى حد اجتماع وزير خارجيتها برئيس جهاز الموساد. ومن ثم فإن السؤال لا يعود فقط إلى طبيعة الهدف العسكري، وإنما إلى المسار السياسي الذي فُتح بعده: هل كان خفض التصعيد مجرد إجراء أمني لاحتواء حادث عابر، أم خطوة في مسار أوسع لإدخال سوريا تدريجياً في شبكة من التفاهمات مع كيان يهود؟

 

وتزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى طبيعة العلاقة نفسها بين تركيا وكيان يهود. فتركيا عضو في حلف الناتو الصليبي، وهي في الوقت ذاته دولة تربطها بكيان يهود علاقات رسمية، ولم تقطع هذه العلاقات حتى خلال حرب يهود على غزة، رغم التصعيد الكبير في خطابها السياسي تجاهه. وهنا تبرز قاعدة أساسية في قراءة العلاقات الدولية: السياسة لا تقاس بالشعارات والتصريحات وحدها، وإنما بما يجري في الغرف المغلقة وما يتحول منها إلى مسارات سياسية عملية.

ومن هذه الزاوية، يصبح من الضروري التعامل بحذر مع الصورة التي تقدمها كثير من وسائل الإعلام عن مواجهة وشيكة بين تركيا وكيان يهود. فقد يكون الصراع على النفوذ حقيقياً، وقد تتعارض مصالح الطرفين في سوريا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المسار النهائي هو مواجهة مفتوحة. فتركيا وكيان يهود تمتلكان، في الوقت نفسه، قنوات اتصال ومصالح متشابكة، وتتحركان داخل منظومة إقليمية ودولية واحدة، فيما تبقى أمريكا لاعباً مركزياً في ضبط توازنات المنطقة.

 

وهنا يكتسب حديث وزير خارجية تركيا حقان فيدان عن بناء منظومة إقليمية جديدة أهمية خاصة. فإذا كانت هذه المنظومة الأمنية تقوم على إعادة ترتيب العلاقات والقوى في المنطقة، فإن إدخال الكيان ودمجه فيها لا يبدو أمراً مستحيلاً، بل قد يكون أحد الاحتمالات التي يجري العمل عليها برويّة ودون عجلة. وفي هذه الحالة، لا يكون صراع تركيا مع كيان يهود بالضرورة نقيضاً لمسار التطبيع، بل قد يصبح أحد العوامل التي تعيد توزيع الأدوار وتدفع الأطراف إلى التفاوض حول قواعد النفوذ الجديدة، خاصة إذا نجحت أمريكا عبر أذرعها الإقليمية في محاوطة أذرع إيران.

 

ومن اللافت أن سوريا، التي كانت تتمسح بشعار الممانعة، تجد نفسها بعد سقوط الطاغية أسد أمام واقع أكثر انبطاحا وخضوعا في ظل (الحنكة السياسية!) لحكامها الجدد. فضربات كيان يهود على أراضيها مستمرة بوتيرة أشد، ونفوذ تركيا يتوسع فيها، وروسيا تحافظ على حضورها، وأمريكا تعمل على إدارة التوازنات، بينما بدأت هي نفسها تدخل في اتصالات مباشرة مع تل أبيب! وبذلك لم تعد القضية مجرد تحديد من يملك النفوذ العسكري في قاعدة أو منطقة، وإنما تحديد موقع سوريا داخل المنظومة الإقليمية الجديدة.

 

ولذلك فإن قصف أبو الظهور يمكن قراءته ضمن مسار يتجاوز الضربة العسكرية نفسها. فقد استهدف موقعاً ارتبط اسمه بنفوذ تركيا المحتمل، لكنه تزامن مع اتصالات أمنية سورية مع كيان يهود، وانتهى إلى لقاء علني بين وزير الخارجية السوري ورئيس الموساد. وفي السياسة، قد تكون هذه النتائج العملية أكثر دلالة من ارتفاع سقف التصريحات المتبادلة.

 

وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه هذه التطورات ليس فقط: هل نحن أمام مواجهة وشيكة بين تركيا وكيان يهود على الأراضي السورية؟ بل: هل نحن أمام إعادة ترتيب للنزاع نفسه بما يدفع سوريا إلى مربع التفاوض مع كيان يهود، ضمن منظومة إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح تركيا وكيان يهود وأمريكا؟

 

فما يُقال أمام العلن شيء، وما يدار خلف الأبواب المغلقة شيء آخر. والعبرة في النهاية ليست بما ترفعه الدول وحكامها من شعارات، وإنما بما تُفعّله من سياسات. وإذا كان استهداف أبو الظهور قد انتهى إلى تقريب دمشق من قناة اتصال مباشرة مع تل أبيب، فإن الأهم ليس فقط معرفة من استهدف بالقصف، وإنما معرفة إلى أي مسار سياسي دفعت نتائجه المنطقة، ومن المستفيد من هذا المسار في إعادة تشكيل مستقبل سوريا والإقليم، واستضعاف كل شعوب المنطقة في زمن تتوق فيه الأمة إلى استعادة أسباب القوة والوحدة أكثر من أي وقت مضى؟

 

إنه لا سبيل لإيقاف قطار التطبيع مع هذا الكيان المسخ ومحاسبة الحكام الخونة على جرائمهم إلا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فهي التي ستجتث كيان يهود من جذوره وتحرر الأرض المباركة وتعيد الدار إلى أهلها. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.

 

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع