الخميس، 21 ربيع الأول 1448هـ| 2026/09/03م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-09-02

 

جريدة الراية: 

حرب جديدة ضد اللوجستيات العسكرية والاقتصاد الروسي

أم سياسة لفصل آسيا الوسطى عن النفوذ الروسي؟

 

 

​في شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس 2026، استهدفت الطائرات المسيرة الأوكرانية مستودعات اللوجستيات التابعة لشركة وايلد بيريز في روسيا عدة مرات، ما ألحق أضراراً جسيمة بقدراتها اللوجستية الضخمة. وتعتبر أوكرانيا هذه المنشآت جزءاً من شبكة تنقل من خلالها مكونات الطائرات المسيرة وغيرها من المنتجات ذات الاستخدام المزدوج للجيش الروسي. وقد أثرت الهجمات على أكثر من 400 ألف بائع. ووفقاً لتقييمات "رؤى البيانات"، فإن خسائر البائعين قد تبلغ 445-507.8 مليار روبلك، وإعادة بناء البنية التحتية قد تتكلف 147-223 مليار روبلك، بينما قد تتراوح الخسائر الإجمالية بين 600-800 مليار روبلك (7-10 مليارات دولار). وهذا تقييم خبراء وليس تقديراً رسمياً نهائياً.

 

​تُظهر أوكرانيا وايلد بيريز كمنشأة مرتبطة بسلسلة الإمداد العسكري الروسي، بينما تعتبرها روسيا شركة تجارة إلكترونية مدنية بالأساس. ولهذا السبب، لا تضغط الضربات على الإمدادات العسكرية فحسب، بل تضغط أيضاً على مئات الآلاف من الأعمال التجارية الصغيرة، واللوجستيات، والسوق الداخلية الروسية. وتُفسَّر الهجمات بهدف زيادة تكاليف الحرب على روسيا وإضعاف بنيتها التحتية الاقتصادية.

 

ولكن المسألة الأكثر أهمية هي آسيا الوسطى؛ ​فإن ضربات أوكرانيا، وزيادة المخاطر اللوجستية في روسيا، وبحث وايلد بيريز عن قدرات بديلة، وازدياد الحاجة إلى المستودعات في كازاخستان، تعمل على إعادة تشكيل سلاسل التجارة واللوجستيات الإقليمية.

 

​وقد أفيد أن شركة وايلد بيريز تبحث عن مساحات تخزينية في كازاخستان تبدأ من 100 ألف متر مربع، وتبني مراكز لوجستية ضخمة في ألماتي وأستانا. وهذا يعني أنه على الرغم من أن الحرب تدور في روسيا، فإن عواقبها الاقتصادية واللوجستية قد تنتقل إلى آسيا الوسطى أيضاً.

 

​وهذا يشكل خطراً وفرصة لآسيا الوسطى في آن واحد: فهل ستضعف هذه العملية نفوذ روسيا الاقتصادي في المنطقة، أم ستعززه من خلال بنية تحتية جديدة؟ لأن وايلد بيريز شركة روسية، وتوسعها في كازاخستان ودول آسيا الوسطى الأخرى قد لا يلغي النفوذ الروسي، بل يغير شكله فقط.

 

​ومن ناحية أخرى، فإن زعزعة استقرار سلاسل التجارة المرتبطة بروسيا تُقرّب آسيا الوسطى من مسارات بحر قزوين، وجنوب القوقاز، وتركيا، وأوروبا. وهذا يتوافق موضوعياً مع الاستراتيجية الغربية لإخراج المنطقة من التبعية لروسيا.

 

​وبهذا المعنى، فإن الضربات تزيد من المخاطر على اللوجستيات الداخلية لروسيا، وقد تسارع إعادة التوزيع في سلاسل التجارة بين روسيا وآسيا الوسطى. وهذا يخلق ظروفاً ملائمة للاستراتيجية الغربية التي تهدف إلى تقليل نفوذ روسيا الاقتصادي في المنطقة.

 

ماذا ستفعل روسيا؟ ​إن روسيا لا تراقب هذه العملية بسلبية. فقد أوعز بوتين بإعادة بناء المستودعات والبنية التحتية اللوجستية المتضررة بمشاركة الدولة، ورفعها إلى مستوى تكنولوجي جديد.

 

​ورد روسيا المحتمل هو الانتقال من المستودعات الضخمة المركزية إلى شبكة من المراكز اللوجستية الإقليمية الموزعة والمحمية. كما أن توسع شركة وايلد بيريز في كازاخستان يتيح لموسكو الحفاظ على موقعها اللوجستي في آسيا الوسطى. ولكن هذه العملية تطرح سؤالاً آخر: إلى أي مدى تستطيع دول آسيا الوسطى حماية مصدريها من مخاطر الأسواق الخارجية؟

 

​وفي هذا السياق، لم تعلن أوزبيكستان حتى الآن عن إجراءات علنية بشأن التعويضات للتجار الأوزبيك الذين تضرروا من الهجمات في روسيا، ولم ترفع أي مطالب إلى روسيا. وروسيا صامتة أيضاً حول هذا الموضوع. ومع غياب آليات توزيع مخاطر الأسواق الخارجية، تجدر الإشارة إلى أن المصدّرين يضطرون للبحث عن أسواق ومسارات لوجستية بديلة.

 

​وهذا يطرح سؤالاً ملحاً على أوزبيكستان: إلى أي مدى يمكن لرجال الأعمال المحليين والأجانب ائتمان الدولة على حماية بضائعهم ورؤوس أموالهم واستثماراتهم؟ ومن هذه الزاوية، فإن نية أوزبيكستان الانضمام إلى اتفاقية سنغافورة جديرة بالاهتمام. حيث أعلنت وزارة العدل ذلك في 10 آب/أغسطس 2026. إن الاتفاقية لا تضمن الاستثمار أو الأرباح، بل تعزز آليات الاعتراف بقرارات تسوية النزاعات التجارية الدولية عبر الوساطة وإنفاذها. وقد يكون هذا "تأميناً" إضافياً يحجم المخاطر القانونية في النزاعات التجارية للمستثمرين الأجانب. ولكن السؤال يبقى مفتوحاً: في الوقت الذي تُعزز فيه الضمانات لرأس المال الأجنبي، هل تعزز أيضاً لحماية رجال الأعمال المحليين من المخاطر الاقتصادية الخارجية؟

 

​قد يكون الهدف المباشر للهجوم على وايلد بيريز هو ضرب اللوجستيات والاقتصاد الروسي، ولكن النتيجة غير المباشرة قد تغير سلاسل التجارة المربوطة بروسيا في آسيا الوسطى، وتقرب المنطقة من مسارات النقل والتجارة البديلة.

 

​ورغم أننا لا نقول علناً حتى الآن إن هذه عملية سرية خاصة تهدف إلى فصل آسيا الوسطى عن النفوذ الروسي، فإن العملية تتوافق موضوعياً مع مصالح أمريكا في تقليل نفوذ روسيا الاقتصادي في المنطقة وتعزيز الممرات البديلة.

 

​إن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد تقتصر على أراضي الدولتين، بل إن ضربتها الاقتصادية وصلت إلى رجال الأعمال واللوجستيات وممرات النقل في آسيا الوسطى. وعليه، فإن الصراع الجيوسياسي الرئيسي ليس على المستودعات، بل على المركز الاقتصادي الذي سترتبط به البضائع ورؤوس الأموال بالتدفقات التجارية لآسيا الوسطى.

 

الخلاصة: في ظل الصراع الجيوسياسي بين أهل الكفر، يتضرر آلاف المسلمين في آسيا الوسطى اقتصادياً وحياتياً. ولو أن حكامهم اعتمدوا سياسة مستقلة واستندوا إلى أحكام الله بدل الاستناد إلى روسيا أو الغرب، لكانوا أهلاً لنصر الله.

​إن العواقب الناجمة عن الاستناد إلى قوى الكفر لا تقتصر على التبعية السياسية والاقتصادية في هذه الدنيا فحسب. ففي الآخرة سيحاسب الإنسان على اختياراته وأعماله، وخاصة الحكام. ولا يزال الوقت متاحاً؛ فإذا تابوا إلى ربهم، وتمسكوا بحكمه، وفضلوا مصالح المسلمين على مصالح القوى الخارجية، فسينالون العزة والقوة بإذن الله! قال الله تعالى: ﴿​وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

 

بقلم: الأستاذ إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع