- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-16
جريدة الراية: بريطانيا تقود تحالفاً أوروبياً
لفرض عقوبات على حكومة نتنياهو
نادراً ما تصدرت بريطانيا ومنذ عقود طويلة قيادة مجموعة دول أوروبية من أجل إيقاع عقوبات علنية على كيان يهود حتى ولو كانت تلك العقوبات رمزية، فبريطانيا ليس من عادتها الصدام مع كيان يهود بمثل هذا الوضوح، وغالباً ما كانت تعالج تصرفات كيان يهود (غير المقبولة بالنسبة لها) بوسائل وأساليب دبلوماسية، ولم تكن تظهر بينهما أية صدامات علنية.
لكن هذه المرة يبدو أن تصرفات حكومة نتنياهو بلغت حداً من التطرف لم يعد محتملا بالنسبة لبريطانيا التي ما زالت تعتبر نفسها مسؤولة تاريخيا عن فلسطين، والتي أحست أن اليمين المتطرف في كيان يهود قد بدأ بكسر الخطوط الحمراء من وجهة نظرها، وهو ما دفعها لاتخاذ موقف حاسم وعلني لإيقاف هذا المد اليميني الصهيوني، ومنعه من تغيير الواقع السياسي بشكل جوهري في فلسطين.
إن ما أخرج بريطانيا عن هدوئها ودبلوماسيتها هو بدء حكومة نتنياهو بتنفيذ ما يسمى بمشروع (E1) الذي كانت حكومات كيان يهود السابقة تتجنب تنفيذه بسبب ضغوطات بريطانيا وأوروبا عليها، لكن هذه المرة تجرأت حكومة نتنياهو مدفوعة بأعضائها المتطرفين، وشرعت لأول مرة بتنفيذ المشروع بخطوات عملية، فأعلنت عن مناقصة لبناء 1200 وحدة سكنية في منطقة (E1)، وهذا ما استفز بريطانيا وحملها على فرض عقوبات علنية ضد كيان يهود، وحشدت معها 12 دولة أوروبية منها فرنسا وإسبانيا والدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا وإيرلندا وآيسلندا والبرتغال وبولندا بالإضافة إلى كندا، وتتمثّل هذه العقوبات في: حظر استيراد منتجات المستوطنات، وفرض عقوبات على شركات وأفراد لهم علاقة بتمويل بناء المستوطنات. ولقد ربطت هذه الدول بين فرض العقوبات وبين طرح مناقصة البناء، هذا إضافة إلى ذكر أسباب أخرى لفرض العقوبات كانت لها أهمية أقل من (E1) مثل تصاعد عنف المستوطنين ضد أهل فلسطين، ورعاية حكومة نتنياهو المباشرة للتطهير العرقي الذي يمارسه المستوطنون ضدهم.
إنّ العقوبات - وإن كانت تبدو خفيفة - لكن رمزيتها عالية القيمة، وتبعث برسائل جادة إلى كيان يهود تحذره من تجاوز الحدود المتعارف عليها، وتطلب منه عدم المضي في إجراءات تقطيع الضفة الغربية، وفصلها إلى مناطق يصعب معها إقامة كيان فلسطيني مترابط عليها، وذلك من أجل إبقاء فكرة حق الفلسطينيين في إقامة دولة فلسطينية حية أو كما يسمونه إنفاذ حل الدولتين، ووجود قابلية لإقامة منطقة حكم ذاتي تجسد الحدود الدنيا لشيء من حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
لقد صعّدت بريطانيا لهجتها ضد كيان يهود بطريقة لافتة فقال وزير خارجيتها إدّ ميليباند: "إنّ الحكومة الإسرائيلية تغض النظر عن التطهير العرقي الذي يُنفّذه المستوطنون"، ووصف تصرفات المستوطنين بأنّها: "تطهير عرقي"، وقال: "إنّنا نرفض أن نكون مُتفرجين".
ونتيجة لتصريحات بريطانيا الحادة هذه كانت ردة فعل كيان يهود عنيفة تجاه بريطانيا وقرّر إغلاق القنصلية البريطانية شرقي مدينة القدس، وسحب اعتماد دبلوماسيين بريطانيين خلال ثلاثين يوماً.
أما أمريكا فقد أطلعتها بريطانيا مسبقاً على قرار العقوبات ضد حكومة نتنياهو، إذ نقلت القناة الثانية عشرة في كيان يهود على لسان أحد صحفييها واسمه باراك رافيد عن مسؤولين أمريكيين قولهم: "إنّ إدارة ترامب لم تعارض خطوة بريطانيا بفرض عقوبات على إسرائيل، وإنّه رغم عدم موافقتنا على خطوة العقوبات هذه لكننا نشارككم الشعور بالإحباط من سياسات نتنياهو في الضفة الغربية"، وقال مارك روبيو وزير خارجية أمريكا: "لا نريد أي شيء مزعزع للاستقرار في المنطقة".
إنّ عقوبات بريطانيا والدول الأوروبية على كيان يهود ليس هدفها بالطبع إنصاف أهل فلسطين، بل هدفها إبقاء نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط، والحفاظ على دورها في المنطقة إلى جانب أمريكا، وجعل سياسة بريطانيا تمثل صمام الأمان للاستراتيجية الغربية بشكلٍ عام في المنطقة، ولذلك فهي من أجل ذلك تراهن بفرض تلك العقوبات على فرضية إسقاط حكومة نتنياهو، وإنجاح سياسيين جدد في انتخابات كيان يهود القادمة للعودة عن سياسات المستوطنين التي تجد قبولا لدى الإنجيليين في الحزب الجمهوري بينما لا تجد قبولا في باقي الدول.
أما ماذا تفعل الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية في مواجهة مخاطر التحديات الاستراتيجية التي تحدق بها وأمام صلف وغطرسة كيان يهود ضدها، فهي لم تتجاوز معهودها بالشجب والتنديد أو بالمباركة والترحيب بقرارات الدول الفاعلة، إذ رحبت ثماني دول رئيسية منها تركيا وباكستان ومصر والسعودية وقطر والأردن والإمارات بالعقوبات البريطانية والأوروبية، إذ إن هذه الدول لا تملك غير إصدار البيانات، فبدل أن تكون سياساتها فاعلة وتستخدم قواها العسكرية والاقتصادية الضخمة في فرض العقوبات بنفسها على كيان يهود على الأقل، تقوم بمباركة عقوبات لدول أخرى عليه وكأنّ الأمر لا يعنيها!
إنّ الاعتماد على عقوبات الدول الاستعمارية لن ينقذ المسلمين من استمرار الوقوع تحت مطرقة أمريكا وكيان يهود، وفي ظل شراك بريطانيا والدول الأوروبية الخبيثة المتآمرة.
إنّ على الأمة الإسلامية الاعتماد على نفسها في درء الأخطار ومواجهة أعدائها، ولا يمكن لها القيام بذلك إلا بتوحيد قواها في كيان واحد يدافع عن بيضتها ويدرأ عنها الأخطار الخارجية والداخلية.
بقلم: الأستاذ أحمد الخطواني
المصدر: جريدة الراية



