الخميس، 04 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
جريدة الراية:  تونس في متاهة الأزمات أين الخلل؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-10-14

 

جريدة الراية: تونس في متاهة الأزمات

أين الخلل؟

 

 

الحديث لم يعد عن أزمة واحدة في تونس، بل عن سلسلة أزمات متشابكة لم ينج منها قطاع الماء، والكهرباء، والزيت، والخبز، والسكر، والبنزين... طوابير لا تنتهي، ونقل "حدث ولا حرج"! ما إن تخف أزمة حتى تطل أختها، تتخللها المناسبات القارّة: العودة المدرسية، الأعياد، وسعر "العلوش". دولة تتعامل مع الأزمات بالتسويف تارة، وبالإلهاء تارة أخرى؛ صيف من المهرجانات والفنانين، وشتاء من البطولات الرياضية.

 

تتعدد الأزمات ويتعدد معها التشخيص. المعارضة تقول: فشل سياسة الرئيس، والرئاسة تقول: مؤامرة مدبّرة لإرباك البلد. وعندما يشتد الاحتقان ويتحرك الشارع، يتدخل الرئيس بخطاب عن "مؤامرة" و"تنكيل بالشعب"، دون تسمية جهة بعينها، لكن المفهوم أنه يقصد أطرافاً داخلية. النتيجة مزيد من التشنج، وترذيل المشهد، وانعدام الثقة في طبقة سياسية تعد ولا تنجز، عجزت عن التحكم في المشهد أو حتى طمأنة الناس.

 

الأسباب الحقيقية وراءها سنن لا تتخلف

 

انعكست الأزمات على الشارع بالإحجام عن التفكير في بناء مستقبل في البلاد. لا مشاريع، لا استثمار، لا زواج... يأتي هاجس الخروج والمغادرة، أو لنقل الهروب الجماعي إلى "الجنة الموعودة" في بلاد الغرب. والأرقام كارثية، ليس في تونس فقط بل في كل دول المنطقة.

 

في الربع الثالث من عام 2025، سُجّل 1316 تحركاً احتجاجياً. و93% من التونسيين يرون أن البلاد تسير في الطريق الخطأ. الثقة بالبرلمان لا تتجاوز 4%، وبالأحزاب 3%، بينما 89% لا يثقون في منظومة العدالة. ونسبة مشاركة الشباب في الانتخابات لا تتجاوز 6%. و92% يرون أن تدخل القوى الأجنبية في الحملات الانتخابية عبر الإنترنت والميديا يمثل خطراً على الديمقراطية، وهي من أعلى النسب في العالم.

 

لكن الأسباب الحقيقية أعمق من فشل الوجوه المتعاقبة، ومن فشل السياسة المنتهجة، ومن فشل المنظومة. الله عز وجل خلق الكون والإنسان والحياة وأودع في خلقه سنناً لا تتخلف ولا تتعطل، يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. ويقول رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ: خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيْتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ...» الحديث، وفيه أن ظهور الفاحشة، ونقص المكيال والميزان، ومنع الزكاة، ونقض العهد، وترك الحكم بكتاب الله، كلها أبواب لفساد وفقر وجور سلطان وتسلط عدو.

 

من بورقيبة إلى بن علي... سلسلةٌ من التفريط

 

فحديثنا عن انعدام الثقة في الدولة ليس وليد اليوم. نستحضر مقولة شيخ المقاومين للاستعمار الفرنسي في تونس، القائد علي بن خليفة النفاتي، حين أمضى الصادق باي وثيقة الحماية قال: "الآن صارت طاعة الباي كفر".

 

فمن بورقيبة الذي وضع يديه مع أيدي المستعمر في بناء ما سُميت بدولة "الحداثة" التي تفصل الدين عن الدولة، وترك له الثروات بدون عدّاد "بالثقة"، ونظام التعليم الذي وضعه الفرنسي جون دوبياس لينشئ عمالة لفرنسا. إلى بن علي وسياسة تجفيف منابع التدين، تُرك المستعمر يرتع وينهب الثروات. قضية حقل مسكار وبريتش غاز، أكبر حقل غاز في تونس، استنزفته شركة شال لمدة 30 عاماً (1992-2022) وتبيع الغاز للشركة التونسية للكهرباء والغاز (المفلسة الآن) بالسعر العالمي! ثم هرب من الثورة بعد نهب 20 مليار دولار، ومن قبلها 40 مليار دولار.

 

ثمّ ثورة عام 2011، وبعد لقاء مجموعة السبع في دوفيل بفرنسا، كان القرار: استمرار النظام والالتزام بالمواثيق وخلاص الديون، دون أي تطرق إلى الأموال المنهوبة والمهربة في أوروبا. والقاعدة تقول: الدولة التي لا تحاسب الفاسدين، تُحاسَب هي بالتاريخ والانهيار.

 

انهار حلم الثورة ليصبح واقعاً سياسياً هشاً وصراعاً على السلطة. لا توجد قضية كبرى تؤطر الرأي العام. وعندما يغيب الهدف الجماعي يتفكك المجتمع، ويصبح كل فرد مسؤولاً عن خلاص نفسه. دخلنا نفق المديونية والسياسات المملاة من صندوق النقد الدولي، ومنها رفع الدعم وإيقاف الانتدابات، ليجد الشاب أن الدولة لا توفر له عملاً ولا مستقبلاً. حينما يرى الناس أن النخب لا تملك استراتيجية، وتلهث وراء إرضاء الخارج من أجل فتات وترفض التضحية بمكاسبها، فكيف نطالبهم بالتضحية؟

 

الخلل في وسط سياسي عاجز بفكره المستورد

 

مشكلة الوسط السياسي القائم أنّ جله مضبوع بالفكر السياسي الغربي، إذ جعل الديمقراطية محوراً للعمل السياسي، حتى غدت مئات الأحزاب بلا لون ولا طعم ولا قضية.

 

واليوم الصراع بين السلطة والمعارضة حول من يملك الصواب والشرعية بالديمقراطية المباشرة أم التمثيلية، لم يفلح الطرفان في حسم الصراع ولن يفلحا، لأن الديمقراطية لا تمتلك مقاييس للصحة والبطلان من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقول الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

 

دمقرطة البلاد جزء من خطة غربية تسمح للمستعمر بالنفاذ والتحكم في المشهد وفي القوانين، وبالتالي دخول المستثمرين وعقد شراكات واستنزاف الطاقات بأنواعها، خاصة حين جعلوا تحكيم الاستثمارات الحيوية في الطاقة خاضعة للقانون الدولي عند التنازع.

 

الديمقراطية صارت بضاعة مزجاة عند أهلها، لا ترامب ولا أوروبا (اليوم اليمين يكتسح إيطاليا وألمانيا وفرنسا)، هاجسهم الأكبر الإسلام والهجرة. الغرب لو تُرك دون ثرواتنا لأكلوا بعضهم. وانظر حجم مديونية الدول الكبرى في العالم الآن... أرقام فلكية.

 

إن لم تكن الحلول من داخل المنظومة إلا ترقيعاً وتضليلاً، فأين البديل؟

 

قوة الأنظمة لا تظهر في الحالة الطبيعية بل عند الأزمات، والحل ليس في ترقيع منظومة أثبتت عجزها، بل في العودة إلى الأصل: عقيدة تحكم، وشرع يطبق، وعدل يقام، وأمة تتوحد.

 

أمّا البديل المنشودـ، فقد أعده حزب التّحرير مؤصلاً ومفصّلا، وإن شبابه ليصلون ليلهم بنهارهم، داعين أبناء أمتهم وأهل القوة والمنعة فيهم، للالتفاف حول مشروع الأمة الحضاري وخارطة الطريق من أجل استئناف الحياة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة. ففي ظلّها تكون تونس والأمة جميعاً على موعد مع فجر جديد يطوي السنون العجاف، ويعيد للأمة قيادتها التاريخية حين كانت تعتمد على ربها ثم على سواعد أبنائها، لا على طاولات الكافر المستعمر.

 

 بقلم: الأستاذ ياسين بن يحيى

 

المصدر: جريدة الراية

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع