- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-14
جريدة الراية: أمريكا والصين
إدارة صراع أم مواجهة؟
لم تعد العلاقة بين واشنطن وبكين مجرد خلاف تجاري أو منافسة اقتصادية. إنها صراع على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والأسواق، والنفوذ، والتحالفات، والقدرة العسكرية، وعلى شكل النظام الدولي القادم. لكن المفارقة أن هذا الصراع يجري بين قوتين لا تستطيع إحداهما الانفصال الكامل عن الأخرى. وهنا تبدأ قصة إدارة الصراع: لا حرب باردة جديدة بالمعنى التقليدي، ولا سلام اقتصادي كامل.
في أيلول/سبتمبر 2026، جاء لقاء رئيس أمريكا ترامب ورئيس الصين شي جين بينغ ليقدم صورة واضحة عن طبيعة المرحلة. فقد أبقى الطرفان قنوات التفاوض مفتوحة، وعملا على احتواء التوتر التجاري، من دون أن يعني ذلك انتهاء الخلافات الكبرى. بل إن ما حدث يؤكد أن التفاوض نفسه قد يكون جزءاً من إدارة الصراع. وقد أُعلن عقب الزيارة عن خطوات تجارية وحوار حول الذكاء الاصطناعي، فيما بقيت ملفات مثل تايوان والتكنولوجيا ضمن نقاط الخلاف.
تضغط واشنطن على بكين في ملفات التكنولوجيا والتجارة والأمن، بينما تحاول الصين توسيع قدرتها على الاستقلال عن الأدوات الأمريكية. وفي الوقت ذاته يستمر الطرفان في التجارة والتعامل الاقتصادي. إنها معادلة تبدو متناقضة، لكنها تعكس طبيعة الصراع الحديث بين القوى الكبرى: تنافس شديد، مع إبقاء الجسور التي تمنع الانفجار الكامل.
بنت الصين خلال العقود الماضية قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية جعلتها منافساً استراتيجياً حقيقياً لأمريكا، لكن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة الرغبة في استخدامها في حرب مباشرة.
قد يكون حساب الصين أكثر ارتباطاً بالزمن، فإذا استطاعت أن تزيد إنتاجها، وتطور تقنياتها، وتقلل اعتمادها على الخارج، وتوسع تجارتها وعلاقاتها، وتعزز قدراتها العسكرية، فإن موقعها التفاوضي يتغير عاماً بعد عام.
فهل تحاول الصين كسب الصراع من خلال الزمن، بينما تحاول أمريكا كسبه من خلال منعها من امتلاكه؟ إذا صح هذا الوصف، فإن جوهر المنافسة لا يكمن فقط فيما تفعله القوتان اليوم، بل فيما تخشيان أن تصبحا عليه بعد عشر سنوات، فالزمن نفسه أصبح ساحة للصراع.
القوة ليست دائماً أن تضرب خصمك الآن، أحياناً تكون القوة أن تجعل السنوات القادمة تعمل لصالحك. وهذا يفسر جانباً مهماً من سلوك الصين، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار حاسم في كل جولة، بل يكفيها في بعض الملفات أن تمنع خصمها من تحقيق أهدافه، بينما تستمر هي في بناء قدراتها.
أما بالنسبة لأمريكا، فقد تكون المشكلة مختلفة: فكلما طال الزمن واستمرت الصين في النمو التكنولوجي والصناعي والعسكري، تقل المسافة التي تفصلها عنها في بعض المجالات. ومن هنا يمكن فهم جانب من سياسة أمريكا تجاه الصين وهي إبطاء بعض مسارات صعودها، وخصوصاً في التقنيات التي ترى أمريكا أنها ذات أهمية استراتيجية.
وبذلك يتحول الزمن من عنصر محايد إلى مورد استراتيجي؛ الصين تريد المزيد منه، وأمريكا تريد أن تمنعها من امتلاكه بلا قيود، لتصبح المعركة من يستطيع أن يشتري الوقت، ومن يستطيع أن يحرم خصمه منه؟
لو كانت العلاقة مجرد صراع تجاري، لكان احتواؤها أسهل. لكن خلف الاقتصاد يقف سباق عسكري واستراتيجي متزايد، وتبقى تايوان العقدة الأكثر حساسية. ولهذا فإن أي أزمة حول تايوان قد تتجاوز حدود الجزيرة بسرعة، وتتحول إلى مواجهة أمريكية صينية ذات آثار اقتصادية وعسكرية عالمية.
لكن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة الرغبة في استخدامها، فالردع يقوم على شيء مختلف وهو أن تجعل خصمك يعرف أنك تستطيع المواجهة، من دون أن تضطر إلى خوضها. وهذا يفسر لماذا تسير القوتان في مسارين متوازيين: بناء القوة من جهة، وفتح قنوات الاتصال من جهة أخرى.
واشنطن تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري، ودعم شبكة تحالفاتها، ومنع تحول الصين إلى قوة مهيمنة في آسيا. لكن الحرب المباشرة مع الصين ليست قراراً بسيطاً. فالصين ليست دولة يمكن عزلها بسهولة، والاقتصادان الأمريكي والصيني مرتبطان بشبكات تجارية وصناعية ومالية معقدة، كما أن أي مواجهة عسكرية بين قوتين نوويتين تحمل مخاطر تتجاوز حدود الطرفين.
كل طرف يحاول تقليل نقاط ضعفه وزيادة نقاط الضغط على الطرف الآخر. فأمريكا تمتلك قوة كبيرة في التكنولوجيا المتقدمة، والتمويل، والأسواق، وشبكة التحالفات. والصين تمتلك قاعدة صناعية ضخمة، وسلاسل توريد واسعة، وحضوراً كبيراً في التجارة العالمية، وقدرات متنامية في التكنولوجيا والدفاع.
الصين تستطيع أن تقول، بصورة عملية: لا داعي للاستعجال؛ نبني الصناعة، ونطور التكنولوجيا، ونوسع الأسواق، ونقوي القدرات، ثم نعود إلى طاولة المفاوضات. أما أمريكا، فإن جزءاً من حساباتها يقوم على سؤال مختلف: إلى أي مدى يمكن السماح للصين بالوصول إلى مرحلة تصبح فيها تكلفة احتوائها أعلى بكثير؟
ومن هنا تتولد سياسات القيود التكنولوجية، وتنويع سلاسل التوريد، وتعزيز التحالفات، والحضور العسكري في آسيا.
فالمعركة إذن ليست فقط حول ما يحدث اليوم، وإنما حول شكل ميزان القوى بعد عقد أو عقدين.
إدارة الصراع لا تعني غياب المواجهة؛ بل تعني محاولة التحكم في توقيتها وحدودها وتكاليفها. ولهذا قد نشهد مزيداً من الرسوم والقيود التكنولوجية والمناورات العسكرية والتحالفات، وفي الوقت نفسه مزيداً من القمم والمفاوضات والاتفاقات التجارية وخطوط الاتصال. وإذا استطاعت الصين أن تستثمر الزمن في بناء استقلالها التكنولوجي والصناعي، وتوسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية، فإن الزمن يصبح عنصر قوة لها. وإذا استطاعت أمريكا أن تحافظ على تفوقها التكنولوجي، وتماسك تحالفاتها، وقدرتها الاقتصادية والعسكرية، وتمنع ظهور بديل استراتيجي كامل لنظامها، فإنها تكون قد استخدمت الزمن بطريقة مختلفة.
إذا كان الأمر كذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس بالضرورة أن تقرر إحدى القوتين الحرب غداً، بل أن تصل إحداهما إلى قناعة بأن الوقت يعمل ضدها. عندها يصبح الضغط أكثر إلحاحاً، وتصبح المخاطرة أكبر، وتضيق مساحة المناورة.
ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين واشنطن وبكين قد لا يتحدد فقط بعدد حاملات الطائرات، أو حجم الناتج المحلي، أو عدد الرقائق التي تنتجها كل دولة، بل بقدرة كل طرف على الصبر والبناء، والحفاظ على تحالفاته، والتفاوض من موقع قوة، من دون أن يفقد السيطرة على مسار الصراع.
حتى ذلك الحين، ستبقى أمريكا والصين تتحركان على الحافة: تضغطان دون كسر العلاقة، تتنافسان دون إشعال الحرب، وتتفاوضان وهما تستعدان لاحتمال ألا ينجح التفاوض. وهذه ليست بالضرورة مرحلة تسبق الحرب، بل قد تكون، في حد ذاتها، شكلاً جديداً من أشكال الحرب الباردة: صراعاً تديره قوتان تعرفان أن المواجهة المباشرة قد تكون كارثية، وأن التراجع الكامل أكثر كلفة.
أمريكا والصين لا تديران السلام، بل تديران الصراع، وكل منهما يحاول أن يجعل المستقبل يعمل لمصلحته. لكن خلف هذا الصراع سؤال أكبر يتجاوزهما: ما النظام العالمي الذي يريده الإنسان لمستقبله؟ فالعالم اليوم أكثر حاجة إلى نظام يحترم حق البشر في العيش، وينشد السلام، ويقلل من الحروب والصراعات، ويضع الإنسان وكرامته ومستقبله في مركز الاهتمام، بدل أن تتحول القوة والثروة والنفوذ إلى غايات قائمة بذاتها.
إن المستقبل لا ينبغي أن يبقى أسير صراع القوى الكبرى، وإن البشرية تحتاج إلى مبدأ الإسلام وأنظمته في الحكم والمجتمع والعلاقات الدولية والعيش بسعادة حيث معنى السعادة الإنسانية إرضاء الخالق، وبإقامة حياة تقوم على مبادئ الإسلام وعدله.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم
المصدر: جريدة الراية



