- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-14
جريدة الراية: شعار العقد الذهبي الجديد
في العلاقات الصينية الأوزبيكية وواقيته الحقيقية
الصين مستعدة لفتح عقد ذهبي جديد في العلاقات الثنائية بالتعاون مع أوزبيكستان. صرح بذلك رئيسها شي جين بينغ خلال لقائه برئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي عقدت في بيشكيك عاصمة قرغيزستان. وقد غطيت المفاوضات التي جرت بين الطرفين بلغة الدبلوماسية الرسمية كصفحة ناجحة أخرى.
تحت شعارات براقة مثل "العقد الذهبي الجديد"، و"مجتمع المصير المشترك الصيني الأوزبيكي"، و"الشراكة الاستراتيجية ذات النفع المتبادل"، تختفي عمليات عالمية وإقليمية مهمة. وإذا نُظر إلى هذا الواقع من خلال جوهر الوضع الدولي، وتصادم القوى الرأسمالية العالمية، والمصالح الجيوستراتيجية للأمة الإسلامية، ينكشف الجوهر الحقيقي للمسألة.
فمن جهة، تقف الصين - وهي قوة شيوعية رأسمالية تسعى لتأمين سلاسل إمدادها وممرات صادراتها - ومن جهة أخرى، يقف نظام تابع يفتقر إلى مرجعية مبدئية مستقلة، وقد سلم ثرواته الطبيعية، وإمكاناته الترانزيتية، وشعبه المسلم لتقسيم الدول الكبرى.
الوضع الدولي:
ضعف هيمنة أمريكا: انهار الاحتكار الصناعي والتكنولوجي لأمريكا، وقوتها العسكرية والاقتصادية والمالية تتآكل بشكل جدي جراء سياساتها الطائشة في إيران وغزة وغيرهما من البلاد الإسلامية، فضلاً عن ديونها الداخلية وسياسة الرسوم الجمركية. ولم تعد قادرة على السيطرة بمفردها على كافة أرجاء العالم.
أزمة أوروبا الهيكلية: نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية والحرمان من الطاقة الرخيصة، سقطت أوروبا في دوامة التراجع الصناعي، وأصبحت ضحية للتنافس بين أمريكا والصين.
التوسع التمددي للصين: لم تكتف الصين بالتحول إلى مركز صناعي عالمي، بل بلغت مستوى التفوق على الغرب في مجالات الشرائح الإلكترونية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا العالية. وفي الوقت نفسه، تزيد من حصة اليوان في التجارة الدولية لتقليل الاعتماد على الدولار.
في ظل هذه الظروف، يعد ضمان الطرق البرية لنقل البضائع ضرورة حياتية بالنسبة للصين. وحينما تكون المضائق البحرية مثل هرمز وملقا ومياه المحيط الهادئ تحت تهديد قوات أمريكا البحرية أو الحروب الإقليمية، تكون شبكة "حزام واحد، طريق واحد" البرية عبر آسيا الوسطى هي البديل الوحيد لخروج البضائع الصينية إلى أسواق أوروبا والشرق الأوسط.
ولذلك، فإن خط السكة الحديدية "الصين - قرغيزستان - أوزبيكستان" الذي شدد عليه شي جين بينغ في بيشكيك ليس مجرد بنية تحتية بالنسبة لبكين، بل هو شريان جيواقتصادي وعسكري استراتيجي يلتف على العقوبات الغربية والحصار البحري.
إن طرح الصين لشعارات مثل "الذكاء الاصطناعي، ومكافحة التصحر، وتقليل الفقر، وافتتاح مراكز ثقافية" في علاقاتها مع أوزبيكستان هو في الحقيقة فخ للاعتماد الاقتصادي تحت ثوب القوة الناعمة:
1- احتكار المواد الخام والأسواق: تستولي الصين مقابل التكنولوجيا والقروض على الثروات المعدنية لأوزبيكستان (اليورانيوم، النحاس، الغاز، والمعادن النادرة)، وكذا شبكات الطاقة وممرات النقل. وتستخدم المعادن النادرة وسلاسل الإنتاج كسلاح، والآن تقوم بدمج موارد أوزبيكستان بالكامل في هذه السلسلة.
2- التوسع الثقافي والتعليمي: إن مطالبة شي جين بينغ بإنشاء مراكز ثقافية، والتبادل التعليمي، والتقارب بين الشعبين هي خطة لتحسين نظرة الشعوب المسلمة في آسيا الوسطى تجاه الصين، وتعزيز التوسع السياسي والاقتصادي من الناحية الفكرية والثقافية.
3- وصمة القوى الشريرة الثلاث: التآمر ضد الصحوة القائمة على الإسلام. إن أخطر نقطة في البيان هي اتفاق الطرفين على التكاتف لمكافحة القوى الشريرة الثلاث (الإرهاب، التطرف، والانفصالية).
إن الجوهر الحقيقي لهذه المصطلحات هو إضفاء المشروعية على مأساة ترکستان الشرقية. فالصين تسعى لمحو الهوية الإسلامية لملايين الأويغور وغيرهم من المسلمين الأتراك عبر الزج بهم في المعسكرات بذريعة "التطرف والانفصالية". وإن قبول أوزبيكستان لهذا المفهوم دون تردد، ودعمها الكامل للمبادرات العالمية الأربع لشي جين بينغ ولمبدأ "صين واحدة"، يعني المشاركة في ظلم مسلمي تركستان الشرقية والتبرير الرسمي لسياسة الصين المناهضة للمسلمين.
تشن أمريكا والغرب حرباً منهجية ضد الإسلام وأحكامه، وعلى النحو نفسه، تخشى الصين وروسيا والأنظمة الإقليمية في ساحة منظمة شنغهاي للتعاون من الصحوة المبدئية بين الشعوب المسلمة، وإعادة إحياء الهوية الإسلامية وفكرة الحكم الإسلامي؛ الخلافة. وتحت وصمة القوى الشريرة الثلاث، تستهدف هذه الصحوة الإسلامية وكل حراك طبيعي ضد الأنظمة المستبدة.
افتقار أنظمة المنطقة لسياسة مستقلة:
إن الحكام التابعين في دول المنطقة منفصلون عن شعوبهم ومجبورون على الاستناد إلى قوى خارجية مثل أمريكا وروسيا والصين للحفاظ على عروشهم.
إن ثناء النظام الأوزبيكي على "بعد نظر" شي جين بينغ ويمنيه بالمستقبل المشرق للتحديث الصيني يظهر أن طشقند تحت ستار السياسة الخارجية متعددة الأبعاد، تسقط أكثر فأكثر في قبضة بكين الاقتصادية والأمنية، في ظل تورط روسيا في مستنقع أوكرانيا وارتباك أمريكا الاستراتيجي.
لكي تكون الدولة عظيمة، لا يكفي فقط جيش أو مواد خام، بل يجب أن تمتلك مشروعاً مبدئياً، وقاعدة صناعية مستقلة، والقدرة على التحكم في مواردها. وبما أن أنظمة المنطقة تفتقر إلى كل ذلك، فإنها ترضى بأن تكون أطرافاً تابعة تمد الصناعة الصينية بالمواد الخام وتستهلك البضائع الصينية.
أين طريق النجاة؟
إن العقد الذهبي الجديد الذي تريد الصين فتحه مع أوزبيكستان هو في الحقيقة:
-
بالنسبة للصين: أمن سلاسل الإمداد، والسيطرة المطلقة على موارد آسيا الوسطى في التنافس مع أمريكا، وإنشاء حاجز أمني يمنع وحدة المسلمين.
-
بالنسبة للنظام الأوزبيكي: الحصول على ضمانات سياسية ومالية من كفيل خارجي مقابل ثروات الشعب، وتأمين استقرار النظام.
-
بالنسبة للشعب المسلم: التبعية الاقتصادية، ونهب الثروات الطبيعية، ومزيد من الخنق للصحوة القائمة على الإسلام بذريعة "مكافحة الإرهاب".
في هذه اللحظة التاريخية الفارقة التي تواجه فيها الرأسمالية الأمريكية والغربية أزمة هيكلية عميقة، وتتخبط فيها الصناعة والدفاع في أوروبا، ولا تريد فيها الصين تحمل أعباء العالم، فإن نجاة شعوب آسيا الوسطى والأمة بأسرها ليست في التوجه نحو الصين أو الغرب، بل في خروج المسلمين من مستنقع القومية والوطنية، والعودة إلى عقيدتهم الإسلامية، ورفض وصمات القوى الشريرة الثلاث، والوحدة في ظل الخلافة الراشدة. فهذه الدولة المبدئية العظيمة هي وحدها القادرة على إيقاف أطماع الصين الاستعمارية، وتحرير المظلومين في تركستان الشرقية، وتوجيه ثروات المنطقة نحو تقدم ورفاهية مالكيها الحقيقيين؛ الأمة الإسلامية.
بقلم: الأستاذ عبد العزيز الأوزبيكي
المصدر: جريدة الراية



