- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-21
جريدة الراية:
مصلحة القوى الخارجية من النزاع الدائر
بين باكستان وأفغانستان
على الحدود الباكستانية الأفغانية، تُسفك دماء المسلمين الأبرياء مجدداً جراء ألاعيب المستعمرين السياسية وخيانة الأنظمة. فوفقاً لخبر نشرته وكالة رويترز بتاريخ 2026/9/25م، شنت قوات باكستان الجوية غارات وحشية استهدفت 10 مواقع داخل أفغانستان قبل يوم من ذلك، في ثاني هجوم دموي خلال أربعة أيام. ويحاول نظام باكستان التغطية على هذه الهجمات بزعم أنها "تدابير ضد الطائرات المسيرة والجماعات المسلحة"، بينما تنفي كابول إرسال أي طائرات مسيرة وتؤكد استهداف المدنيين وإبادتهم. وخلف البيانات الرسمية لهذه الأنظمة، يفقد الأبرياء في هذين البلدين المسلمين الجارين أرواحهم ومنازلهم وأمنهم.
خير مثال مؤلم على ذلك مجزرة كونار. فقد أفادت رويترز بتاريخ 2026/9/21م، بأن بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (أوناما) أكدت مقتل رجل وامرأة وفتاة، جراء الغارات الجوية. وهذا يعني أن التبعات العنيفة لهذه الهجمات التي يشنها نظام إسلام أباد تقع على كاهل العائلات المسلمة. ومهما حاولت الأنظمة تبرير أفعالها الشنيعة بذرائع الأمن، فإن إراقة دماء المسلمين الأبرياء جريمة نكراء في الشريعة الإسلامية. وإن التحرك تحت راية الدولة أو قناع الأمن لن ينجي أي حاكم من مسؤولية سفك الدماء بغير حق، ولا من عذاب الله.
كما تحولت قضية حركة طالبان باكستان، التي يشار إليها كإحدى العقد الأساسية لهذا النزاع، إلى أداة لإذكاء العداء بين البلدين. فقد ورد في تقرير المفتشين العموميين الأمريكيين الخاص بالربع الأول (كانون الثاني/يناير - آذار/مارس) 2026م، استناداً إلى تقييم الاستخبارات العسكرية، أن إيواء حركة طالبان الأفغانية لحركة طالبان باكستان وعدم تطبيق القيود عليها بشكل متكافئ يساهم في استمرار العنف على الحدود. وهذا ليس إلا تقييماً سياسياً صادراً عن واشنطن. والجهد الجليّ من هذه الصورة هو أن نظام باكستان يمارس ضغطاً عسكرياً على كابول للتغطية على عدم الاستقرار الداخلي في أراضيه ولتنفيذ إملاءات أمريكا، في حين تُشكل الضبابية في موقف كابول تجاه هذه الجماعات فخاً يستغل لإغراء البلدين المسلمين ببعضهما البعض.
إن هدف باكستان هو إرغام حكومة طالبان على الخضوع لشروطها عبر الضربات العسكرية والعدوان. بينما يراد من المفاوضات تحويل هذا الضغط إلى التزامات سياسية. ففي تقرير نشرته رويترز بتاريخ 2025/10/28م، اتهم مصدر باكستاني أفغانستان بعدم الرغبة في الالتزام بكبح جماح حركة طالبان باكستان، في حين صرح مصدر أفغاني بأن كابول لا تسيطر على هذه الجماعة. وهكذا، أضحت قضية الجماعة المسلحة سبباً في توجيه السلاح بين بلدين مسلمين، ومادة للمساومة السياسية بينهما.
والمحرّك الأساسي وراء هذه الفتنة هو أمريكا، وهذا ما يظهر جلياً في الوثائق الرسمية. فقد أُدرجت حركة طالبان باكستان كتنظيم تجب محاربته بالتعاون المشترك في البيان المشترك الصادر عن الحوار المتبادل لمكافحة الإرهاب بين أمريكا وباكستان، والمنعقد بواشنطن في 2026/8/4م. كما جرى بحث تعزيز أمن الحدود وقطع شبكات الدعم عن الجماعات المسلحة. وهذا دليل واضح على أن السياسة الأمنية لباكستان تدار بشكل مباشر من أمريكا.
ويكشف التقرير الأمريكي سالف الذكر عن الاتجاه الحقيقي لهذه السياسة الخبيثة بشكل أكثر جلاءً؛ حيث نصّ صراحةً على الحفاظ على القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية عن بعد داخل أفغانستان، وتعزيز العلاقات مع الجيش الباكستاني، وترويج أهداف الهيمنة الأمريكية في جنوب ووسط آسيا عبر عملاء من خارج المنطقة. إن الأولوية الوحيدة لواشنطن هي تأمين مصالحها الاستعمارية وأمنها، حتى لو كان ذلك على حساب دماء المسلمين. ورغم سحب قواتها من أفغانستان، إلا أنها لا تزال تحتفظ بأدوات التحكم وروافد إشعال الفتنة بين المسلمين وإشعال النزاعات بينهم عبر الأنظمة العميلة والاتفاقيات العسكرية.
ولا تقف هذه التبعية عند هذا الحد، بل تتجذّر أيضاً في المجال التقني العسكري. فقد أعلن بيان مشترك لشركتي باوروس وأوريوس غرينواي بتاريخ 2026/9/18م، عن تلقي طلب أولـي محدود من وزارة الدفاع الباكستانية لتوريد أنظمة الطائرات المسيرة وتقديم خدمات الصيانة لها. كما وقعت مذكرات تفاهم للتعاون المستقبلي، والتي ربطت مشاريعها بشكل مباشر بالحصول على الموافقات اللازمة من أمريكا. وإن هذا الشرط وحده ليكشف مدى عمق التبعية والعمالة في الجيش الباكستاني؛ إذ إن تشغيل الأسلحة والتقنيات التي يملكها يتوقف على إذن أمريكا! ويمتلك المورّد الأمريكي القدرة على إلغاء هذا الإذن في أي وقت يشاء، وإملاء شروطه على القيادة العسكرية الباكستانية وتسييرها وفق أهوائه.
وما الوساطة القطرية والتركية إلا قناع دبلوماسي لهذا النزاع. فقد ورد في بيان مشترك لوزارة الخارجية التركية بتاريخ 2025/10/30م، أنه تم الاتفاق على إنشاء آلية لمراقبة الهدنة وفرض إجراءات عقابية على الطرف المنتهك لها. كما أفاد بيان قطري بتاريخ 2026/3/18م، بفرص هدنة عيد مؤقتة عقب نداء مشترك مع تركيا والسعودية. غير أن هذه الهدن المؤقتة لم تكن لتغير من سياسات الأنظمة التي تخدم مصالح أمريكا، ولا أن تمس جذور الاستعمار. إن هذه الميادين الدبلوماسية الخاضعة لإشراف أمريكا المباشر تُستغل لتنفيذ مشاريع أمريكا.
وقد تأكد رسمياً الدور التنفيذي الذي تلعبه قطر لصالح أمريكا في الملف الأفغاني. فوفقاً للتقرير الأمريكي، يتولى قسم الشؤون الأفغانية في سفارة أمريكا بالدوحة إدارة القضايا المتعلقة بهذا البلد، في حين تؤدي قطر دور الراعي والممثل لمصالح أمريكا في أفغانستان.
ومن جانب آخر، تستغل الصين حالة عدم الاستقرار لدى المسلمين لتحقيق مصالحها. فقد ربط البيان المشترك الصادر بين الصين وباكستان بتاريخ 2026/1/5، التعاون الأمني بحماية الأفراد والمؤسسات الصينية والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. وأشار البيان بشكل خاص إلى ميناء غوادار، وطريق قره قورم، والمشاريع الصناعية والتعدينية. وتتطلب هذه الوثيقة اتخاذ إجراءات عملية صارمة ضد الجماعات المسلحة في أفغانستان. فليس المهم بالنسبة لبكين دماء المسلمين أو أمنهم، بل الحفاظ على سلامة رأسمالها واستثماراتها وخطوط تجارتها. ولهذا السبب، فإنها تجعل من نظام باكستان حارساً لاستثماراتها.
وهنا تتجلى الحقيقة السياسية المرة لهذا النزاع: إن الخلافات الحدودية بين باكستان وأفغانستان ليست مجرد مشكلة أمنية، بل هي تحريض للمسلمين في باكستان وأفغانستان ضد بعضهم بعضا، خدمة لمصالح أمريكا والصين! وكلما أوكل حكام البلاد الإسلامية أمر أمنهم إلى القوى الخارجية الكافرة، ازدادوا خضوعاً وتبعية لشروطها.
وفي هذا الصدد، لا بد من التصريح جهاراً بعدم المسؤولية التي تبديها باكستان وأفغانستان؛ فقيادة باكستان تضحي بدماء شعبها ودماء أهل أفغانستان خدمةً لمصالح أمريكا والصين. وتعجز قيادة كابول عن تقديم مصالح الأمة وأمن الأبرياء على مصالحها الضيقة.
إن الحل الإسلامي لا يتمثل في مجرد الدعوة إلى هدن زائفة أو استجداء العطف من هذه الأنظمة، بل إن السبيل الوحيد لوضع حد لإراقة دماء المسلمين وطرد المستعمرين من المنطقة يكمن في الآتي:
- نبذ الحدود الاصطناعية (خط ديوراند) والفتن: إن المسلمين في باكستان وأفغانستان أمة واحدة، ولا بد من رفض الأنظمة التابعة والحدود الاصطناعية للمستعمرين التي جعلتهم أعداءً لبعضهم بعضا.
- إنهاء التبعية الخارجية: يجب على الجيش الباكستاني التوقف فوراً عن خدمة أمريكا والصين، وتوجيه سلاحهم وقوتهم لحماية المسلمين.
- إقامة الخلافة الراشدة: إن إقامة الخلافة الراشدة التي تُوحّد القوة العسكرية والاقتصادية للمسلمين، وتجفف الجذور الأمريكية والصينية في المنطقة، وتقيم الدولة الواحدة على أساس أحكام الإسلام لهو أمر واجب.
إن قوة المسلمين العسكرية لا يجوز أن تسخر للاقتتال فيما بينهم، بل يجب أن توجه ضد أعدائهم. وإن العمل الفكري والسياسي لتحقيق هذا الهدف العظيم، وإقامة الدولة الإسلامية لهو فرض على كاهل كل الأمة.
بقلم: الأستاذ صلاح الدين الأوزبيكي
المصدر: جريد الراية



