ولاية مصر: درس بعنوان "فرض الخلافة بين الحكم الشرعي والواقع"
- نشر في أخرى
- قيم الموضوع
- قراءة: 942 مرات
الخبر:
نشر موقع محيط حوارا لربيع شعبان مع هاني عبد الرحيم المذيع السابق بقناة "الحافظ" والذي قدم استقالته على الهواء مباشرة قبل 48 ساعة من إغلاق القنوات "الدينية" عشية انقلاب السيسي في 30 يونيو 2013، تحدث فيها المذيع عن استقالته وعن القناة وعن ما سماه الإعلام الديني.
وإجابة عن السؤال: هل تعتقد أن ما يسمى بالإعلام الإسلامي قد فشل في تحقيق أهدافه ومصالحه التي كان يسعى إلى تحقيقها؟
قال: الإعلام الإسلامي أو القنوات الدينية فشلت في توجيه الرأي العام وأبلغ دليل على ذلك اندلاع ثورة 30 يونيو، وعلى القنوات الدينية أن تعود إلى حقل الدعوة فقط.
ومما قاله أيضا: بعض القنوات الدينية تجاوزت كثيرا، وساعدت في خلق روح العداء بين أفراد الشعب المصري، وبعض الفتاوى التي كانت تهدر دم الثوار، وساعدت على وجود نوع من الفرقة، فضلا عن فتاوى تكفير للآخر ولكن أنا لست مع غلق القنوات المنضبطة مهنيا، وأخلاقيا، وعلى القنوات الدينية ألا تمارس السياسة وتكتفي بالدعوة فقط، لأنها فشلت في لعب الدور السياسي.
التعليق:
هل حقا فشل ما يسمى بالإعلام الإسلامي؟
هذا السؤال المطروح هنا وهو ما نحاول الإجابة عنه. ولكي نحسن الجواب من حقنا أن نسأل أولا إن كان هناك إعلام إسلامي أصلا على الفضائيات قبل 30 يونيو أم لا؟
المذيع يقول إن القنوات الدينية عليها العودة إلى حقل الدعوة فقط وألا تمارس السياسة لأنها فشلت في لعب الدور السياسي!
وفي تسجيل الفيديو أثناء المقابلة يروي المذيع كيف كان عدد من رموز الإخوان المسلمين يقولون له "شوية سياسة شوية دين شوية سياسة شوية دين لغاية ما نقلبها إن شاء الله دولة إسلامية".
فهل السياسة شيء آخر غير الدين حتى يقال هذا الكلام؟ أليست السياسة هي رعاية الشؤون، فإن كانت وجهة نظر السائس إسلامية كانت رعاية الشؤون على أساس الإسلام وإلا فلا!
الإشكال الكبير عند المذيع وعند الكثير من الحركات بل وعند عموم الناس أنهم يفصلون على أرض الواقع بين الدين والسياسة، فقطاع كبير يرى أن الدين هو علاقة الإنسان بخالقه ولا علاقة له بالدولة أي بالحكم والاقتصاد والاجتماع والسياسة الخارجية...الخ.
هذا الخلل في الفهم جعل حركات إسلامية تقبل الدولة المدنية والعلمانية والديمقراطية، وتقبل اقتصاد السوق الحر، وتقبل بدساتير لا علاقة لها بالإسلام، وتقبل أن تكون سياسة الدولة الخارجية خادمة للكافر المستعمر... فهي تسوق وجهة نظر لا علاقة لها بالإسلام في أعمالها وأقوالها، ثم هي تفهم من السياسة أن تناكف المعارضين بحسب مصالحها الآنية الأنانية... فالسياسة عندهم هي رعاية مصالح الحركة أو الحزب وإيجاد رأي عام لصالحها، وتوظيف المنابر الإعلامية لهذا الغرض فحسب، دون طرح البديل الحقيقي للأمة المنبثق من مبدأ الإسلام!
نعم المهم من يحكم وليس المهم بأي شيء يحكم، وإعلامها يمارس تسويق الحاكم لا تسويق الحكم بالإسلام!
ولهذا كله وجدنا مشايخ ولحى كثيرة على شاشات الفضائيات تناكف وتصارع في فقه "المسالك البولية" كما سماه وجدي غنيم مرة، فإذا وصلت إلى موضوع الحكم بالاسلام ووجهة نظر الإسلام وممارسة السياسة التي هي رعاية الشؤون على أساس الإسلام واستغلال المنبر الإعلامي لطرح تصورات الإسلام في مجالات الحياة المختلفة وجدت اللوثات الفكرية، والشطحات العلمانية، والانبطاحات والتسويفات وقوائم الأعذار الطويلة، والمبررات النفعية المصلحية الآنية الأنانية البعيدة كل البعد عن الإسلام... فصار ذلك المنبر الإعلامي شاهد زور إلا ما ندر.
زواج المسيار، رضاع الكبير، هل تقضي المرضع أم لا، مسح القدم أم غسلها، مس الجن، السحر... والقائمة تطول بالمناكفات على الهواء مباشرة.. وكل قناة تضع نصب عينيها هدفا واحدا ووحيدا... كيف نزيد نسبة المشاهدين!
الشيخ الفلاني يتقاضى 10 آلاف دولار على الحلقة الواحدة، والآخر سبعة والثالث خمسة... والعين دائما على مؤشر المشاهدين وعدد الرسائل القصيرة والاتصالات بالبرنامج... فمن تلك تأتي الأموال الطائلة!
المذيع يظهر ولاءه للانقلابيين والجيش، فهو من زمرة الإعلاميين الذين يميلون حيث تميل القوة، وكلامه عن فشل الإعلام الإسلامي ليس دليلا على الفشل، لأنه لم يكن هناك إعلام إسلامي حقيقي ـ وللأسف ـ...
إعلام يقدم الإسلام على كل شيء...
إعلام يتبنى قضايا الأمة المصيرية...
إعلام يقدم الإسلام كطراز عيش...
كبديل مبدئي حقيقي عن كل أفكار الكفر... ليس في أمور الفرد فقط بل في حياة المجتمع والجماعة، في الدولة والحكم...
إعلام يكون منبرا لمحاسبة الحاكم على أساس الإسلام...
إعلام يقدم النموذج الاقتصادي الإسلامي للناس ضمن تصور تفصيلي لشكل الدولة وأنظمتها المختلفة...
إعلام يبكي المشاهدين لقصة الفاروق مع أم الأيتام ليستثير مشاعرهم ثم ينزل الفكر على الواقع ليربط الناس بفكرة الدولة الواحدة لأمة واحدة.
صحيح أن جذب الناس لدروس الفقه والتفسير والقرآن والحديث في تلك الفضائيات أفضل من تركهم فريسة سهلة لإعلام العريّ والابتذال... ولكن أن يصل الناس إلى الماء الزلال ثم نحرمهم منه... فهذا والله أمر عظيم.
فبدل أن يترجم الإعلاميون و"مشايخ الفضائيات" حب الناس للإسلام بتقديمه كما هو وكما يجب أن يكون في الحياة والدولة والمجتمع رأيناهم يحصرونه في أضيق زاوية، ليبقى الفراغ والخواء من ثقافة الإسلام في كل مناحي الحياة، وطراز العيش الإسلامي هو سيد الموقف على فضائيات الإعلام "الإسلامي"!
فهل يرعوون؟
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
م. حسام الدين مصطفى
الخبر:
ذكرت وكالة بترا الأردنية أنه تم افتتاح المنتدى العالمي لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة في أبو ظبي بحضور 50 عالما ومفكرا إسلاميا، وسيناقش المؤتمر على مدى يومي 9 - 10 آذار 2014 القضايا الإنسانية التي تسببت بها الصراعات الفكرية والطائفية في المجتمعات المسلمة بسبب استقواء كل طرف بمن يعينه ويحتضنه على حساب مصلحة الأمة مما أدى إلى الإساءة إلى صورة الإسلام أمام أنظار العالم.
وقال الشيخ عبد الله بن زايد إن تصدر أشباه العلماء موقع الريادة ومنابر الإفتاء واحتلالهم لوسائل الإعلام المتنوعة من أهم أسباب الشقاق والحروب الطائفية التي غزت أمتنا.
كما أكد الدكتور سلامة نعيمات وزير الأوقاف الأردني بالوكالة أن على الدولة أن تضمن الأمن والسلام لجميع أفرادها بتفقدها أسباب العنف الاجتماعي داخليا والتيقظ للمخاطر الخارجية، كما استنكر مفهوم الإرهاب المعاصر باعتباره عدوانا على الحياة الإنسانية والمدنية بأسلوب همجي بغيض.
التعليق:
بعد أن أدركت الدول أنهم لم يستطيعوا ترويض الثورة السورية كما فعلوا مع الثورات العربية الأخرى، وأنها عصية عليهم، وبعد أن رأت أمريكا أن الائتلاف والمجلس الوطني لم يستطيعوا إيجاد كتائب لهم في الداخل، وأن الثوار المخلصين استولوا على الأسلحة التي أمدوا بها عملاءهم، سعت هذه الدول إلى تجريم كل من يسعى للقتال دفاعا عن الشعب السوري، بل قد وسعت هذه الدول مفهوم الإرهاب ليشمل الحركات الإسلامية التي لا تستخدم الوسائل المادية في عملها، خاصة من يسعون لتغيير الدساتير التي وضعها الغرب وأذنابه للسيطرة على كل صغيرة وكبيرة في العالم الإسلامي.
والآن جاء دور العلماء والمفكرين الإسلاميين ليضعوا اللمسات الأخيرة على ترويض الأمة وإعادتها إلى حظيرة الذل والمهانة التي رزحت تحتها تسعين عاما ونيف.
نسيت هذه الدول أنها هي من أجج الصراعات الفكرية والطائفية في العالم الإسلامي، ألم تتصدر السعودية لزعامة الطائفة السنية وتصدرت إيران لزعامة الطائفة الشيعية استجابة للأوامر الصادرة من أسيادهم في واشنطن، وجاؤوا بأشباه العلماء الذين تباروا في تكفير الطائفة الأخرى وأعادوا الخلافات التاريخية القديمة بين السنة والشيعة؟ أليست هذه الدول هي التي أمدت أشباه العلماء بالمال وفتحت لهم الفضائيات ومنابر الفتوى؟
من الذي أجج الصراع بين الكتائب المقاتلة في الشام حتى لا تقوى على إسقاط النظام البعثي؟ أليست الأردن والسعودية والعراق وتركيا ودولة يهود وأمريكا وبريطانيا وفرنسا؟
من يؤجج الصراعات الداخلية في البلد الواحد؟ أليست الدول التي اتخذت من شعوبها شيعا تقرب عشيرة وتبعد أخرى، وتعزز طائفة وتهمش أخرى؟
أليست السعودية هي التي أرسلت المقاتلين والسلاح إلى سوريا بمعدل 15 طنّا أسبوعيا؟
أليست الأردن وأمريكا وكيان يهود تدرب المقاتلين وترسلهم إلى سوريا ليقوموا بزرع الفتنة بين صفوف المقاتلين واغتيال القادة المخلصين وزرع شرحات التجسس في أماكنهم؟
ولما وجدت هذه الدول أن مشروع الفتنة بين المقاتلين كشف وأن المجاهدين نفضوا أيديهم من القادة العملاء وانضموا إلى المخلصين، وأن المشروع الغربي هزم ولا يجد قبولا لدى الأمة في الشام، وأنهم سائرون بقوة وحزم نحو مشروع الخلافة، أصدروا قوانين جديدة للإرهاب علها تفت في عضد العاملين لإقامة الخلافة ولكن هيهات هيهات فقد فات الأوان.
إن هذه الدول لا يهمها أمن المواطن، فدم المسلم عندها أهون من دم البرغوث، ولكنها دول خشيت على كراسيها المعوجة فتنادت إلى عقد هذا المؤتمر(المنتدى العالمي لتعزيز السلم) علها تجد في العلماء مروضين جددًا.
إن السلم الذي يتباكى عليه الذين دعوا إلى المؤتمر لن يتحقق أيها السادة إلا بتطبيق الإسلام جملة وتفصيلا، وذلك بأن تصبح الدولة جهازا تنفيذيا لقناعات الناس الإسلامية وعقيدتهم ومفاهيمهم وشريعتهم الإسلامية.
إن السلم الحقيقي لا يكون إلا بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، يطبق فيها شرع الله، تكون فيها السيادة للشرع والسلطان للأمة.
وإن مما يفسد السلم هو الانفصام الحاد بين الدولة والأمة، فالدولة في وادي الرأسمالية العلمانية والأمة في وادي الإسلام.
نريد دولة تعبر عن آمال الأمة وطموحاتها، أن تستند في حماية نفسها إلى الأمة، لا إلى الغرب الذي يذبحها من الوريد إلى الوريد.
نريد حاكما يرعى شؤون الناس حسب أحكام الإسلام كما يرعى شؤون أولاده، لا حاكما ينظر للأمة نظرة العداء إذا توفر هذا الحاكم وجد السلم في المجتمع، والتف الناس حول الحاكم يحمونه.
نريد حاكما مجاهدا في سبيل الله يدافع عن حقوق الأمة وكرامتها، عندها لن تجد مظاهر الإرهاب، أما أن يبقى الحاكم عبدا لأمريكا أو أوروبا، ويتخذ قراراته في واشنطن أو باريس أو لندن أو موسكو ثم تأتي الدولة بالعلماء ليقضوا على الإرهاب فلن تستطيع لأنها هي التي صنعت الإرهاب وعليها أن تحاكم نفسها قبل أن تحاكم الشعب المقهور.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نجاح السباتين / ولاية الأردن
اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ مَا رَغَّبَ فِيهِ الرَّاغِبُ، وَأَفْضَلُ مَا طَلَبَ وَجَدَّ فِيهِ الطَّالِبُ، وَأَنْفَعُ مَا كَسَبَهُ وَاقْتَنَاهُ الْكَاسِبُ؛ لِأَنَّ شَرَفَهُ يُثْمِرُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَفَضْلَهُ يُنْمِي عَلَى طَالِبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فَمَنَعَ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ لِمَا قَدْ خُصَّ بِهِ الْعَالِمُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَعْقِلُهَا الا الْعَالِمُونَ} فَنَفَى أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْعَالِمِ يَعْقِلُ عَنْهُ أَمْرًا، أَوْ يَفْهَمُ مِنْهُ زَجْرًا. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "أُوحِيَ إلَى إبْرَاهِيمَ عليه السلام أَنِّي عَلِيمٌ أُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ".
أدب الدنيا والدين
لعلى بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان في حلقة جديدة من برنامجكم مع الحديث الشريف ونبدأ بخير تحية فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً"
جاء في عَوْنِ المَعبُودِ شرحِ سُنَنِ أبي داود
اِفْتَرَقَتْ الْيَهُود إِلَخْ:
هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ غَيْبٍ وَقَعَ. قَالَ الْعَلْقَمِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا أَلَّفَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُور عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنِ طَاهِرِ التَّمِيمِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثُ كِتَابًا قَالَ فِيهِ: "قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ الْمُقَاوَلَاتِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ بِالْفِرَقِ الْمَذْمُومَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ مِنْ أَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالذَّمِّ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ الْحَقّ فِي أُصُولِ التَّوْحِيد, وَفِي تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِي شُرُوطِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَفِي مُوَالَاةِ الصَّحَابَةِ وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذِهِ الْأَبْوَاب لِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا قَدْ كَفَّرَ بَعْضُهمْ بَعْضًا بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ غَيْر ِتَكْفِيرٍ وَلَا تَفْسِيقٍ لِلْمُخَالِفِ فِيهِ فَيَرْجِعُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِي اِفْتِرَاقِ الْأُمَّةِ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَقَدْ حَدَثَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الصَّحَابَةِ خِلَافُ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَأَتْبَاعِهِ, ثُمَّ حَدَثَ الْخِلَافُ بَعْد ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ تَكَامَلَتْ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ اِثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة, وَالثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ" اِنْتَهَى بِاخْتِصَارٍ يَسِير.
قد يَفهَمُ البعضُ هذا الحديثَ الشّريفَ على أنّهُ يَذُمُّ وجودَ الأحزابِ والتّكتُّلاتِ الإسلامية، فيبدأُ إمّا بمحاربةِ الحزبيّةِ بناءً على فهمِهِ أنّها تُفَرِّقُ وحدَةَ الأمةِ الإسلاميّةِ أو يبدأُ بالبحثِ عن الفِرقةِ النّاجيةِ بين هذه الأحزابِ والتكتلات.
والذي يجب أن يكونَ واضحاً هو أنّ هذا الحديثَ الشريفَ بعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عن هذا الفهم. فالحديثُ الشّريفُ، وكما جاءَ في شرحِ الحديثِ أعلاه، يتحدّثُ عن الفُرقَةِ التي أساسُها الاختلافُ في العقيدةِ وأُصولِ الدِّين، والدّليلُ على ذلك أنَّ أصولَ الدّين، كالإيمانِ بالرُّسُلِ والكُتُبِ، هي الأساسُ الذي كانت قد تفرَّقَتْ عليه اليهودُ والنّصارى، وهذا واضحٌ في آياتٍ عديدةٍ مثلِ:
قولِهِ تعالى: "وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ"
وقولِهِ تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"
وقال تعالى:
"وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ".
أمّا الاختلافُ في الفروعِ فهذا لا بأسَ به، فقد كانَ الاختلافُ في الفروعِ موجوداً في عصرِ الصحابةِ وما بعدَ ذلك، والأمثلةُ كثيرةٌ على ذلك.
وعلى هذا، لا يُعَدُّ وجودُ أحزابٍ وتكتُّلاتٍ مثلِ حزبِ التحريرِ والإخوانِ المسلمين والتّبليغِ والدّعوةِ وغيرِهِمْ من الثّلاثِ وسَبعينَ فِرقة، بل هم جميعاً بإذنِ اللهِ مِنْ فِرقَةِ لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ المَرضِيِّ عنهم كونَهُمْ مُسلمين.
أحبتنا الكرام وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر نترككم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيها المؤمنون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
وقفنا في الحلقة السابقة عند السؤال الذي يقول: هل قبل العرب التحدي أم لم يقبلوه؟ هل حاول العرب أن يثبتوا أن بمقدورهم أن يأتوا بقرآن مثل هذا القرآن؟ أم أنهم أقروا بالعجز للوهلة الأولى؟
والجواب على ذلك أن العرب قبلوا التحدي, وحاولوا أن يقلدوا القرآن, ولكنهم عجزوا عن الإتيان بمثله, وعلاوة على ذلك فقد أقر العرب لهذا القرآن بالإعجاز, وقالوا عنه بأنه سحر يؤثر, فقد استمع عمرو بن العاص كلام مسيلمة إذ عارض سورة الفيل التي يقول فيها رب العزة: (بسم الله الرحمن الرحيم ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول). (الفيل5)
يقول مسيلمة: "الفيل ما الفيل؟ وما أدراك ما الفيل؟ له ذنب قصير, وخرطوم طويل, يمشي على الزنجبيل". فقال مسيلمة لعمرو بن العاص: أليست هذه أفصح من السورة التي نزلت على صاحبكم؟ أتدرون ماذا كان جواب عمرو لمسيلمة الكذاب؟ قال له عمرو: "والله إنك تعلم أني أعلم أنك كاذب"!!!
وإذا أردنا أن نحاكم كلام عمرو, وقد كان يومئذ كافرا لا يؤمن برسالة محمد ولا بنبوته, فأقرب الأقوال فيه أنه ميز القول الصادق الفصيح من القول الزائف الساقط الكاذب, فتراه يقول لمسيلمة: إنك كاذب! ولم يقل: إنك ومحمدا كاذبان! إذ إنه يعلم أن محمدا صادق, وأن قرآنه معجز وفوق المقارنات!
ولو أردنا أن نحاكم مسيلمة أيضا لقلنا: إنه يقر لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة, ويقر لقرآنه بالتفوق والإعجاز, فهو قد هضم فكرة النبوة, والدليل على ذلك أنه ادعى النبوة وهضم فكرة القرآن المعجز , والدليل على ذلك أقواله في معارضته التي أثبتت تفوق القرآن وإعجازه وكذب مسيلمة وادعاءه. ويحلو لي في هذا المقام أن أذكر لكم بعض ما جاء في قرآن مسيلمة المزعوم, فهو يقول:" والطاحنات طحنا, والعاجنات عجنا, والخابزات خبزا". ويقول: "يا ضفدع بنت ضفدعين. نقي كما تنقين. أعلاك في الماء, وأسفلك في الطين. ومن العجائب شاة سوداء تحلب لبنا أبيض!
أيها المؤمنون:
ألا ترون معي أنه قد بان للناس سخف كلام مسيلمة وقلة فصاحتة بهذا الهذر السخيف؟ أيجوز لنا أن نعد مثل هذا الكلام كلاما فصيحا؟ إن الذوق السليم يمج مثل هذا الكلام, ويسقطه من حساب المقارنة, ولا يقيم له وزنا, وإن كان هذا الكلام السخيف يحمل في ثناياه الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبوساطة جبريل عليه السلام وبسمو القرآن!
ثم لماذا نذهب بعيدا إلى مسيلمة؟ تعالوا معي لنسمع ما يقوله أهل الفصاحة والبلاغة, وأمراء الفصاحة وجهابذة البيان من أهل مكة الذين كانت لأحكامهم النقدية الكلمة الفصل في قصائد الشعراء, وخطب الخطباء, وهم علاوة على ذلك من أعدى أعداء الإسلام, ودعوة الإسلام, ونبي الإسلام, محمد عليه الصلاة والسلام.
تعالوا معي إلى هؤلاء لنرى ونسمع ما يقولون, نحن الآن مع ثلاثة من كفار قريش وهم: أبو جهل, وأبو سفيان, وعتبة بن ربيعة, جاءوا مع عتمة الليل, كل منهم في زاوية من زوايا الطريق, حول البيت ليسمعوا قرآن محمد, إذ كان يقوم أدنى من ثلثي الليل, يرتل القرآن في صلاته, بصوته الشجي الندي ترتيلا يأخذ بالألباب!
لم يتفقوا على الإتيان, إنما جاء كل منهم بمفرده, ولما فرغ محمد صلى الله عليه وسلم من ترتيله انصرفوا, فجمعهم الطريق العام, وقد أخذتهم الدهشة, إذ كيف يأتون ليسمعوا القرآن من عدوهم! وما الذي أتى بهم؟ وكيف إذا رآهم سفهاء قريش على حد تعبيرهم؟ إذن لدخل الإسلام كل الأبواب, وطرق كل القلوب!
وتعاهدوا على ألا يعودوا, وكان كل منهم يضمر أن يعود, يقول في نفسه: لن يعود صاحباي, وسأعود بمفردي لأستمع القرآن وحدي, وقد عادوا ثلاثتهم في الليلة الثانية, وفعلوا ما فعلوه في الليلة الأولى, فجمعهم الطريق العام وهم عائدون بعد سماعهم القرآن, وتعاهدوا كما تعاهدوا من قبل على أن لا يعودوا, وعادوا في الليلة الثالثة ليسمعوا قرآن محمد, وهم من هم عداوة وشراسة وعنادا, أما هذه المرة, فقد تعاهدوا عند البيت الحرام على ألا يعودوا, وفعلا لم يعودوا بعدها!
أيها المؤمنون:
لا بد من وقفة مع هؤلاء, لا بد من أن نسأل: لماذا ذهب هؤلاء والقرآن يتحداهم أن يأتوا بمثله؟ أذهبوا ليعارضوه أم ليسمعوه؟ أذهبوا معجبين أم منكرين ساخطين؟ أظن أن الجواب: إنهم ذهبوا مقرين بإعجاز القرآن, وإلا فما هو هذا الشيء الذي يحتاج الامتناع عن سماعه لقسم عند البيت الحرام, والذي يمنعهم من الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم هو حرصهم على الزعامة والسيادة لا افتقارهم إلى القناعات؟فالقرآن قد شدهم, وأخذ عليهم منافذ النفس إذ أنه ملأها إعجابا وشوقا لسماع القرآن, ولا أدل على ذلك من هذه الرواية: روى البيهقي في شعب الإيمان عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال له: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم ؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كاره له. قال الوليد: وماذا أقول؟ "والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته, وما هو بقول البشر". ويكفي في القرآن شهادة هذا القرشي الكافر الذي أحنى رأسه اعترافا وإعجابا!
أيها المؤمنون:
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام, وأن يعز الإسلام بنا, وأن يكرمنا بنصره, وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة في القريب العاجل, وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها, إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.