بيان صحفي رفع الدعم وإثقال كاهل الناس بالضرائب إنما هو لتعويض ما نهبه وينهبه المفسدون فلا تقبلوا بذلك
- نشر في المغرب
- قيم الموضوع
- قراءة: 9205 مرات
استضافت نقابة المهندسين - الزرقاء الدكتور محمد الملكاوي حيث ألقى محاضرة بعنوان "الفقر بين ضعف الإنتاج وسوء توزيع الثروة".
الثلاثاء، 04 ربيع الآخر 1435هـ الموافق 04 شباط/فبراير 2014م
![]()
(التسجيل الكامل للمحاضرة)
![]()
(فقرة الأسئلة)
![]()
للمزيد من الصور في المعرض
.jpg)
نشرت الأمم المتحدة مساء أمس الأول تقريرا أمميا قدم لمجلس الأمن عن استفحال مشكلة الاعتداء على الأطفال في سوريا، واتهم التقرير ما أسماه "بجانبي الصراع" بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الأطفال.
ويتناول التقرير الفترة بين الأول من آذار/مارس 2011 إلى 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ويصف بشكل مفصل الأهوال التي تفوق الخيال ومعاناة الأطفال في سوريا.
وبالرغم من أن التقرير مؤرخ بتاريخ 2014/1/27 إلا أنه لم ينشر على موقع الأمم المتحدة إلا في مساء الثلاثاء2014/2/4
ذكر التقرير متابعة المجتمع الدولي، الذي ديدنه النفاق، لأحوال أطفال سوريا والجرائم التي تمت أمام أعينهم ووقفوا على تفاصيلها المروعة.
فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن قوات النظام تحتجز الأطفال الذين لهم صلات بالمعارضة وتعذبهم، وقال إن "المعاناة التي تكبدها الأطفال في سوريا منذ بدء الصراع كما يوثقها هذا التقرير لا توصف ولا يمكن قبولها".(موقع الأمم المتحدة)
يقول هذا بعد ثلاث سنوات دموية فاقت فيها جرائم السفاح حد الخيال، والأمم المتحدة تماطل وتعطيه الفرص، ثلاث سنوات من التسويف والمماطلات وهم يرون أمام أعينهم تفنن السادية البعثية ومواليها في صنوف التعذيب.
فقد ذكر تقرير الأمم المتحدة ما تداوله الناشطون منذ فترة والذي وثق استخدام النظام للتعذيب الجسدي ضد الأطفال، ومن ذلك الجلد بالسياط والصدمات الكهربائية (التي توجه لمناطق حساسة في جسد الطفل) وسحب أظافر اليدين والقدمين، وقطع أصابعهم أو الضرب بمطرقة على الظهر أحيانا حتى الموت، وحروق بالسجائر، والاغتصاب أو التهديد بالاغتصاب، والضرب بالقضبان المعدنية، وأشكال التعذيب النفسي مثل الحرمان من النوم، والحبس الانفرادي، وعمليات الإعدام الوهمية، ومشاهدة تعذيب الأقارب إلى آخر هذه القائمة السوداء.
هذه هي الأمم المتحدة وهذا هو موقفهم من أهل سوريا؛ فقد عرفوا عن السفاح وزبانيته كل هذا (وما خفي أعظم) ثم صافحوه وهادنوه وتفاوضوا معه كَنِدٍّ سياسي محاولين بذلك إعطاء الجزار شرعية فُقدت منذ ثلاثة أعوام، ويحاولون بذلك تجميل صورة الذئب البشري أمام الرأي العام العالمي.
إن هذا التقرير يدعي في ظاهره دعم أطفال سوريا بينما هو في الحقيقة يساوي بين المجرم والمدافع عن حقه، ويدعي النظرة الموضوعية الحيادية، والحيادية منه براء.
فهل الحيادية أن يكون الطرفان متساويين في الجرم حتى تتم المفاوضات ويبدأ الجميع بصفحة بيضاء؟ ماذا عن الأرض التي ارتوت بدماء زهرة شباب الشام، وماذا عن أعراض حرائرها التي انتهكت؟ وماذا عن أعراض أطفالها التي تتاجرون بها اليوم لغسل عاركم؟
جاء في موقع الأمم المتحدة "القوات الحكومية مسؤولة أيضا عن الاعتقال والاحتجاز التعسفي، وسوء معاملة وتعذيب الأطفال، في حين أن جماعات المعارضة المسلحة مسؤولة عن تجنيد واستخدام الأطفال في القتال وأدوار الدعم، فضلا عن القيام بعمليات عسكرية، بما في ذلك استخدام تكتيكات الإرهاب، في مناطق مأهولة بالمدنيين، مما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال".
كأن الأمم المتحدة هنا تهدر دماء أطفال سوريا وتنسب الجرم الكبير لأطراف متعددة حتى يضيع الحق وينشغل كل طرف بإلقاء اللوم على الآخر.
هم يقولون أن قوات النظام قتلت الأطفال واغتصبتهم وأن المعارضة المسلحة جندت هؤلاء الأطفال، فماذا عن الأمم المتحدة؟ ماذا عن مجتمعكم الدولي الذي كفر به عقلاء الشام منذ أول يوم حين قالوا "يا الله ما لنا غيرك يا الله"؟ إن جرم المجتمع الدولي المتآمر على أطفال سوريا أكبر من جرم بشار؛ فقد أمد في عمر نظامه البائد وأعطاه الفرص وهو يتفرج على هذه الأهوال التي لا توصف، إن المجتمع الدولي أقرَّ هنا في تقريره أنه شيطان أخرس.
بعد سرد هذه الويلات والجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية أتت توصيات بان كي مون وكأنها تسخر من جراحاتنا وتستهين بحجم المصاب، فقد دارت التوصيات في فلك التقارب ووقف العنف وكأن هذا العنف هواية اتخذها من يرفض حكم الجزار من باب التسلية والترويح عن النفس! ومن بين توصياته: "دعوة جميع الأطراف إلى وقف كافة الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال التي ورد ذكرها في التقرير، ووضع حد لجميع الهجمات العشوائية على المناطق المدنية، بما في ذلك أساليب الإرهاب، والغارات الجوية، والأسلحة الكيميائية، والمدفعية الثقيلة، والسماح بممر إنساني، والإفراج فورا عن النساء والأطفال المختطفين".(موقع الأمم المتحدة).
وقد ظهر سكرتير الأمم المتآمرة على أهل سوريا على حقيقته وأثبت عبر هذه الثرثرة أن الهيئة الفاشلة التي لا ينال المسلمين منها سوى تبرير الظلم ومساندة المجرمين وتدبير المؤامرات لا تكترث لأطفال سوريا.
وهذا المجتمع الدولي الذي مرت عليه منذ أيام ذكرى مجازر رواندا حيث قتل الهوتو التوتسي على قارعة الطرق وقتل في أقل من 3 أشهر، من نيسان إلى تموز (أبريل - يوليو) 1994 حوالي مليون شخص هم ثلاثة أرباع عدد التوتسي.
قتل الناس في مشاهد صدمت سكان الأرض بينما تسارعت الدول الغربية في إجلاء رعاياها، واقتصر التدخل بعد ذلك على المتابعة عن بعد والتباكي على مصير هؤلاء الأفارقة المتناحرين.
بالرغم من أن المجتمع الدولي تابع مقدمات وتطور الإبادة العرقية عن كثب إلا أنه برر صمته وتجاهله وفشله الذريع بأنه أُخذ على حين غرّة ومرت الأحداث متسارعة أمامه فلم يحرك ساكنا لأن الوقت لم يسعفه! فماذا عن سوريا وقد أمضى السنوات الدموية الماضية وهو يدوّن ويحصي الموتى، وينمق الكلمات، ويذرف دموع التماسيح هنا وهناك على أطهار الشام وأخيارها... ويردد بان كي مون هذه التوصيات الفارغة مستمرا في سياسة المماطلة، في الوقت الذي تتساقط فيه أشلاء المزيد من الأطفال وتتعلق الأنظار في السماء مترقبة براميل الموت والغدر من بشار.
إن هذا التقرير صفعة في وجه جنيف2 ومن روج له، فمثل هذا التآمر والفشل في العلاج وتضييع الحقوق هو نتيجة حتمية لتضييع حق الله والتحاكم لغير الشريعة الغراء، ركضوا للدائرة المستديرة ليجلسوا إلى من ارتكب هذه الجرائم.
فلتكن هذه الدائرة المستديرة رمزاً لهذه المؤامرة على أطفال سوريا دون تفريق بين المجرم والشيطان الأخرس وسماسرة هذا المشهد الدموي.
وإن هذا المجتمع الدولي المشلول الذي يستندون إليه نحروا شعارات حقوق الطفل التي حملوها من الوريد إلى الوريد.
فقد ملأت صور ومشاهد الأطفال المصابين والمختنقين والذين ينتشلون من بين أكوام الحطام صفحات الإعلام البديل، واعتاد الناس رحلة المقابر لدفن أطفالهم، واحتل الموت والبرد والجوع الموقف، فأصبح من نجا من أطفالنا يحاكون واقع الموت والدمار حولهم وينسجون من صنوف اللهو الطفولي أشكالاً مأساوية تصدم الضمير الحي، فاقترن هذا المجتمع الدولي بالقتل والدمار وهتك الأعراض.
وإن من حضر وشارك ودعم جنيف2 لا يختلف عن واضعي هذا التقرير أو من يقبل بمبدأ المقارنة بين السفاح ومن يريد التخلص من شروره فهم جميعا متآمرون على أهل سوريا.
أما آن الأوان لهذه الجيوش أن تغضب وتغسل عنها العار.. إذا لم تغضب الجيوش لمثل هذا، فبالله متى تغضب؟! ثم ماذا نقول لأطفالنا في الشام؟! أنقول أن جنودنا نسوا القتال والحمية وتبرأوا من نجدة المستضعفين أنقول أن جنودنا مترفون منعمون يكاد الواحد منهم أن يُعصر من فرض اللين! أنقول جنودنا مجندون لحماية الطغاة تابعون لعقيدة عسكرية أساسها عاش الملك وعاشت أعلامه الملونة! فلننشر هذا التقرير الخبيث على صفحاتهم ومواقعهم لعل شيئاً فيهم يستيقظ، ولنذكرهم أن كل طفل تعرض لأذى هو خصيمهم أمام رب العباد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. إن هذا العار سيلاحقكم للممات وستتذكر الأجيال القادمة تآمر الأوغاد على ذراري المسلمين وجيوشهم مرفهة تنعم برغد العيش وتحمي الفراعنة وهم أدرى الناس بفسادهم.. فماذا أنتم قائلون لربكم!! بالله ماذا؟
ما أقرب الفحم للألماس الحر فكلاهما مشترك في الأصل الكربوني والنمو البلوري، لكن شدة الحرارة والضغط لفترة طويلة يحولان الكربون العادي لتركيبة فريدة من نوعها تتميز بأنها أصلب عنصر أحادي عرفه الإنسان، كلمة (diamond) مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة "Adamas" وتعني الصلابة أو "مُحال التطويع".
هذا العنصر الصلب البراق أصبح أسطورة عند الإنسان، وقد حاول أن يوجد ظروفاً مشابهة لصنع الألماس في مصانع فأنتج للأسواق أحجاراً براقة في 4 أيام فقط إلا أنها لم تصل للأصل بحيث تكشفها كل عين حاذقة.
هذه الرحلة الأسطورية من الضغط والحرارة وطول الرحلة هو ما يميز الأصل عن التقليد.
وهذا ينطبق على أهل الشام الأحياء منهم والأموات، فهم طراز فريد من البشر متفرد عن غيره مثل عقد الألماس الحر، وإن صراعهم الأسطوري مع المجرم السادي لم يزدهم إلا نقاءً وثباتاً.
هذه الشام الماسة هي عقر دار الإسلام التي لم يركع أهلها ولم تستسلم أمهاتها وهن يرين رأي العين ما يحدث لأبنائهم.
إن هذه الأرض المباركة هي فسطاط المسلمين، يجتمع عليها أهل الخير والصلاح في آخر الزمان وتهف القلوب إليها فيرونها ماسةً بهية وكم تركت وراءها من ركام من الفحم البخس.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
صدق من قال أن الإنسان بات أرخص سلعة في زمن يسود فيه المبدأ الرأسمالي الجائر الذي جرد الناس من إنسانيتهم ومنعهم عن استخدام العقل والتفكير الصحيح في ما يدور حولهم من أحداث، فأصبح الناس يعيشون حياة بلا كرامة، بلا احترام، وبلا رعاية شؤون أو توفير خدمات بسيطة تضمن لهم العيش المطمئن الهانئ لتحفظ لهم كرامتهم وتبعدهم عن الذل والهوان.. فالحقيقة الآن أن رعاية الشؤون في ظل الحكومات الوضعية "الديمقراطية" هي خرافة خبيثة إن نظرنا إلى ما يحصل وما يعاني منه الناس في السودان.
فلقد ظهر ذلك جلياً في كافة قطاعات الخدمات بدون استثناء، فالغلاء فاحش والسعي لتحصيل لقمة العيش معركة كل يوم، والذل الذي يعاني منه الناس إن كان لهم مصلحة يقضونها عند المؤسسات الحكومية، فسمة الأمر - عدم الاحترام والتحفز للمشاجرات الكلامية، والانتظار إلى ما لا نهاية وإهدار الوقت الطويل في أمر يمكن حله في دقائق معدودة، ناهيك عن إهمال الموظفين المتعمد للشخص حتى يدفع الرشاوى، ثم إرهاقه بتكاليف كثيرة ثم يخرج في أغلب الأحيان بدون أن ينهي ما جاء من أجله!
أما هذه الحالة المستعصية من تدني الأوضاع وقسوتها فقد وصلت إلى قطاع الرعاية الصحية، وهنا تكمن مصيبة أكبر حيث التلاعب والمتاجرة بأرواح الناس وليس وقتهم وجهودهم وأموالهم فقط!
فتصور مثلاً أنك مريض وذهبت للطبيب في المشفى فخرجت جثة هامدة بسبب "خطأ طبي"، هو في الحقيقة يرجع إلى إهمال وجهل وعدم كفاءة طبيب لم يكن يعلم إن كان تشخيصه لمرضك صحيحًا، فجعلك فأر تجارب ولم يأخذ الوقت ليدقق في حالتك!
فبالإضافة إلى دفع الأموال الطائلة والانتظار المضني لمقابلة طبيب متخصص يحوم حولك شبح مخيف أسموه تجار البشر بـ"الأخطاء الطبية"، هذا المصطلح الذي لا يُعبر في الحقيقة عن حجم المأساة التي يخفيها!
فقد تجاوزت "الأخطاء الطبية" في مستشفيات الخرطوم كونها مجرد أخطاء عفوية بل هي أقرب إلى القتل الممنهج الذي يُمارس ضد الأهل في السودان، حيث أصبحت هذه الجرائم هي الأصل، حتى سميت المشافي بين الناس بمرافق الموت البطيء وليس العلاج. وهذه الجرائم البشعة ترتكب في المستشفيات الخاصة والحكومية، في العاصمة أو الأقاليم، بأعداد كبيرة ومخيفة، كأنها "عقوبات" تُنفذ في حق كل من يمرض أو يشتكي وتصل لدرجة الإفضاء إلى الموت، فلا يرحم الأطباء والممرضون الأطفال أو الأمهات أو كبار السن - الذين يُنظر إليهم كحالات قريبة من الموت أساساً فلا داعي لبذل المجهود في معالجتهم!
فلا يتحمل الطاقم الطبي أي مسؤولية تجاه المرضى فلا يُحاسب، بل ما يهمهم الأموال الطائلة التي تُدفع لهم عند مكتب الاستقبال عند الباب، وإلا لن يسمح للمريض بالدخول للمعاينة، وإن كانت حالة طارئة تعاني من آلام مبرحة وتنزف وتحتاج للعناية الطبية فورياً، لن يتحرك طاقم التمريض - كأنهم أفراد في عصابات ومجرمين وليس "ملائكة رحمة" أبدا - أو الطبيب - زعيم العصابة قاسي القلب كأنه يستمتع بحاجة المريض إليه فيعمل على إذلاله!
حتى تُدفع الفاتورة فقط وقتها تجده يتحرك، وقد مات الكثيرون وهم في الانتظار!
وإن استطاع المريض دفع فاتورة الدخول إلى المشفى يصطدم المريض وأهله بتكاليف أخرى باهظة من أدوية وحقن وقطن وأنبوب سيروم وتكلفة المبيت وكل ما يتعلق وما يلزم، فتتحول القضية إلى خراب ديار لمن يمرض ولأهله البسطاء في أغلب الأحيان.. ثم لا يتلقى الرعاية المتوقعة.. أما من يملك المال ويلجأ إلى المشافي الخاصة يعلم أن أسعار الدخول والأدوية والمبيت وهكذا قد تضاعفت له مرتين أو ثلاث ويلاقي نفس المعاملة السيئة، وفي هذه الحالة يُنظر إليه كـ"كومة من المال المتحرك" فيرهقونه بتحاليل كثيرة غير مضمونة النتائج بسبب الأخطاء الكثيرة، وربما لا يحتاجها أبداً، لكن يُتاجر به للربح.. وأيضاَ لا يتلقى الرعاية المتوقعة.. ومن الحوادث المؤلمة في الأيام الماضية قصة المريض حسن أحمد والذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره الذي ذهب إلى مستوصف بالخرطوم على أثر آلام بسيطة لاستئصال (الزائدة) ولكنه لقي حتفه جراء "أخطاء طبية" - لا تُصدق - أدت للموت، منها: ست ساعات قضاها المرحوم بإذن الله تعالى يتلوّى من الألم قبل الوفاة، منها ثلاث ساعات في انتظار حضور الطبيب لعمله! ومنها ثلاث ساعات أخرى ما بين إجراء فحوصات في المعمل لتأكيد أن (حسن) يعاني من التهابات بسيطة في الزائدة فقط.
وكما ضاع الوقت عندما رفض المستوصف الخاص استلام شيك بتكلفة العملية بينما المريض ينازع الموت، طالب الطبيب بالمبلغ نقداً، وأخذ ذلك ساعة ونصف أخرى لجلب المال! ومنها استخفاف الطبيب بالعملية وعدم التحضير لها كما يجب، فقد تم إجراء العملية بتخدير نصفي، وكان من المفترض إجراؤها بتخدير كامل، ولم يتوفر كادر طبي لائق وقت العملية، وعدم توفر الأكسجين داخل غرفة المريض وافتقار المستوصف لأبسط مقومات العمل، وكما قُطعت بعض شرايين البطن أثناء العملية ونزف المريض كميات كبيرة من الدم ولوحظ وجود دم غزير على ملابسه والملاءة وفراشه وعلى الأرض، ولم يكلف الطبيب الجزار نفسه عناء أخذ فصيلة دم المريض وتحضير دم له تحسباً!
فهل هذه أخطاء أم تقصير متعمد؟!
كل هذه مؤشرات لإهمال فظيع وجهل واستخفاف بالأرواح، هي في حقيقتها جريمة قتل بدم بارد، و"اضطر" وزير الصحة بحكومة الخرطوم دكتور مأمون حميدة أن يكون له رد فعل، فقام بإغلاق المستوصف بعد إعلان وفاة الشاب نتيجة لـ"خطأ طبي فادح"، وتم ببرود تشكيل لجنة تقصي لمراجعة الأوضاع بالمشفى الذي هو أحد "استثمارات" هيئة نقابية بوزارة بولاية الخرطوم... والسبب القصور في الكادر الطبي ومستلزمات الطوارئ، تحصيل حاصل في مشافي عديدة!
ويشتكي مُرّ الشكوى مرضى الغسيل الكلوي المهملين - وهم كُثر - بينما تتابع الوزارة مرضى الإيدز - الأقل عدداً - كونه برنامجًا تابعًا لمنظمة الصحة العالمية، وتعاني الأمهات اللاتي يذهبن للولادة وكثيرات منهن يمتن، أو ربما يحصل معهن كما حصل مع أسرة بسوبا، التي تابعت مراحل حمل ابنتها بواسطة استشاري، وظلت نتائج الأشعة تشير بأنها تحمل (توأم، ولد وبنت).. وفى الموعد، حولها الاستشاري مع كل أوراق الكشف والتحليل والأشعة إلى مستشفى الخرطوم، وفي الموعد سلمها المشفى البنت فقط، مبررين ذلك بأن التقارير التي كتبت من قبل كانت فقط "خطأ طبي"!
فأين الولد؟ والبلد تنتشر فيها تجارة الأعضاء وبيع الأطفال!
فعلى من تقع مسؤولية عدم جهوزية عامة المشافي؟ أليس على الدولة؟ فإن الأصل هو درء هذه المخاطر ومراقبة هذه المستوصفات التي لا تطابق المواصفات، ومحاسبة الأطباء على تفريطهم في مسؤوليتهم التي سيحاسبهم عليها الله تعالى يوم القيامة.. لكن في جحيم نظام رأسمالي مستبد ورأس دولة أناني يلجأ للعلاج خارج البلاد إن احتاج هو ذلك، تقع الفواجع وتُعلق على شماعة القضاء والقدر، وإن كان لكل أجل كتاب ولكن الله تعالى محاسبهم على التقصير، أفلا يكفي المريض آلام مرضه ليعاني آلام الجشع والطمع والإهمال، أوليس الله تعالى الشافي والطبيب وسيلة، فلماذا هذه الوسيلة تنهب وتطمع وتستغل، إلا أن هذا متوقع في زمن كثُر فيه الاستغلاليون الرأسماليون، زمن تجد قليلاً من يعمل ليرضي الله تعالى، وكثيرًا من يعمل متاجرة بدماء الناس من أجل بعض القروش! فشتان بين من يعمل لرضا ربه ومن يعمل لمكاسب دنيوية زائلة.. فهذا زمن الرويبضة - زمن الحكام السفهاء - الذي يتكلم في أمور الناس فلا يسمن ولا يغني عن جوع!
زمن جبري ثقافة النظام فيه تركيع الشعب بالإهمال والذل والفقر والمرض والجوع والإمعان في ذلك، فكثير من الكفاءات الشبابية قد هجرت البلاد لضعف الراتب الشهري الذي لا يكفي تكاليف المواصلات، وتعاني المشافي من أزمة نقص حادة في الأجهزة الطبية والأدوية وشح الكوادر الطبية المؤهلة بسبب سوء معاملة الدولة للخريجين وفشلها في حل مشكلة العطالة المصطنعة لتثبيط الشباب، مما اضطر البعض لتزوير شهاداتهم الجامعية، وقد ألقي القبض على طبيب مزيف في منطقة الحاج يوسف، وكما انتشر الدجالون والمشعوذون الذين يخدعون ضعفاء العقول اليائسين ممن لا يلجأون للأطباء، وأول من يشجع ومن يرتاد أبواب هؤلاء هم رموز النظام الفاجر.. فإلى من سيلجأ الإنسان البسيط، الذي يعيش في مجتمع يطغى عليه فكر الخرافات والتصوف المغلوط، بدعم من النظام لتضليل المسلمين وحِرف عقيدتهم!
كل هذه الظروف جعلت من الأطباء "جزارين" ومن الإنسان "سلعة" بخسة الثمن، ومن المشافي "مقابر" ليس إلا.. حتى من يمرض يظن أنه ميت لا محالة إن ذهب إلى المشفى!
فلا يكفي أن النظام قد فرض سوء أوضاع لا تُطاق بل وفشل عن قصد في إيجاد حلول، غير خصخصة هذه المشافي وبيعها لكل من يستطيع الشراء!
والحلول الأخرى تندرج تحت غطاء القانون الدولي للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واليونيسيف وصندوق الأمم المتحدة للسكان، هذه المنظمات الحاقدة على الإسلام والمسلمين هي التي تتحكم في البلاد فتضع خطط عمل لتنفيذ أجندتها الكافرة ضد المجتمع على أساس الفكر العلماني، فتُعقد الاجتماعات وتعطى المناصب وتخصص الميزانيات الضخمة ثم.. تُنهب!
فيكون الخراب ثقافياً ومادياً ولا يزال الحال على فساده، ولا يزال الإنسان مذلولاَ ما لم يعمل لتغيير هذا الواقع المنحط!
إن فشل النظام الرأسمالي في إدارة البلاد ورعاية شؤون العباد بديهي، بداية من نظام الحكم ودستوره وقوانينه الوضعية، مروراً بنظامه الاقتصادي الذي حول الناس إلى سلع تباع وتشترى بلا كرامة وبلا قيمة وجعل منهم عبيداً للمصلحة والربح المادي، جعل منهم قوماً مفسدين في الأرض لا يتقون الله تعالى ولا يخافونه ولا يتذكرون عذاب الآخرة أو حلاوة الجنة، ويكفينا أن نعلم أن المستشفيات في ظل الدولة الإسلامية لم تطلب من المريض أي مال لقاء الخدمات الطبية ولم يخلُ مشفى من أدوية أو مستلزمات طبية بل وكان للمشفى جامعة تابعة له لتدريب الأطباء توفر لهم المسكن والملبس والمأكل والمشرب والترحال، وكانت بلاد الغرب ترسل أبناءها لتعلُم الطب على أيدي الخبراء في الدولة الإسلامية، وكانت أعلى الرواتب في الدولة تعطى للطبيب وللمعلم لما يقوم به من دور مهم ومصيري في رعاية شؤون الناس؛ في صحة العقل والعقيدة وصحة الجسم وكرامة الإنسان، دفعاً به للنهضة بالبشرية وحمل الأمانة والاستخلاف في الأرض.
فإن كنا نريد للإنسان كرامة واحتراما ورفعة، وإن كنا نريد للمجتمع قيماً سامية وأخلاق عالية، فعلينا بالمجاهرة والمطالبة بإسقاط الأنظمة الرأسمالية غير القابلة "للإصلاح ولا الوثوب"، وعلينا أن نعمل بجد لنأتي بالمخلصين الملتزمين بشرع الله تعالى ليقيموا الدولة الإسلامية - خلافة راشدة على منهاج النبوة - يطبق الحاكم التقي نظام الإسلام كاملاً؛ فيخاف الناس من الله تعالى ويعملون لمرضاته عز وجل بإعطاء كل ذي حق حقه وفق دستور رباني عادل ولطيف خبير بالعباد، يحاسبهم في الأرض قبل أن تحاسبهم السماء.. فيرجع الإنسان كريماً معززاً كما أراد له الله سبحانه.
فلقد أصبحت القِيم السامية والأخلاق العالية التي سادت المجتمعات الإسلامية في ظل الحكم بالإسلام، الذي ارتبط عصره بالعزة والكرامة وأداء الحقوق والرعاية الكاملة، أصبح مجرد حلم بعيد إلا عمّن أدرك حقوقه التي أعطاها له رب العالمين فقرر أن يقاوم هذا الوضع الفاسد بكلمة حق إلى سلطان جائر.
فإلى متى الصمت على أنظمة الخزي والعار؟ هل ننتظر حتى نصبح مجرد رقم جديد في سِجل الأخطاء الطبية ويفلت الجاني من المحاسبة كما يفلت النظام في كل يوم؟ فبسبب هذا الصمت تمكنوا من إذلالنا، فماذا أنتم فاعلون؟!
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]
كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم حنين
2014/02/06
يُعد الاهتمام بالشؤون العامة أمراً شاقاً لا يُقبل عليه إلا القليلون في معظم الشعوب والأمم، ولا أعني هنا مَن يظهر للرائي أنه ممن يهتمون بالشأن العام، بينما هو يلهث وراء مصالحه ومنافعه الشخصية، وهؤلاء كُثر خصوصاً في المجتمعات التي تغلب عليها الناحية المادية وفي المجتمعات المنحطة.

أما الاهتمام بالشؤون العامة الذي ينبع من الإحساس بالمسئولية عن الغير، فهذا لا يقوم به إلا من تاقت نفوسهم للكمال والذين لا يبالون بعواقب ومآلات ما يقومون به طالما هم مقتنعون به، والذي في الغالب يعرضهم للنقمة من أصحاب المصالح والنفوذ في السلطات الفاسدة القائمة في بلادنا.
ولهذا نسمع الحديث دائماً عن الأغلبية الصامتة أو حزب الكَنَبَة، وهم أولئك المنعزلون عن الواقع؛ الذين لا يتابعون ما يجري خارج حياتهم الخاصة، أو الذين يتابعون ما يجري ولكنهم يفضلون ألاّ يكون لهم أي دور فاعل أو مؤثر في تلك الأحداث، ومما لا شك فيه أنها ظاهرة سلبية أنتجتها غريزة البقاء.
ومن الغريب على أمة كالأمة الإسلامية أن تكون نسبة العاملين فيها في المجال العام وخاصة المجال السياسي؛ الذين يسعون لتغيير حقيقي جذري في الأمة، تكون نسبتهم متدنية جداً إلى هذا الحد. ولعل أبرز أسباب ذلك ما يلي:
1- اليأس الذي تسرب إلى الأمة في قدرتها على التغيير، نظراً لطول العهد بها في ظل أنظمة سياسية قمعية، تمنع أي عمل سياسي خارج إطار سياستها النفعية القائمة على المنافع الشخصية.
2- ما كاد أن يصبح عرفاً في واقعنا السياسي المزري من أن السياسة خداع ودجل وتضليل، وأنه لا بد من إبعاد الدين عنها، إذ لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين!.
3- ما تراه الأمة من سياسة قطع الأعناق والأرزاق التي تتبعها الحكومات تجاه أصحاب دعوات التغيير.
4- سياسة الأنظمة الطاغوتية التي تعمل على توجيه الناس وتثقيفهم بثقافة الرضا بالأمر الواقع، وإبعادهم عن عقيدتهم وإيمانهم.
قد تكون الأحداث الأخيرة التي عاشتها الأمة في ظل الثورات قد قلصت من هذه الفئة الصامتة، بعد أن لمست أن التغيير ممكن.4
لكن يبدو أن هناك من يريد أن يعيد هؤلاء مرة ثانية إلى عزلتهم بإفشال تلك الثورات، فمما لا شك فيه أن تلك الثورات لم تنجح في إحداث تغيير حقيقي كانت تتوق إليه الأمة بكل مكوناتها، حتى أولئك الذين نأوا بأنفسهم عن القيام بأي عمل يصب في هذا الإطار.
لقد حرص الإسلام على أن يقضي على هذه السلبية الموجودة عند كثير من الناس في أغلب المجتمعات، ولأن الإسلام دين متميز بأفكاره وأحكامه عالج هذه المسألة بجملة من الأحكام منها:
1- جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لمَ يَسْتَطِعْ فَبلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ اْلإِيمَانِ» [رواه مسلم].
2- جعل النصيحة للمسلمين من أهم الفرائض ومن أهم الخصال الحميدة بين المسلمين، عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» متفق عليه.
3- جعل ذمة المسلمين واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم.
4- جعل الفتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة، بل تقع على الجميع، ذلك أن من لم يعمل على وأدها واكتفى بمجرد التفرج، كان مشاركاً فيها بسكوته، وهذا إثم عظيم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اللَّهَ عز وجل لا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ، فَلا يُنْكِرُونَهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ» [رواه أحمد].
5- عدّ الإسلام الشخص الذي لا يبالي بما عليه الناس بأنه إمعة، ونهانا أن نكون كذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» [رواه البزار].
ولعل من أكثر المفاهيم المغلوطة التي ابتليت بها الأمة، قول البعض إنما عليَّ بنفسي ولا شأن لي بمن ضل، فأنا والحمد لله مقيم للصلوات ولا آكل الربا وأتحرى الحلال والحرام، ثم تراه يستشهد على قوله هذا بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ولكن معنى الآية غير ما تبادر إلى ذهن القاعدين الذين يبحثون عن المبررات، بل هي تقول لهم، إذا قمتم بواجب النصيحة وأصر المنصوح على الاستمرار في ظلمه وفساده، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ومن وسعها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أما إذا قعدتم عن النصيحة فهذا هو الفساد بعينه.
ومن هنا لا عذر لهؤلاء القاعدين الصامتين وهم من أمة القرآن التي جعل الله فيها الخيرية، كونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا عذر لهم في الصمت والقعود، وهم يرون حكاماً ظالمين مستحلين لحرمات الله، ناكثين لعهود الله، عاملين في عباد الله بالإثم والعدوان.
فلنهبَّ جميعاً للانضمام للمخلصين في هذه الأمة الذين يصلون الليل بالنهار للنهوض بها، من خلال العمل على استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الإسلامية، التي بها يتم التغيير الحقيقي لواقعنا السيئ الذي لا يرضى عنه الله ورسوله.
شريف زايد، رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير الإسلامي في مصر
المصدر: الإسلاميون
أيها المسلمون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:
أيها المؤمنون:
إليكم هذا"الرد على القائلين بأن الكون قد تكون بطريق المصادفة دون سابق تفكير أو تدبير" إن المصادفة تكون أحيانا ممكنة, وتكون أحيانا في حكم المستحيلة عقلا, وسنضرب أمثلة نبين فيها حالة الإمكان, وحالة الاستحالة: لو أخبرك مخبر أنه شاهد ثلاثة رجال اجتمعوا بباب مسجد بطريق المصادفة ومن غير سابق هدف وتفكير , فإنك لا تستغرب هذا الخبر ؛ لأن المصادفة ممكنة. أما لو أخبرك مخبر أنه شاهد مائة رجل اجتمعوا بباب المسجد بطريق المصادفة ومن غير هدف وتفكير سابقين, لاستغربت الخبر, ولكان حظه من التصديق أقل من حظ الخبر الأول, لماذا يا ترى؟ لأن حظ المصادفة من التصديق يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانات المتكافئة المتزاحمة. أي كلما كان عدد الإمكانات أقل كان التصديق أكثر, فإذا زاد العدد قل التصديق, حتى إذا بلغ العدد رقما كبيرا انعدم التصديق, كما لو أخبرك مخبر أنه شاهد عشرة آلاف رجل تجمعوا في مسجد كبير, أو ميدان كبير كميدان التحرير في القاهرة مثلا, وانتظموا في صفوف متوازية يقومون بحركات متشابهة, يركعون جميعا, ويرفعون ويسجدون جميعا, ويجلسون ويتلفظون بكلمات واحدة, ويقومون بأعمال منسقة, وبعد أن فرغوا من أداء الصلاة أخذوا جميعا يهتفون بإسقاط النظام, كل ذلك يعملونه بطريق المصادفة, ومن غير سابق هدف أو تفكير, أيصدق عقلك؟ الجواب بالقطع لا؛ لأن المصادفة في تلك الحالة تستحيل عقلا! وكيف لو قال عالم من علماء الفلك: إن مئات الملايين من الكواكب والنجوم وجدت في هذا الكون لتسير حسب نظام دقيق, وأبعاد متناسبة, وحركات منسقة, وسرعة معينة, ومنازل مقدرة متناسبة, تسير في المجموعة الشمسية متدرجة متضاعفة, فلو قال قائل: إنها وجدت بطريق المصادفة, ومن غير سابق تفكير أو تدبير لنظر إليه بازدراء واحتقار! هل دوران الأرض حول الشمس في كل ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع اليوم مرة واحدة, ودورانها حول محورها في كل أربع وعشرين ساعة مرة محدثة الليل والنهار, والسنين والأيام, وهل دورانها حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة, ودورانها حول الشمس بسرعة خمسة وستين ألف ميل في الساعة, ودورانها بحيث لو كانت سرعتها مائة ميل في الساعة لكان طول النهار مائة وعشرين ساعة, وهل خطها على مدارها بشكل مائل بمقدار ثلاث وعشرين درجة بحيث لو زاد درجة أو نقص درجة لاختل نظام الفصول الأربعة على ظهرها, وهل وجودها بشكل كروي محدثا تعاقب الفصول الأربعة, بحيث لو لم تكن كروية لكانت إما نهارا سرمدا, وإما ليلا سرمدا, فهل كل هذه النسب المحددة والأوضاع المنسقة حصلت بطريق المصادفة, ومن غير أن تسبق بتفكير أو تدبير؟ إنك لو نظرت إلى آلة هندسية كالفرجار مثلا, لرأيت أحد الرأسين مدببا, والآخر فيه مقبض حديدي قابل أن يوضع فيه قلم أو قطعة طباشير, فتدرك سبب اختلاف الرأسين, وأن وجودهما على ذلك الوضع لم يكن عبثا, ولا بطريق المصادفة, بل لمصلحة توخاها صانع الفرجار, وبحيث لو كان رأساه على غير ما هما عليه لما أديا تلك المصلحة, فيكون واضعها قد فكر فيهما قبل وضعهما, لذلك وضع تصميما بحيث يؤديان ما يريد واضعهما.
ولو نظر امرؤ إلى قطع ساعة يدوية, كيف أنها في وضعها وترتيبها تعطي نظاما للساعات والدقائق والثواني, بحيث لو نزعت قطعة من مكانها, أو وضعت قطعة في مكان غير مكانها, لتعطل العمل ولاختل النظام, فيدرك من ذلك أن وضع كل آلة أو قطعة في مكانها المعين لم يكن عبثا, ولا مصادفة, وإنما لغاية أرادها لها واضعها, فيكون وضعها في أماكنها قد حصل بتفكير وتدبير معين لتؤدي النظام الذي فرضه عليها مهندسها, لأن النظام مفروض عليها من قبله, لذلك رتب آلاتها أو قطعها على وضع معين لتعطي ذلك النظام, فالنظام لا يمكن أن يحصل بمجرد وجود الأشياء متقاربة أو متباعدة لا يوجد نظاما, فقطع الساعة لو وضعت مجتمعة أو متناثرة لا يحصل من مجرد وضعها نظام, ولكن وضعها بشكل معين هو الذي يحدث فيها النظام, وإذا فالوضع المعين مفروض عليها فرضا فمن الذي فرض عليها ذلك الوضع؟ إنه المهندس الذي صمم تلك القطع, وحدد أماكنها؛ ليحصل من وضعها المعين النظام الذي يريده, ومن هنا يتبين أن نظام الساعة ليس جزءا منها, وإلا لوجد النظام من مجرد وجود قطعها مجتمعة أو متناثرة, وليس نظام الساعة خاصية من خواصها, إذ لو كان الأمر كذلك لأحدثت لنفسها نظاما يتفق مع كل وضع من أوضاعها. ولله المثل الأعلى, فما ينطبق على قطع الساعة ينطبق على أجزاء الكون من كواكب ونجوم ومجرات, كلها تسير بنظام دقيق. وهذا النظام لم يحصل بمجرد اجتماعها, وهو ليس جزءا منها, وليس خاصية من خواصها, ولا هي أحدثته لنفسها, وإنما فرض عليها من قبل خالقها الذي خلقها. وعليه فإن الكون لم يتكون بطريق المصادفة دون سابق تفكير أو تدبير. بل له خالق خلقه وهو الله سبحانه وتعالى.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.