الثلاثاء، 14 رمضان 1447هـ| 2026/03/03م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

الفراغ السياسي في الموقف الدولي "القسم الثاني: سقوط أمريكا"

  • نشر في سياسي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1599 مرات

 


تكلمنا في موضوعنا "الفراغ السياسي في الموقف الدولي" حول احتمال سقوط أمريكا عن موقع الدولة الأولى في العالم، وعدم قدرة الدول الكبرى الأخرى الموجودة حاليا على الساحة وهي بريطانيا وفرنسا وروسيا، وكذلك الدول المحتمل أن تصير دولا كبرى كألمانيا والصين واليابان على أن تملأ الفراغ فتصبح الدولة الأولى التي تتحكم في العالم، وذكرنا أسباب ذلك. فنال هذا المقال تقدير أخ كبير عزيز طلب أن أكمل هذا الموضوع في الوقت المناسب بذكر "عوامل ضعف الدولة الأولى وزوالها". وتقدير أخ عزيز آخر طلب زيادة على الطلب السابق أن أكمله "ببيان أكثر لِمَ يمكن للأمة الإسلامية أن تحل محل الدولة الأولى وما هي مؤهلاتها لذلك ولماذا يمكن أن تسبق دولاً متقدمة كبريطانيا وفرنسا وغيرها". وتقدير أخ كريم طلب على صفحة المكتب الإعلامي المركزي تكملته "ببيان ما ستقوم به دولة الخلافة حينما تسقط أمريكا عن مركز الدولة الأولى".


وبناء على ذلك سوف أتناول هذه الموضوعات فأبين عوامل ضعف الدولة الأولى التي تؤدي إلى سقوطها عن هذا المركز وزوالها عن التحكم في العالم، وبعد ذلك أتناول مؤهلات الأمة الإسلامية لأن تصبح الدولة الأولى، ثم أتناول ما ستقوم به دولة الخلافة حينما تسقط أمريكا عن مركز الدولة الأولى. وفي هذا القسم اقتصر على بيان عوامل ضعف أمريكا لأتابع سائر الموضوعات في أقسام لاحقة إن شاء الله.


إن تتبع عوامل ضعف دولة كبرى كأمريكا أمر بالغ التعقيد ويحتاج إلى دراسات تفصيلية وتحليلية، ولكني أكتفي بالإشارة إلى أهم تلك العوامل بغية تسليط الضوء عليها علها تجد من يوسعها بحثاً وتقصياً.

 


أهم عوامل سقوط أمريكا عن مركز الدولة الأولى في العالم:


1- التراجع الفكري: إن أهم عامل من عوامل سقوط الدول الكبرى وانهيارها وزوالها هو الانحطاط الفكري، ويبدأ الانحطاط بالجمود الفكري الناتج عن العجز الفكري المتمثل في عدم القدرة على إيجاد حلول ناجعة للأزمات والمشاكل من المبدأ الذي تعتنقه الدولة. فالدولة تبقى قوية بقوتها الفكرية وقدرة أبنائها المفكرين والسياسيين على الإبداع الفكري وإيجاد الحلول الناجعة من المبدأ الذي يعتنقونه. فإذا ما حصل فيها نقص أو قحط في الرجال المفكرين المجتهدين والمبدعين، وظهرت إساءات في تطبيق المبدأ وسوء فهم له، ودخلت إليها أفكار وحلول من خارج المبدأ فأخذت تحاول التوفيق بينه وبين هذه الأفكار الدخيلة، وحصل التنازل عن أفكار المبدأ وعن الالتزام به، وتضعضعت الثقة في المبدأ لعدم قدرته على تقديم الحلول الناجعة، فعند ذلك يبدأ الانحدار والسقوط. وفي العادة فإن أهل هذا المبدأ لا يلتفتون إلى المرض الذي أصابهم، وإذنْ لعالجوه، ولكنهم لا يدركون ذلك جيداً إلا بعد نشوء دولة مبدئية أخرى تقوم بتحديهم وتحدي مبدئهم، فلا يصمدون أمامها وتنهار دولتهم، فدولتا فارس والروم لم تحسا بالانحطاط الفكري الذي أصابهما، ولكن عندما نشأت الدولة الإسلامية على أساس مبدأ جديد وبدأت تتحدى هاتين الدولتين فعندئذ أحستا بالخطر الداهم عليهما وسقطتا بسرعة أمام الدولة الإسلامية الناشئة.

 

والدولة الإسلامية في نهاية عهد العثمانيين لم تدرك الواقع الذي آلت إليه، فلم تعالجه عندما أصابها الانحطاط الفكري، لتفاجأ بالدول الأوروبية التي كانت ترهبها لقرون قد أفاقت من سباتها وتفوقت عليها وبدأت تهددها. والاتحاد السوفياتي بدأ بالعد التنازلي يوم بدأ يتنازل عن مبدئه وهو في أوج قوته العسكرية إلى أن تخلى نهائيا عن مبدئه تقريبا بتأويلات مثل الانفتاح وإعادة البناء إلى أن سقط هو ومبدؤه، فلم يبق غير اسم المبدأ واسم الحزب القائم عليه في بعض البلدان. وأمريكا الآن بدأت تتخلى عن مبدئها بشكل علني فقد حملت مشعل الحرية والديمقراطية والقيم العليا وحقوق الإنسان واحترام حق الشعوب في التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار والدفاع عن المظلومين والمضطهدين، فداست على كل ذلك، وانكشف وجهها الحقيقي بأنها دولة استعمارية لا تختلف عن الدول الاستعمارية السابقة ولا تقل عنها وحشية وهمجية، وصارت تضيق على الحريات في الداخل والخارج، وتتجسس على الجميع وتلاحق كل شخص وتجعله متهما يهدد أمنها إذا لم يعلن ولاءه لها بشكل كامل، بل ويتعامل معها أو يعمل لحسابها، وكثير من الناس الذين تقبض عليهم بسبب اتهامها لهم بمعارضتهم لسياستها ولمشاريعها أو لمقاومتهم احتلالها واستعمارها ترمي بهم في معتقلات نائية لسنين طويلة من دون محاكمة وتعذبهم وتهينهم وتدوس كرامتهم ولو كانوا أسرى، فلا تعتبرهم أسرى عندما تأسرهم وهي في حرب معهم، ولا تحترم حقوقهم الإنسانية فتفرج عنهم أو تفاديهم. ووقفت وراء الأنظمة الاستبدادية ودعمت الانقلابات ضد الديمقراطية التي تدّعيها، فتعرت أمام العالم، مثلما فعلت في مصر فدعمت الانقلاب على الديمقراطية التي دعمتها برئاسة مرسي، وبررت ذلك بأن الجيش سيعيد الديمقراطية كما قال وزير خارجيتها جون كيري.

 

وتدخلت بالقوة لإسقاط أنظمة معارضة لها وإقامة أنظمة شبيهة بالساقطة مؤيدة لها؛ فاحتلت العراق وأقامت فيه نظاما لا يقل استبدادا عن سابقه، بل أكثر فسادا من سابقه، ناهيك عن قتلها الناس بلا رحمة وتعذيبها لهم وتدميرها للبلد والعمل على تمزيقه، حيث وضعت دستورا من أجل تحقيق ذلك بإقامة نظام حكم محاصصة طائفية وقومية، وهذا يناقض الديمقراطية التي تقول بحكم الشعب بدون إعطاء حق لطائفة قومية معينة على حساب أخرى، متناقضة مع أفكارها الأساسية في مساواة المواطنين في الحقوق وعدم التمييز بينهم، وكاذبة على أهل العراق من أنها ستخلصهم من استبداد وظلم النظام.

 

وهكذا فعلت في أفغانستان بعدما احتلته، وكذلك فعلت في الصومال فأشاعت القتل والدمار في هذه البلاد، كما فعلت في العديد من دول أمريكا اللاتينية وفي العديد من دول أفريقيا وآسيا. فلم تعرف الرحمة ولا الشفقة ولا حقوق إنسان ولا أخلاق، فهي تقتل من تشاء وتعذب وتسجن من تشاء وتخطف من تشاء، وتدمر البيوت على رؤوس أصحابها وتثير الفوضى والاضطراب والقلاقل في المجتمعات لبسط نفوذها في البلاد.

 

وتستعمل أخبث وأقذر الأساليب في سبيل بسط نفوذها وتحقيق هيمنتها واستعمارها. وتدعم كيان يهود في كل جرائمه وتحميه من كل مساءلة. والعالم كله يشاهد ما تفعله أمريكا وهو كاره لكل ذلك ولاعِنٌ لها ولعملها ونازع ثقته منها ومن حلولها التي تعمق المشاكل ولا تحلها وتجعل المجتمعات تعيش في جحيم وتطلب رحمتها. كما تنازلت أمريكا عن مبدئها وتدخلت في السوق لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية بشراء أسهمها المتعثرة أو الهالكة ابتداء من عام 2008 عند انفجار الأزمة المالية الأخيرة، وما زالت مستمرة في هذه السياسة حيث قررت ضخ ترليونات من الدولارات، فهي تضخ شهريا 85 مليار دولار، مع العلم أن ذلك يخالف مبدأها الرأسمالي مخالفة أساسية حيث ينص هذا المبدأ على منع الدولة من التدخل في السوق ويوجب تطهير السوق من براثن السلطة، ويقول بأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، وهي التي تنادي بتحرير السوق وبالاقتصاد الحر.

 

فمثلها كمثل الاتحاد السوفياتي الذي عمل على تطبيق الاشتراكية حتى يصل إلى الاشتراكية الشيوعية ثم تراجع فسمح بإشراك بعض الأفراد في وسائل الإنتاج، واستمر في تراجعه وتنازله إلى أن سمح للمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية الرأسمالية بالاستثمار في الاتحاد السوفياتي. وهكذا سقط الاتحاد السوفياتي عندما بدأ يتنازل ويتراجع عن مبدئه، وبدأ بتأويله وتحريفه، وسمح بدخول الأفكار الرأسمالية. وأمريكا خالفت مبدأها لأنها لم تستطع أن تلتزم به لأنه لا يعالج المشاكل فتدخلت في السوق ووضعت عليه قيودا وقوانين، وقامت وتدخلت لإنقاذ الشركات التي يجب أن تسقط حسب المبدأ الرأسمالي وتقوم غيرها محلها بصورة أقوى وأفضل، ومع ذلك لم تستطع أن تعالج هذه الأزمة وما زالت تضخ الأموال الطائلة لإنقاذ شركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يحكمون البلاد وتحرم عامة الناس منها.

 


2- ضعف التماسك الداخلي: لقد بدأ الناس في أمريكا يشعرون بوجود طبقة ثرية ثراءً فاحشا تستحوذ على أكثرية ثروات البلاد وهي التي تتحكم في البلاد وفي العباد، وتمسك بزمام الحكم وتتبادل الأدوار بينها.

 

ولذلك خرجت مسيرات احتجاجية شعبية فريدة من نوعها في أمريكا واتخذت شعارا لافتا للنظر وهو "احتلوا وول ستريت" قائلة أن 1% من الناس، وهم الأثرياء الذين يتمركزون في السوق المالية المعروفة في وول ستريت، تملك 99% من الثروة، وأن هؤلاء لا يدفعون الضرائب بدعوى أنهم يشغّلون العمال فيمنون على الناس أنهم يشغلونهم بأجور زهيدة ويجمعون من وراء جهدهم ثروات طائلة. فقامت الدولة وقمعت هذه الاحتجاجات، مع أنها كانت سلمية. فهذا يدل على أن هناك تململاً من الناس للثورة على النظام القائم، وتميزت هذه التحركات بأنها لم تكن من عنصر أو عرق معين من الناس يحتجون على معاملتهم كاحتجاج السود أو احتجاج الأمريكيين اللاتينيين بل كانت من الشعب بصفة عامة بدون أن تحمل طابعا عنصريا أو عرقيا لفئة خاصة مهمشة في المجتمع. ولكن لم يملك هؤلاء المحتجون نظاما بديلا، فبقوا في أماكنهم، والدولة لم تقدم جوابا على ادعاء المحتجين ولم تحل المشكلة سوى بالوعود الكاذبة، وعملت على إخمادها بقمعها ومحاصرتها واعتقال الناشطين فيها والتضييق على أماكن احتجاجهم، مما يدل على أن المشكلة كامنة في المجتمع وستنفجر في يوم من الأيام، وستتطور عندما تجد فكرا بديلا ويقودها مفكرون أو تتجسد في تكتل أو تكتلات حزبية تعمل على التغيير.

 

وتصرف الدولة القمعي تجاههم أثبت أن الدولة تدوس الحريات التي تتشدق بها عندما يمس أحد الزمرة الحاكمة والمتحكمة والمستأثرة بالسلطة والثروة، وهي طبقة الرأسماليين الأثرياء ثراءً فاحشا. فإدراك الناس لهذا الأمر جدير بأن يحفزهم على التفكير في التغيير الجذري وللتكتل، فقد بدأوا يحسون بالواقع الأليم ويدركون الواقع الذي هم عليه، ويكتشفون سبب المشكلة بأن الذي يحكم أمريكا ويتحكم في الشعب وفي قوت يومه هو هذه الطبقة، وأنه لا يوجد حريات حقيقية، وهذه أول مرة في أمريكا يبدأ الناس بإدراك الواقع الذي عليه بلادهم ويتحركون لتغييره.

 

ولكن ينقصهم الفكر وهذا يأتي فيما بعد، أي أن الفكر يأتي بعد الإحساس بالواقع السيئ وبضرورة تغييره، فكلما تردت الأحوال وساءت الأوضاع في كافة المجالات قوي الإحساس وازدادت الحاجة للفكر لإيجاد الحل؛ فإما أن يكتشفه الناس بواسطة مفكرين سيبرزون بينهم أو في أماكن أخرى فينتقل إليهم، وإما أن يروه مطبقا في دولة أخرى ستنشأ كالدولة الإسلامية التي ستطبق السياسة الإسلامية التي ستوجد التوازن الاقتصادي في المجتمع الذي يوجب توزيع الثروات بين أفراده وإزالة الثراء الفاحش على حساب الآخرين، ويحول دون تكدس الثروات في خزائن طبقة معينة ضئيلة تتداول أغلب المال بين أفرادها، بل سيعم الخير في كافة المجالات. فكلما تفاقمت المشاكل وتأزمت الأمور فإن الانفجارات ستحدث في المجتمع.

 

فالخطوة الأولى هي إحساس الناس بالواقع السيئ والتململ للعمل على تغييره، ثم التفكير في تغييره ووجود مفكرين وأفراد يتكتلون ويتجسد فيهم الفكر، وبعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة وهي العمل على التغيير.

 

هذا مع العلم بأن المجتمع الأمريكي مكون من جماعات كانت تنتمي لشعوب عديدة من مختلف أصقاع الأرض، فيرى البعض منها أنه مهمش في داخل المجتمع، وأن فئات من المجتمع تنتمي لعرق معين هي التي تستحوذ على أغلب المناصب والمراكز والثروات، ومنها من لديه أحاسيس قومية، فعند تفاقم المشاكل سوف تقوى هذه الأحاسيس، ثم تتجه نحو الدعوة للانفصال، مثلما حصل عام 1998 عندما قامت مجموعة وطالبت باستقلال تكساس. والولايات الجنوبية لديها شعور كامن بالانفصال، وقد جربته عام 1860 فاندلعت حرب أهلية لمدة خمس سنوات. وكلما تفاقمت المشاكل برز احتمال تفكك أمريكا من الداخل، خاصة وأن الناحية القومية لم تعالج من قبل المبدأ الرأسمالي فلما عجز عن حلها أقر بها، وأوجد النظام الفدرالي كحل لها، أي الاستقلال الداخلي للأقاليم الذي يحمل في أحشائه بذور الانفصال. فالنظام الفدرالي نظام هش فيه قابلية للانهيار ولتفكك الدولة.

 

وقد حصل مثل ذلك في الاتحاد السوفياتي الفدرالي الذي كان دولة عظمى وذلك عندما عصفت أزمات بالدولة فانهار الاتحاد وتفككت البلاد. وقد تفككت يوغسلافيا الفدرالية وتشيكوسلوفاكيا أيضا، وهناك العديد من الدول الأوروبية الفدرالية معرضة للتفكك بسبب هذا النظام، منها بريطانيا التي سقطت منها أيرلندا الجنوبية وهي معرضة لأن تسقط منها أيرلندا الشمالية وكذلك اسكتلندا. فالنظام الفدرالي الذي تقوم عليه أمريكا نظام هش ولا يصهر الشعوب في بوتقة واحدة، فإذا أثير الشعور القومي أو شعر الناس في الولايات بالظلم ووجود التمييز فسرعان ما تبدأ حركات الانفصال بالظهور، وإذا عملت دولة خارجية في داخل الدولة الفدرالية فإن ذلك سيسرع من حركة الانفصال والتفكك.

 

إلى جانب ذلك فإن المجتمع الأمريكي من أكثر المجتمعات فسادًا في العالم، فأمريكا تسجل أعلى المعدلات عالميا في كافة أنواع الجرائم من قتل واغتصاب ومن سطو واعتداء وسرقة ممتلكات وتعاطي المخدرات، وفي كافة أنواع الرذيلة والشذوذ. والناس في العالم لم يعودوا يعتبرون المجتمع الأمريكي مثاليا أو مجتمعا يحتذى به، بل أصبحوا يضربون المثل بسوئه وبما ينتشر فيه من مثل هذه الأعمال السيئة التي تسجل أعلى المعدلات عالميا، وهو أبعد المجتمعات عن التسامح والتآخي والتحابب، بل تسوده الأنانية والجشع وحب جمع المال، وتفكك الأسر، وتسوده العنصرية والكراهية والضغائن والأحقاد وحب الانتقام والقتل.

 

فالأمن والأمان مفقودان فيه، والكل يخاف على نفسه وعلى عرضه وعلى ماله وممتلكاته، فلا يأمن أحد أحدا؛ ولو كان جاره أو واحدا من أقاربه أو زملائه أو معارفه. وهي أكثر بلاد ترفع فيها دعاوى وقضايا لأتفه الأسباب، يرفعها بعضهم ضد بعض حيث لا يتفاهم الناس مع بعضهم البعض سواء الأزواج أو الأقارب أو الجيران أو الشركاء أو غيرهم، فلا يعمدون لحل مشاكلهم فيما بينهم بالتصالح والتسامح، بل يلجأون إلى المحاكم لمعاقبة الآخرين ولابتزازهم لتحصيل المال ولو كان بغير وجه حق.

 


3- تضعضع الناحية الاقتصادية: قلنا إن أمريكا تدخلت في السوق لإنقاذ الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية بشراء أسهمها المتعثرة أو الهالكة ابتداء من عام 2008 عند انفجار الأزمة المالية الأخيرة، وما زالت مستمرة في هذه السياسة حيث قررت ضخ ترليونات من الدولارات، فهي تضخ شهريا 85 مليار دولار، ومع ذلك لم تستطع أن تعالج هذه الأزمة وما زالت تضخ الأموال الطائلة لإنقاذ شركات أصحاب رؤوس الأموال الذين يحكمون البلاد وتحرم عامة الناس منها، والأزمة مستمرة وكان ضحاياها شظف وضنك من العيش للملايين الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم وبدأوا يقتاتون على المساعدات الاجتماعية، وقد ازدادت نسبة الفقر حيث أشارت إحصائياتهم التي نشرها مكتب التعداد السكاني بالولايات المتحدة في 2011/11/7 إلى أن نسبة الفقر وصلت عام 2010 إلى 16% أي 49 مليون شخص. (صحيفة الرياض 2011/11/8) في الوقت الذي أعلن عن ازدياد ثروات الأغنياء بنسبة 12% حيث أعلن عن إجمالي ثروات 400 شخص في أمريكا وهي تساوي 1,5 ترليون دولار (العربية 2011/9/22).

 

ولهذا قامت حركة وول ستريت التي رفعت شعار "1% من الناس الأثرياء يملكون 99% من ثروات البلاد". ومن جهة ثانية فإن المديونية الأمريكية والعجز في الميزانية وصلت إلى حدود لا يمكن تصورها في دولة، حيث وصلت المديونية إلى أكثر من 16 ترليون دولار. وأقل من هذا المبلغ بكثير من شأنه أن يسقط الدولة. وسبب بقائها رغم ذلك هو كون الدولار عملة عالمية يتحكم في اقتصاد العالم، وسيطرتها على الأسواق المالية العالمية وعلى المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

 

فإذا تخلت دول العالم أو قسم مهم منها عن التعامل بالدولار، فمن المحتمل أن يسبب ذلك انهيارا للاقتصاد الأمريكي، ثم سقوطاً لها عن مركزها كدولة أولى عالمياً. ومن جراء ذلك فإنه من المحتمل أن تسقط هذه المنظمات المالية العالمية فيختل التوازن الدولي.

 

فإذا تخلت دول العالم عن التعامل بالدولار أو عن كونه عملة عالمية وكونه احتياطياً لها أو رجعت إلى نظام الذهب والفضة فإن الدولار سوف يتحول من كونه عملة عالمية تسيطر على العملات والأسواق وعملة تستخدم كاحتياط نقدي للدول، لأن دول العالم سوف تتعامل بالعملات المستندة إلى الذهب والفضة وتترك التعامل بالدولار كمجرد عملة وثيقة تعتمد على الثقة بأمريكا أو على الهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم وتتخلى عنه كاحتياطي نقدي.

 

وإذا طالبت دول العالم بالديون التي لها على أمريكا والتي هي على شكل سندات خزينة أمريكية شبه مفلسة، فإن أمريكا لن تستطيع أن تدفع هذه الديون وبذلك ستصبح في مأزق كبير وتنعدم الثقة بها وتعلن إفلاسها، وقد أفلست العشرات من مدنها والمئات من بنوكها والآلاف من شركاتها ومحلاتها التجارية والصناعية. ومديونيتها الهائلة كافية لإسقاطها عن مرتبة الدولة الكبرى الأولى عندما تتفاقم الأمور وتتحرك الدول لمحاسبتها واسترجاع أموالها. ففي 2013/10/5 عشية افتتاح قمة أيبك في جزيرة بالي بإندونيسيا أشار وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري إلى ذلك قائلا: "إذا استمرت الأزمة المالية أو تكررت فقد يبدأ الناس يشككون بإدارة الولايات المتحدة بالحفاظ على مسارها وقدرتها على ذلك".

 

وقبله في 2013/10/3 صرح جاكوب لي وزير الخزانة الأمريكية قائلا: "كما رأينا منذ عامين فإن استمرار الغموض بشأن قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها المالية بشكل كامل وفي التوقيتات المحددة أضر باقتصادنا".

 


4- اهتزاز قوتها السياسية: القوة السياسية للدولة الأولى كثيرا ما تكون مرتبطة بقوتها الاقتصادية والعسكرية وقدرتها على استخدامها وقوة الثقة بها وبسياستها. فإذا ضعفت قوتها الاقتصادية والعسكرية ولم تقدر على استخدامها وإذا فضحت سياستها ولم يعد الناس يثقون بصدقها وبمصداقيتها، وكشفوا القناع عن وجهها الحقيقي فعرفوا كذبها وخداعها، ولم تستطع أن تنفذ خططها السياسية بسبب رفض الناس لها وانفضاح أمرها فإن قوتها السياسية سوف تضعف حتما ويهتز موقفها الدولي ومن بعد ذلك تتجه نحو السقوط كما هو حاصل لأمريكا الآن.

 


فهي أي أمريكا من خلال سيطرتها على الاقتصاد العالمي ومن خلال سيطرة الدولار الذي لا يساوي ثمن الحبر الذي طبع به تمول آلتها الحربية التي ترهب العالم بها، فإذا فقدت سيطرتها على المؤسسات المالية العالمية وإذا سقط الدولار عندئذ لن تستطيع أن تمول آلتها الحربية وجيوشها وقواعدها التي تنتشر في العديد من بلدان العالم وأساطيلها التي تجوب المحيطات.

 

فأهم عنصرين لفرض أمريكا هيمنتها السياسية على العالم هما القوة العسكرية والقوة الاقتصادية؛ فهما العنصران اللذان يؤمّنان لها الهيمنة على الأمم المتحدة ومنظماتها وخاصة مجلس الأمن، وكذلك المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية. فعندما تفقد هذه الهيمنة سوف تفقد قوتها السياسية بتأثيرها على دول العالم وبسيطرتها على الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن وعلى المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية.

 

ثم إن سياستها أصبحت مكشوفة لدى الجميع، وبدأ الناس يدركون أساليبها التي تعتمد على الكذب والخداع وعلى إرهاب الناس أفرادا ودولا وشعوبا ووضعهم في قفص الاتهام بمعلومات كاذبة وتقارير مزورة ثم تبرير قتلهم أو سجنهم أو احتلال بلادهم، فهذا من شأنه أن يعجل بسقوطها، فإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه من بدء علامات الجمود الفكري بسبب عدم قدرتها على معالجة الأزمات ومخالفة مبدئها بسبب عقم حلوله، فهي تطبق نفس الحلول لهذه الأزمات منذ سنين طويلة فتتولد نفس النتائج فيتكرر حدوث هذه الأزمات بدون الوصول إلى حل جذري يمنع حدوثها، فإن ذلك يزيد من ضعف الثقة العالمية بها ومن شأنه أن يعجل بسقوطها.

 

ثم إن شعوب العالم باتت تبغضها وتنفر منها وتراها متغطرسة ومتجبرة تدوس كرامة الإنسان وتحتجز الناس لسنين طويلة بتهم وبلا محاكمات وتنتهك حرماتهم وكرامتهم وتسومهم سوء العذاب، وتتجسس على الجميع حلفاء وأعداء بلا تمييز، وتخالف القوانين والأعراف الدولية وحقوق الإنسان والديمقراطية التي تدّعيها، دون أن تحسب حساباً لأي شيء.

 

وقد أصبحت عند شعوب العالم متهمة بأنها وراء كل عمل سيء وإجرامي في العالم وأنها توقد الحروب وتحوك المؤامرات ضد دول العالم، وتشعل الحروب الداخلية وتثير الفوضى والاضطرابات في بلدان العالم، وتدبر الانقلابات العسكرية وتقف وراء الحكام الاستبداديين إلى حين سقوطهم وتتحايل على الشعوب باستبدال استبداديين بهم، وأصبح ينظر إليها على أنها سبب الفقر والأزمات الاقتصادية في العالم، حتى إن الشعوب الأوروبية باتت تنفر منها ولم تعد تثق بها وبما تقول وتعتبر أنها وراء المشاكل واندلاع الحروب في العالم، فبان كذبها بادعائها أنها تحمل مشعل الحرية لتحرير الشعوب وانكشف زيف قيمها العليا التي كانت تتفاخر بها.

 

وقد أعلنت الحرب على الأمة الإسلامية تحت مسمى محاربة الإرهاب، فأصبحت مكشوفة لدى أبناء الأمة الإسلامية الذين بدأوا يحاربونها، فمنهم من يحاربها بالسلاح فعلا، ومنهم من يحاربها بالفكر وبالسياسة وثارت شعوب المسلمين ضد عملائها وعملاء حلفائها الغربيين وضد الأنظمة التي أقاموها، وصار الرأي العام ضدها، ومع أنها أتت بأوباما لتحسن صورتها القبيحة، لكن لم ينفعها لا أبيضها ولا أسودها.

 

فشعوب العالم كله أدركت واقع أمريكا، وبدأت تعمل للتخلص من هيمنتها ومن شرورها، مما يبشر بسقوط أمريكا عن كونها الدولة الأولى في العالم وبتهيئة العالم لتقبل دولة أولى عالمية أخرى تقود العالم إلى الخير وتحقق العدل وتنصف المظلوم وتعطي الحقوق لأصحابها وتوفر الأمن والأمان والاستقرار وتنشر السلام والرخاء. ولا يوجد غير دولة الخلافة الراشدة القادمة بديلا وقائدا صادقا ليحقق للعالم ذلك كله.

 


إن هناك علامات فشل في سياسة أمريكا تشير إلى أن قوتها السياسية تتجه نحو الضعف. ففي قضية الشرق الأوسط لم تستطع حتى الآن أن تنفذ مشروعها في إقامة الدولتين ولو نفذته فشعوب المنطقة ترفضه، فقد استطاعت أن تنفذ خطتها المتعلقة بمصر بواسطة كامب ديفيد ولكن الشعب في مصر ما زال يرفض التطبيع مع كيان يهود وينتظر اليوم الذي يتخلص فيه من هذه الاتفاقية. وقد اهتز نفوذها فأهل العراق وأهل أفغانستان والصومال قاوموا احتلالها ووجهوا إليها ضربات موجعة لم تجعلها في موقع المنتصر بل أظهرتها في وضع المنهزم، وأخذت تتوجس من خوض حرب أخرى.

 


وجاءت الثورات المباركة في العالم الإسلامي وبدأت من البلاد العربية فجعلت أمريكا تقلق على نفوذها في هذه البلاد وعلى مصيرها العالمي كدولة أولى في العالم. فقد صرح رئيسها أوباما مؤخرا في خطاب له أمام الجمعية العمومية يوم 2013/9/24 قائلا: "إن التقلبات الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموذج على التحديات التي تواجه العالم. ولذلك فإن على الأمم المتحدة أن تعالج الاضطرابات الداخلية ومنع الصراع الداخلي بدلا من العمل فقط على منع الحروب بين الدول". وأضاف: "إن التقلبات الكبيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أظهرت الانقسامات العميقة داخل تلك المجتمعات، والشعوب تتساءل عما سيأتي لاحقا". وقال "إن الأزمة في سوريا وزعزعة استقرار المنطقة تطرح تحديات أوسع للمجتمع الدولي". وأقر بقوة الحركات الإسلامية قائلا: "إن الولايات المتحدة وآخرين عملوا على دعم المعارضة المعتدلة ولكن المجموعات المتطرفة استطاعت أن تنتشر لاستغلال الأزمة".

 

وقد أعلن أوباما تنازل أمريكا عن الديمقراطية في سبيل تحقيق مصالحها فقال: "إن دعم الديمقراطية ليس من المصالح الأساسية التي ستعمل على حمايتها". وأكد أوباما مرة أخرى على مصالح أمريكا مدللا على تهاوي بلاده وانحدارها فقال: "على الرغم من أن الولايات المتحدة بدأت تقلل تدريجيا من اعتمادها على النفط المستورد إلا أن العالم ما زال يعتمد على مصادر المنطقة للطاقة وأي اضطراب قوي قد يزعزع اقتصاد العالم بأجمعه".

 


ومن هنا يتبين لنا أن أمريكا على وشك السقوط وأنها إلى زوال بإذن الله مع أن عمرها كدولة أولى في العالم لم يتجاوز ستين سنة مع وجود منافس لها، وهذا لا يعد شيئا في تاريخ الأمم، وبدأت تهتز في العقد الأخير. فالظلم والتسلط والغطرسة والعنجهية لن تجعل صاحبها يسود إلا قليلا، ومن ثم يزول ويزول معه كل ما يحمله. وليس من المحتمل أن تملأ ذلك الفراغ الدول الكبرى الأخرى مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا ولا الدول المرشحة لتكون دولة كبرى كألمانيا أو التي ينظر إليها أنه من الممكن أن تصبح دولة كبرى كالصين أو اليابان كما بينا في مقالنا الأول تحت عنوان الفراغ السياسي في الموقف الدولي. ولم يبق إلا احتمال نهضة الأمة الإسلامية وإقامة دولتها دولة الخلافة. وسنبحث إن شاء الله في القسم الثالث مؤهلات الأمة الإسلامية لأن تسبق الدول الكبرى الأخرى وتملأ الفراغ وتصبح الدولة الأولى عالميا.

 

 

 

 


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

 

maqalat

 

لقراءة الجزء الأول اضغط هنــــا

لقراءة الجزء الثالث اضغط هنــــا

 

 

إقرأ المزيد...

ولاية السودان: ندوة بجامعة أم درمان الإسلامية    

  • نشر في مؤتمرات وندوات
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1332 مرات


أقام شباب حزب التحرير / ولاية السودان بالجامعات يوم الاثنين 09 جمادى الأولى 1435هـ الموافق 10 آذار/مارس 2014م، ندوة سياسية بجامعة أم درمان الإسلامية (مجمع الفتيحاب)، بعنوان: "البرنامج الإصلاحي بين الحقيقة والسراب" ، تحدث فيها كل من:


الأستاذ/ سليمان الدسيس - عضو المكتب القيادي لحزب التحرير في ولاية السودان.


الأستاذ/ ناصر رضا - رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان.

 

تحدث فيها الأستاذين الكريمين عن حقيقة مسألة الإصلاح من حيث الفكرة بأنها عملية ترقيعية لنظام بالي، وأن مسألة الإصلاح التي طرحتها الحكومة خاصة في خطاب رئيس الجمهورية، إنما هي مكيدة تريد من خلالها الدولة إشراك أكبر عدد من القوى السياسية لارتكاب الجريمة المقبلة والتي تدبر في أديس أببا مع حركة التمرد "الحركة الشعبية قطاع الشمال"، كما تحدث الأستاذ ناصر عن طبيعة مسألة الحوار وأنها لا تتعدى عملية البحث لإدراك المشكلة ولكن لا يمكن أن يكون الحوار حلاً وإنما الحل يحتاج إلى فكرة وليس حواراً فهذا كلاماً فضفاضاً.

 

وأضاف إن الفكرة السياسة القادرة على معالجة مشاكل الناس في السياسة والاقتصاد وغيرها من شؤون الناس كل الناس معالجة صحيحة، إنما هي عقيدة الإسلام العظيم، فكراً وعقيدة.

 

وقد حشدت الندوة المئات من طلاب الجامعة، توافدوا لحضور الندوة والمشاركة فيها، فقد وجدت الندوة ترحيبا حارًا من الحاضرين، لطرح الإخوة المتحدثين كما أشار الكثير من المشاركين بأنهم لا يرضون بغير الإسلام بديلاً والخلافة دولةً.



وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

 

 

 

 

التسجيل الكامل للندوة

 

 

 

 

 

لمزيد من الصور في المعرض

 

 

 

 

 

 

 

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق الحرب حرمت ملايين الأطفال في سوريا من كل أوجه طفولتهم

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1885 مرات


الخبر:


(رويترز) - ذكر تقرير للأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) صدر تحت عنوان "الحصار، الأثر المدمر للأطفال" أن آلاف الأطفال قتلوا في سوريا، وأنه وبعد ثلاث سنوات من بدء الأزمة في سوريا فقد آلاف الأطفال حياتهم، وأشار إلى أن إحصائيات الأمم المتحدة تؤكد مقتل ما لا يقل عن عشرة آلاف طفل في الحرب السورية، وأكد أن العدد الحقيقي ربما أعلى من ذلك.


وأشار إلى أن الأزمة أثرت على نحو 5.5 ملايين طفل سوري بينهم نحو ثلاثة ملايين نازح داخل البلاد و1.3 مليون لاجئ.


التعليق:


لا يخفى على القاصي والداني حالة الصراع والحروب والهوان التي يمر بها المسلمون شرقا وغربا. وقد تكالبت علينا الأمم وتحالفت واتفقت على القتل والتنكيل وذبح المسلمين، والاعتداء على دمائهم وحرماتهم من دون أن يرمش لهم طرف.


ولعل أطفال المسلمين هم أكثر من عانى نتيجة هذه الأحداث والظروف.


فقد عانوا القتل والتشريد والتجويع والتهجير والتيتم والحرمان من الحاجات الأساسية من مقومات الحياة، وما خفي كان أكثر. ولعل كثيرا من المسلمين لا يعلم أن الغرب يكرر ما فعله بأطفال المسلمين في البوسنة، إذ إنهم يقومون بتصدير اليتامى من الأطفال لبلادٍ غربية بالعشرات من مختلف الأعمار بحجة إنقاذهم مما يتعرضون له، لينتهي بهم المطاف في بيوت غريبة في بلادٍ بعيدةٍ، قد تؤدي لحرفهم عن دينهم وثقافتهم، وهذه هي الأنكى من بين المآسي التي يتعرضون لها.


إن مأساة المسلمين في الأندلس تتكرر اليوم على مشهد من المسلمين، وما من مُلبٍّ ولا من مغيث


فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ                   عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ

ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ                لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

يا ربَّ أمّ وطفلٍ حيلَ بينهما                       كما تفرقَ أرواحٌ وأبدانُ

وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت            كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً                والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ           إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

 

لا شك أن ما وصل إليه المسلمون لم يكن حادثة مفاجئة، بل هو تراكم سنين من الحكم بما لم ينزل الله به من سلطان، وما نتج عنه من الظلم والفقر والجور وضنك العيش؛


فمنذ أن هدمت الخلافة الإسلامية، ورافق هدمها تآمر الكافر المستعمر على المسلمين وتعاون معهم الخون من أبناء جلدتهم والكفار وعملاؤهم من حكام المسلمين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ومنذ انفراط عقد الدولة الإسلامية إلى دويلات عليها رويبضات وحال المسلمين تتدهور من سيء إلى أسوأ.


لقد وصل العالم الإسلامي لحالة من التردي والضياع والهوان نحتاج فيها إلى العودة للإسلام حاكما ومسيرا لجميع أمور حياتنا وشؤوننا، لأن الإسلام وحده هو القادر على إحداث التغير الحقيقي في حياة المسلمين.


وما أحوجنا اليوم إلى خليفة يوحد الأمة ويقودها بما يرضي الله ويرفع عنها ما حل بها من أمور ربما أكثر من أن تذكر وتعد. يدافع عن بيضتها ويقيم ميزان العدل فيهم خليفة يخشى لو عثرت دابة في أرض العراق أن يسأله الله عنها لِم لم تمهد لها طريقا.


خليفة يخشى أن يقال جاع الطير في بلاد المسلمين فيأمر أن ينثر الحب على سفوح الجبال.


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ».


الإمام جنّة: أي كالستر لأنه يدفع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة المسلمين، فهذا بالضبط ما نحتاجه وما ينقصنا ومن لا يرى ذلك فهو أعمى.


﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾




كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم مالك

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق وهم يدٌ على مَن سِواهم

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1034 مرات


الخبر:


انتشرت قبل عدةِ أيام صورةٌ على مواقع الإنترنت مع كثيرِ مقالاتٍ وتعليقات عنها وهي لمسلمة وطفلتها متنقباتٍ وبجانبهن أكياسُ مهملات. فقد نُشرت الصورةُ على صفحة سياسي من شمال لندن مع تعليق مشبِّهاً أكياسَ المهملاتِ بأنهم أيضا كأطفال للمسلمة المنقبة. ودارَ النقاشُ على صفحات (التواصلِ الاجتماعي) وفي الراديو حول إن كانت الصورةُ مضحكةً أم لا وهل يعاقبُ السياسيُّ لأجل أمرٍ صغير كهذا.


التعليق:


كم سقيمٌ أنت يا غربُ وكم حقودةٌ هي ملة الكفر على الإسلام. أعراضُ المسلمين أصبحت تسليةَ الكفار؛ يضحكون عليها متى شاؤوا ويعتدون عليها دون محاسبٍ لهم ولا رادع. حتى أصبح ذلُّ المسلمين يصلُ لدرجةِ أن بعضَهم يتنصَّلُ من لباسِ المرأةِ المسلمة المحتشم إرضاءً لعبدة المال وأصحابِ الرذيلة. حريتُهم هي استعبادُ الناسِ ولكن على طريقةٍ جديدةٍ يقرِّرُها أصحابُ رؤوس الأموال. قد قرروا أن نساءَهم سلعةٌ تباعُ وتشترى لمتع سقيمةٍ أدت إلى انحلالِ مجتمعاتهم. قد ظنوا أنهم خدَّروا شعوبَهم ولكنَّ إحصاءاتِهم تصدُمُهم يوما بعد يوم ومنها أن النساءَ في الغرب هم أكثرُ من يدخل الإسلام لما يروه من رفْعٍ لقيمة المرأة في الإسلام.


يستهزؤون بلباس المسلمات ويجعلون القضيةَ أنها كما يقولون للتسلية والفكاهة فقط. يستهزئ مشرِّعُوا قوانينِهم بأحكام الإسلام ويعتبرون ذلك قضيةً صغيرةً لا تستحق الوقف عن العمل. يخالفون قوانينَهم الموضوعةَ، كحريةِ الرأي مضمونةٌ طالما ليس هناك تعديا على الغير، يخالفونها طالما الأمرُ يتعلق بالمسلمين. لأن المسلمين بنظرهم ليس لهم من يحميهم، بل حتى إن الغربَ يعطيهم حريةً أكثر من حكامهم، فإن كان المسلمون لا تعجبُهم طريقةَ الغربِ في العيش فليعودوا لأوطانهم علهم يتعلمون الدرسَ من حكامهم.


أمةُ محمدٍ أمةٌ عزيزةٌ قويةٌ بدينها، يأبى رجالُها أن تدنو عن مكانتها التي كانت عليها مئاتَ السنين. فيا حماةَ الدين؛ مَنْ للمستضعفين غيرَكم، أتراكم رضيتُم النظرَ وعِرضكم يُهتكُ أمامَكم، أتراكم رضيتم السكوتَ وأطفالُكم تُذبحُ أمامكم، أتراكم رضيتم القعودَ ودينُكم يُنتقصُ من قبل أرذل الأمم... أهان عليكم نبيُّكم يشتِمُه الكفارُ ولا إمام يُرعِد أطرافَهم لفعلتهم هذه، أتتركون العزَّ وترضَون أن تُذلوا في أرضكم وخارجِها، أتسمحون أن تُؤسر مقدساتُكم وأنتم في بيوتكم هانؤون... لا والله لا يرضى المسلمُ ذلك وهو من أمة أعزَّها اللهُ بالإسلام، لا يرضى وهو من الأعزةِ على الكافرين، لا يرضى وهو من خير أمةٍ أُخرجت للناس...


﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الرحمن الأيوبي

إقرأ المزيد...

خبر وتعليق النظام السعودي ورقصة المذبوح

  • نشر في التعليق
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 957 مرات


الخبر:


شدد الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم في تعميم عاجل على جميع منسوبي الوزارة بضرورة التقيد بما صدر من وزارة الداخلية مؤخرا من تحذير من الجماعات الإرهابية والعقوبات المبلغة نحو من ينتمي إليها أو أيدها أو تبنى فكرها منهجيا أو أفصح بالتعاطف معها أو دعمها وذلك كما ورد بالأمر الملكي الكريم. (الرياض - 2014/3/12).

 

التعليق:


ما أن صدر البيان الملكي المتعلق بالانتماء للجماعات الإسلامية أو تأييدها أو حمل أفكارها وتجريم ذلك واعتباره تهمة "إرهابية" يعاقب عليها القانون، حتى سارع النظام بكل أجهزته لجعل هذا القرار واقعا نافذا على الأرض:


فقد أصدرت وزارة الداخلية بيانها التفصيلي الذي سمّى الأعمال والجماعات المحظورة وخلص إلى أن "ذلك يشمل كل تنظيم مشابه لهذه التنظيمات، فكراً، أو قولاً، أو فعلاً، وكافة الجماعات والتيارات الواردة بقوائم مجلس الأمن والهيئات الدولية وعُرفت بالإرهاب وممارسة العنف"، ولم تكتف بذلك بل طلبت من وزارتي التربية والتعليم العالي "بالإبلاغ فوراً عن كل من يثبت انتماؤه لإحدى الجماعات المتطرفة أو إيمانه بالأفكار المتطرفة أو الترويج لأفكارها"، بحسب صحيفة الوطن..


وأما وزارة الخارجية فسارعت عن طريق سعود الفيصل بزف البشرى لوزراء خارجية الدول العربية الأخرى وأسيادهم من خلفهم متفاخرا أن بلاده "عبرت عن ذلك بالفعل لا بالقول فقط من خلال إصدارها للقوانين والتشريعات المجرمة للإرهاب والتنظيمات التي تقف خلفه"..


وأما مجلس الوزراء فقد شدد في جلسته الأخيرة "على أهمية الفهم الصحيح لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي ينبذ الفرقة والتطرف وتسييس الإسلام لأغراض حزبية، وبارك في هذا الشأن البيان الصادر عن وزارة الداخلية المتوج بالموافقة السامية الذي أوضح المحظورات الأمنية والفكرية على المواطن والمقيم"
ثم باشرت الأجهزة القضائية والأمنية بما يقتضيه ذلك من سجن وتغريم وتسفير..


وأما الإعلام فتلقف الخبر بفرح عارم، فهو الذي استلم قيادة الحرب على الجماعات الإسلامية وأفكارها منذ بدء الثورات العربية، وهو الذي شن الهجوم على كل من يدعو لوحدة المسلمين وعزتهم، وعلى تاريخ مجدهم وحضارتهم، وها هو رأس نظامهم يتوج جهودهم بتشريع ما كانوا يدندون حوله منذ سنين..


وأما شيوخ النظام فتبرعوا بدور شركة التسويق المروجة لهذه القرارات الباغية، فقد "حذر المفتي من التعاطف مع المنتمين للجماعات التي جرّمت "الداخلية" الانتماء لها، وأوضح سماحته أنه لا يجوز الدعاء لها كذلك" بحسب ما جاء في جريدة الرياض، وأوردت الصحيفة عن الحذيفي إمام وخطيب المسجد النبوي "إن بيان وزارة الداخلية المبين لمضمون الأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز, فيه تأكيد على الثوابت التي قام بتوحيد البلاد عليها المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن - رحمه الله - وحمايتها"، كما أكد السديس بحسب الصحيفة نفسها أن "بيان الداخلية بلسم للجراح وصمام أمان وطوق نجاة"، هذا وعقدت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ندوة بعنوان "الحكمة في تجديد الخطاب الدعوي: الضوابط، المجالات، الآثار" أشاد المشاركون فيها بما وصفوه بأنه "بالأمر الملكي الكريم بشأن تجريم المشاركة في الأعمال الضالة خارج المملكة، أو الانتماء إلى التيارات أو الجماعات المتطرفة، وببيان وزارة الداخلية الذي جاء مرتكزًا على الأمر الملكي ومطبقًا لمضامينه ودلالاته" واختتمت الندوة بتوصية تسند القرارات الحكومية وتعطيها الصبغة الشرعية، وتجرم كل من يخالفها ممن أسمتهم المتعالمين، حيث "دعوا إلى إنشاء مركز علمي يهتم بالدعوة ويتولى خدمة الدراسات الدعوية لسد الباب أمام المتعالمين الذين يقتحمون مجال الدعوة اليوم" أي لسد الباب على كل من ينكر على الظالم ظلمه، وجعله فقط مفتوحا لمن رضي بهذا النظام وشريعته عن دين الله بديلا..


وأخيرا جاءت وزارة التربية والتعليم لتكمل السلسلة وتصدر التعميم المذكور..


إن هذا النظام بكافة أجهزته كالمذبوح الذي ينتفض يمنة ويسرة أملا في العودة إلى الحياة، ولكن أنّى له ذلك وقد ذُبح.. فالنظام السعودي يعاني الأمرين في الداخل والخارج، فلا رعايته لشؤون شعبه قد أرضتهم، ولا سياسته الخارجية قد وافقتهم ولا وقوفه مع الغرب وعلمانيته في وجه الإسلام وأفكاره راقت لهم.. بل إن هذا النظام يعاني من خلافات العائلة الحاكمة نفسها وصراعاتها وليس فقط من أبناء شعبه، فهو يعلم أنه إن لم يسقط بأيدي المخلصين من أبناء شعبه الذين لن يطيقوا صبرا طويلا على ما يفعل، فإنه سيسقط بأيدي أبناء عائلته أو الوصوليين من أذناب الغرب العلمانيين والليبراليين الذين مكنهم بيده من منابر الإعلام ومفاصل الدولة، وفوق كل ذلك فبشائر نور الخلافة تطارده في أحلامه ويقظته ولهذا يحارب كل من يفكر بالسعي لها أو تأييدها، وكيف له ذلك وهي وعد الله وبشرى رسوله..


إننا نهيب بالمخلصين في هذا البلد أن يكونوا هم السباقين لتلبية نداء الإسلام، وتحقيق وعد الله وبشرى رسوله، بقطع يد الغرب التي تقف وراء هذا النظام وقوانينه ووراء المتصارعين على السلطة فيه، وأن يستبدلوا بكل ذلك خلافة ترضي الله سبحانه وتحرر المسلمين جميعا بل والبشرية جمعاء من هذه الأنظمة البوليسية..


﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد بن إبراهيم - بلاد الحرمين الشريفين

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع