- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
رفع سن التقاعد بالنسبة لأجراء القطاع الخاص في المغرب
تحميلٌ للناس تبعات أخطاء الحكام
الخبر:
يروج هذه الأيام حديث عن تفكير الحكومة المغربية في رفع سن التقاعد بالنسبة لأجراء القطاع الخاص الخاضعين لنظام CNSS إلى 63 سنة. وتبرر الحكومة ذلك بالانخفاض المستمر لنسبة عدد العاملين النشطين مقابل المتقاعدين حيث انخفضت هذه النسبة من 5.2 عام 2010 إلى 3.1 عام 2025، ومن المتوقع أن تواصل النزول إلى أن تصل إلى 2.2 في سنة 2035، ما يجعل نظام التقاعد غير قادر على تحمل أداء المعاشات خصوصا مع ارتفاع معدل السن عند الوفاة من 75 في سنة 2010 إلى 81 عاما سنة ٢٠٤٠.
التعليق:
الذي لا تجيب عنه هذه التقارير، فضلا عن اقتراح حلول له، هو لماذا انخفضت نسبة العمال النشطين مقابل المتقاعدين؟
والجواب كما هو معروف راجع إلى أمور ثلاثة:
1- الانخفاض الهائل للمواليد وارتفاع نسبة كبار السن في المجتمع
2- تهرب الناس من الانخراط في نظام CNSS بعد أن أثقلت الضرائب كاهلهم
3- تسميم العلاقة بين المشغل والأجير، وجعل الأجير في رقبة المشغل بمجرد ترسيم العقد
أما انخفاض المواليد فسببه معروف وهو انخفاض نسب الزواج وارتفاع نسب الطلاق وانخفاض نسبة الخصوبة. فقد ارتفع سن الزواج الأول للرجال من 24 سنة، عام 1960، إلى 32.6 سنة، عام 2024 (8.6 سنة)، بينما ارتفع سن الزواج الأول للنساء من 17.5 سنة، عام 1960، إلى 23.5 سنة، عام 2024 (6 سنوات). كما ارتفعت نسب الطلاق خصوصا بعد اعتماد مدونة الأسرة الجديدة من حوالي 54 ألفاً سنويا إلى 92 ألفاً سنة 2024، وقد أدى كل هذا إلى انخفاض نسبة الخصوبة من 7 أطفال للمرأة في الستينات إلى 1.97 سنة 2024!
والسؤال لماذا انخفض الزواج والمواليد؟
والجواب مرة أخرى معروف إلا لمن أراد أن يحجب الشمس بغربال! وهو انتشار الفساد الأخلاقي حيث لم تعد هناك حاجة للزواج لإشباع الغريزة، وارتفاع كلفة المعيشة وارتفاع كلفة تربية الأبناء خصوصا مع خصخصة التعليم والصحة، ثم تسميم العلاقات بين الرجال والنساء مع انتشار أفكار الفردانية والنسوية المقيتة.
وهذه الأسباب كلها من فعل الدولة وليست قضاء وقدرا. فسياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية ومسايرتها للغرب والتنصل من أحكام الشرع والترويج المستمر لأفكار النسوية عن طريق المسلسلات والأفلام والإعلام وما يعرف بالمؤثرين على مواقع التواصل هي السبب المباشر، ولا ينكر ذلك إلا مكابر.
وأما تهرب الناس من دفع الضرائب فمعروف كذلك، ولولا عصا النظام الغليظة التي يشهرها في وجوه المتهربين ما دفع أحد درهماً واحدا للدولة، فقد أصبح من المسلّم به لدى عموم الناس أن أجهزة الدولة ورموزها فاسدة مبذرة، وأن الناس لا ينالون من الخدمات ما يبرر ما يدفعون من الضرائب، لذلك تجدهم يبدعون في أساليب التهرب من الضرائب ولا يبلغون عن معاملاتهم التجارية إلا إذا اضطروا لذلك ولم يجدوا عن ذلك مهربا، وهم يفعلون ذلك دون أن يرف لهم جفن، بل لعلهم يعدون دافع الضرائب جاهلا أو مغفلا.
وأما تسميم العلاقات بين أرباب العمل وبين الأجراء فكذلك معروف، فعندما تخلت الدولة عن واجبها في رعاية الناس، ألزمت بذلك المشغلين، فأصبح على المشغل دفع أقساط التأمين الصحي والتقاعد عن أجرائه بالإضافة طبعا إلى أجرة الأجير وضريبة الدخل، وهو ما يرفع كلفة الأجير بما لا يقل عن 35% وهي نسبة عالية ترفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير. وإذا اختلف رب العمل مع الأجير لأي سبب من الأسباب وارتأى فسخ العقد وجب عليه دفع تعويضات مرتفعة لأجرائه، في كثير من الأحيان قد تكون السبب في دفعه إلى الإفلاس. وهذا ما جعل المشغلين يترددون كثيرا قبل اتخاذ القرار بتشغيل أحدهم.
هذه هي أسباب انخفاض عدد العاملين النشطين، وهي كما قلت معروفة لكل من أوتي عقلا سليما. فالمشكلة ليست في عجزنا عن التشخيص الصحيح ولكن في تعامينا عن ذلك رغم وضوحه.
والخلاصة هي أن الدولة تترك شرع ربنا سبحانه وهو الحل المثالي، ثم تسلك دروب الفساد والفشل! وحين تسد السبل في وجهها ويتبين لها عواقب أفعالها، لا تعترف بخطئها وتعود عن غيها وإنما تستمر في الدرب نفسه وتحمّل الناس تبعات خطاياها!
إن أمر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أوله، وواهمٌ من يظن أن مسايرة الغرب يمكن أن تأتي بخير، وأعمى من لا يرى كيف يتخبط الغرب نفسه في مشاكل الديموغرافيا ومشاكل التشغيل واليد العاملة وما سينتج عن هذا على كل الصعد، فأنى ينقذ الغريقُ غريقاً؟!
إن أفكار الإسلام واضحة؛ مقنعة للعقل وموافقة للفطرة، وهي معروفة وليست سرية، وقد تم تطبيقها سابقا وآتت ثمارا لم تعرف لها البشرية مثيلا. وإن كانت الأمة قد انفصلت عن تاريخها اليوم ولم تعد تعرف كيف تكيّف تلك الأفكار مع واقعها اليوم، فقد يسر الله لهذه الأمة من يرفع الأتربة عن تلك الأفكار ويصوغها بشكل واضح سلس ويضعها بين يدي الأمة كي تتبين طريق الخلاص، فما على الأمة إلا أن تنكبّ على دراستها، فإن تبين لها صحتها وجب عليها رفع الصوت بوجوب تطبيقها وحمل الحكام على ذلك طوعا أو كرها.
﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله



