- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
فرنسا في مواجهة أزمتها: حين يُوجَّه الغضب نحو المسلمين بدل مساءلة النظام!
الخبر:
بالتزامن مع موجة الاحتجاجات الشعبية وأعمال الشغب والنهب التي اجتاحت مدناً فرنسية عدة، انتشر على منصات التواصل الإلكتروني مقطع فيديو زُعم أنه يوثق لحظة إحراق سيدة مسلمة للعلم الفرنسي خلال الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في مدن عدة.
واستُغل المقطع على منصة إكس للهجوم على المسلمين والمهاجرين، وحصد مئات الآلاف من المشاهدات، إذ نُشر مرفقاً بعبارة "رفعوا علم فلسطين، ثم أحرقوا أعلام بلادهم، هذا هو كل شيء". (الجزيرة نت)
التعليق:
ليست المظاهرات وأعمال العنف التي تشهدها فرنسا، ولا تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين والمسلمين، سوى مظاهر لأزمة أعمق تضرب المجتمع في فرنسا. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يتظاهر الناس؟ أو من يقف وراء أعمال الشغب؟ بل السؤال الأهم: ما الذي أوصلهم إلى هذه الحالة من الاحتقان والغضب وفقدان الثقة في النظام؟
إن اختزال أزمة فرنسا في المظاهرات والعنف، أو ربطها بالمسلمين والمهاجرين، قد يصرف الأنظار عن جذور المشكلة الحقيقية؛ من اتساع الفوارق المجتمعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات السكن والعمل، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية. وهنا ينبغي أن تتجه الأنظار إلى النظام الرأسمالي وآلياته، وإلى السياسات التي تجعل مصالح المال والأسواق مقدمة على حاجات الإنسان وكرامته.
وفي خضم هذه الأزمات، يبرز خطر تحويل المسلمين إلى كبش فداء، وتصويرهم وكأنهم المسؤولون عن اضطراب المجتمع في فرنسا ومشكلاته. فبدل أن ينشغل الرأي العام بمحاسبة النظام، ومناقشة أسباب التهميش والبطالة والتفاوت الطبقي، قد يجد نفسه غارقاً في جدل الهوية والهجرة والدين، وكأن تغيير هوية المتهم سيحل المشكلات المتراكمة!
ولا يعني ذلك إنكار وجود مشكلات حقيقية تتعلق بالأمن، ولا تبرير الاعتداء على الممتلكات والأشخاص؛ فهذه قضايا تستحق المعالجة العادلة، لكن العدل يقتضي ألا يُحمَّل المسلمون مسؤولية ما يجري.
وفي المقابل، تستثمر بعض التيارات اليمينية المخاوف المجتمعية والثقافية لتوسيع خطابها المعادي للهجرة والإسلام، مقدمةً نفسها باعتبارها صاحبة الحل. لكن معالجة الأزمات الاقتصادية والطبقية لا تتحقق بمجرد تشديد الخطاب ضد المسلمين أو تحميل المهاجرين مسؤولية المشكلات؛ بل تحتاج إلى سياسات واضحة تعالج أسباب التفاوت والتهميش، وتحفظ حقوق الناس، وتضمن الأمن والعدالة للجميع.
إن أزمة فرنسا تطرح سؤالاً يتجاوز المظاهرات وأعمال العنف: هل تستطيع الدولة معالجة الأسباب التي تُضعف تماسك المجتمع، أم سيظل النقاش يدور حول الخصومات الثقافية والاتهامات المتبادلة؟ إن تغيير العناوين لا يعالج جذور المشكلات، وصناعة عدو داخلي لا تغني عن الإصلاح الحقيقي.
إن العبرة ليست فقط بمن يخرج إلى الشوارع، بل بما يدفعه إلى الخروج؛ وليست المشكلة في الأصوات الغاضبة وحدها، بل في السياسات والاختلالات في النظام نفسه. ومن أراد فهم ما يجري في فرنسا، فعليه أن ينظر إلى ما وراء المشهد، وأن يميز بين الأسباب والنتائج، وبين معالجة الأزمة واستغلالها سياسياً، وألا يسمح بأن تتحول معاناة الناس إلى وسيلة لتأجيج العداوة الدينية أو التهرب من مناقشة جذور الأزمة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد العظيم الهشلمون



