الأحد، 17 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

العلاقة الزوجية مودة ورحمة ومعاشرة بالمعروف

 

 

جعل الله تعالى الزواج من آياته العظيمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فالعلاقة بين الرجل وزوجته ليست علاقة صراع أو استعلاء، وإنما هي سكنٌ ومودةٌ ورحمة، تقوم على أداء الحقوق، وتحمل المسؤوليات، وحسن الصحبة، والتعاون على طاعة الله تعالى. وقد بيّن الشرع أن الزواج نعمة مشتركة بين الزوجين، وأن حفظ هذه النعمة يكون بحفظ الميثاق الزوجي من الظلم والعدوان وسوء المعاشرة.

 

مسؤولية الرجل تجاه زوجته: حمّل الله الرجل مسؤولية رعاية أسرته، وجعل عليه من الواجبات ما يتصل بالنفقة والإسكان والكسوة والحماية وسائر شؤون الحياة، غير أن هذه المسؤولية ليست إذناً له بالتسلط أو الإهانة أو الظلم، بل هي تكليف ورعاية ومحاسبة. فالدرجة التي جعلها الله للرجل ليست سلطة مفتوحة للعدوان، وإنما هي مسؤولية أكبر وتبعة أعظم؛ ولذلك قرن الله قيام الرجل على الأسرة بالإنفاق والرعاية وحسن المعاشرة.

 

ومن مقتضى هذه الرعاية أن يبادر الزوج إلى حسن الصحبة، وأن يعامل زوجته بالمعروف، وأن يصبر على ما يكره منها، وألا يجعل كل اختلاف سبباً للخصومة أو الهجر أو الطلاق. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾. فربما كره الرجل من زوجته خُلُقاً أو عادة، لكنه يجد عندها خصالاً أخرى يحبها ويرضاها، ولذلك لا ينبغي أن يحمله عيبٌ واحد على بغضها كلها أو إساءة معاملتها.

 

الظلم أوسع من ظلم النفقة: ليس ظلم الزوجة مقصوراً على منع النفقة أو التقصير في الطعام والكسوة والسكن، مع أن هذه حقوق واجبة لا يجوز التفريط فيها. فالظلم قد يكون كذلك في المشاعر والعواطف، وفي الإهمال المتعمد، والجفاء، والإهانة، والتحقير، وإشعار الزوجة بأنها بلا قيمة أو أنها عبء لا يُرغب فيه.

 

وقد يكون الرجل قائماً بالنفقة، لكنه يظلم زوجته بحرمانها من الكلمة الطيبة، أو بإيذائها المتكرر، أو بإشعارها بالنبذ، أو باستعمال حاجتها إليه وسيلة للضغط عليها. والمعاشرة بالمعروف لا تتحقق بمجرد أداء الواجبات المادية، بل تشمل طريقة الأداء، ولين القول، وطيب النفس، وإدخال السرور، ومراعاة المشاعر. فالشرع يقرر أن المعروف هو أداء الواجب على الوجه الحسن، لا القيام به بطريقة تحمل الإهانة والمنّ والأذى.

 

ومن الظلم أيضاً أن يتعمد الزوج هجر زوجته عاطفياً، أو يعاقبها بالصمت الطويل، أو يمنع عنها الحنان والقرب والمودة بسبب خلاف عابر أو اختلاف في الطباع. فإن كان هجر المسلم لأخيه المسلم لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، فكيف بهجر المسلم زوجته في أمر من أمور الطباع التي لا تندرج تحت أمور النشوز! فالزواج كما وصفه الشرع مخالطة للأجساد، وممازجة للأحاسيس، ومشاركة في الفكر، ومؤانسة للروح؛ ولذلك فإن الإضرار بالجانب العاطفي من الحياة الزوجية قد يهدم السكينة التي جعلها الله مقصداً من مقاصد الزواج.

 

الترفع عن صغائر الأمور: الحياة الزوجية لا تستقيم إذا جعل الزوجان كل عادة صغيرة أو اختلاف في الرأي معركةً تستوجب العقوبة. فالناس متفاوتون في طباعهم، وميولهم، وطرائق تعبيرهم، ونظرتهم إلى شؤون المنزل والحياة. وما دام الأمر لا يتضمن مخالفة لحكم شرعي أو اعتداءً على حق ثابت، فإن اختلاف الطباع لا يبرر الظلم ولا الإهانة ولا التعنيف.

 

وقد أرشد الإسلام إلى أن المؤمن لا يبغض زوجته بسبب خُلُق لا يعجبه، بل ينظر إلى مجموع صفاتها، فيغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب. وهذا من أعظم أبواب الرحمة الزوجية؛ إذ لا يوجد إنسان كامل، ولا تخلو عشرة من أمر يحتاج إلى صبر واحتمال.

 

وعلى الزوجين أن يترفعا عن صغائر الأمور، وألا يسمحا للشيطان بأن يحول الاختلاف العادي إلى خصومة مستمرة. فكثير من أسباب النزاع لا تعدو أن تكون اختلافاً في العادات، أو في ترتيب شؤون البيت، أو في أسلوب الكلام، أو في مقدار الخروج والزيارة، أو في تفضيل بعض الأمور على بعض. وهذه كلها تعالج بالحوار الهادئ، والطلب الرقيق، والتنازل المتبادل، لا بالتهديد والعقوبة والإيذاء.

 

والنشوز ليس كل مخالفة لرغبة الزوج، وليس كل اختلاف في الرأي أو الطباع أو العادات المجتمعية. وإنما يتعلق النشوز بمخالفة الأحكام الشرعية والحقوق الزوجية الثابتة، ولا يجوز أن يجعل الزوج من أعرافه الشخصية أو تقاليد أسرته أو ذوقه الخاص أحكاماً ملزمة لزوجته ثم يعاقبها على مخالفتها.

 

فالنشوز الذي يعالج ليس مجرد كون الزوجة مختلفة الطباع، أو غير مطابقة لما اعتاده الرجل في بيته، أو غير مستجيبة لكل رغبة شخصية له. أما تحويل العادات والتقاليد والأذواق إلى أحكام شرعية، ثم استعمالها وسيلة لإخضاع الزوجة وإذلالها، فهو من الظلم الذي لا يجوز.

 

لا عقوبة لمجرد الاختلاف: الأصل في العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة وحسن المعاشرة، وليس العقوبة. ولذلك لا يجوز للرجل أن يعاقب زوجته لأنها ناقشته، أو خالفته في رأي، أو لم توافق عادته، أو قصّرت في أمر غير واجب شرعاً، أو كان لها طبع يختلف عن طبعه.

 

وقد بين الشرع أن الوعظ والهجر وما يتصل بعلاج النشوز إنما يكون عند قيام سبب شرعي معتبر، لا عند الغضب الشخصي أو الجرح العاطفي أو الشعور بالاستعلاء. وحتى عند وجود النشوز، فالغاية هي الإصلاح والرجوع إلى الحق، وليست التشفي أو الانتقام أو إلحاق الأذى. كما أن معالجة الخلاف ينبغي أن تبدأ بالتذكير بالله والحوار والإصلاح، وألا ينتقل الزوج إلى مرحلة أخرى إلا عند الحاجة، مع التزام حدود الشرع وانتفاء الظلم.

 

ومن الخطأ أن يستعمل الزوج حق القوامة لإسكات زوجته في كل أمر، أو لمنعها من التعبير عن مشاعرها، أو لفرض رأيه في المسائل الدنيوية. فالقوامة رعاية ومسؤولية، وليست إلغاءً لشخصية الزوجة ولا مصادرةً لعقلها أو مشاعرها. والزوجة شريكة في بناء البيت، لها حق الكرامة والاحترام وحسن الاستماع.

 

الصبر والإصلاح: حثّ الإسلام على الصبر على ما يكره أحد الزوجين من الآخر، لأن الصبر قد يكون سبباً في بقاء الأسرة واستمرار الخير فيها. وليس معنى الصبر أن يسكت المظلوم عن الظلم المحقق أو يرضى بالعدوان، وإنما معناه ألا يجعل الإنسان كل نقص أو مكروه سبباً للهدم، وأن يسعى إلى الإصلاح ما دام الإصلاح ممكناً.

 

وعند اشتداد الخلاف، ينبغي أن يتذكر الزوجان أن الطلاق مخرج أخير، لا وسيلة تهديد يومية. فقبل الوصول إليه تكون المعالجة بالنصيحة، والحوار، والصلح، والاستعانة بأهل الحكمة، ومحاولة معرفة أسباب الجفاء والنشوز. وقد جعل الله الإصلاح بين الزوجين طريقاً مقدماً على الهدم، لأن المقصود من الزواج السكينة وحفظ الأسرة وصيانة الأولاد.

 

وأخيرا، العلاقة بين الرجل وزوجته ميثاق يقوم على المودة والرحمة، وعلى أن يؤدي كل واحد منهما حق الآخر بالمعروف. والرجل مسؤول عن زوجته، وهذه المسؤولية تقتضي النفقة والحماية والرعاية، كما تقتضي الرفق والاحترام وحفظ مشاعرها، فلا يجوز أن يظلمها في مالها أو بدنها أو كرامتها أو عاطفتها.

 

ولا يجوز للزوج أن يعاقب زوجته لمجرد اختلاف الطباع أو العادات أو التقاليد أو الآراء، وإنما تكون المعالجة عند وجود نشوز حقيقي يتعلق بمخالفة حكم شرعي أو حق ثابت، وبالقدر الذي يحقق الإصلاح ويمنع الظلم. أما صغائر الأمور، فالعفو عنها، والتغاضي عنها، وقبول اختلاف الطباع، والتسابق إلى المعروف، فهي من أسباب دوام المحبة والرحمة وبقاء البيت آمناً من أسباب التفكك والهدم.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع