- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أفكار ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب!
فكرة "الإعجاز العلمي في القرآن" نموذجاً
لم يع هذا الجيل ومن سبقه من آبائه وأجداده إلا آحادا معدودين، على أكبر فاجعة فكرية وثقافية حلت به فحطمت عقله وشوهت ذوقه الثقافي، وأقسى منه أن هذه الطامة رافقها إفراغ ممنهج متعمد قاسٍ لعقول هذه الأجيال الثلاثة من كل أصول الثقافة الإسلامية ومعارفها، حيث تلقت أفجع صدمة تدهور حضاري وثقافي حلت بأمة الإسلام، ونشأت هذه الأجيال الثلاثة في دوامة الاستعمار والاغتراب الحضاري والغزو الثقافي غير المسبوقين في تاريخ هذه الأمة.
فهذه الأجيال نشأت في ديار تَحَكَّمَ الكافر المستعمر في كل مفاصل الحياة فيها؛ سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية، ومع هذه الحياة الاستعمارية العلمانية الغربية الكافرة تم تفريغ هذه الأجيال الثلاثة تفريغا يكاد يكون كاملا من ماضيها الإسلامي فكرا وثقافة وتاريخا.
ومع هذا الإفراغ السام المهلك، تم أيضا هتك العلائق بينها وبين ثقافتها الإسلامية وماضيها، وإن تركت بعض الشظايا الثقافية والتاريخية فمجرد مزق متفرقة مبعثرة تكاد تكون خالية عند هذه الأجيال الثلاثة من المعنى والدلالة الحضارية والثقافية، فهي مجرد معلومات عابرة.
ولأنه غير ممكن أن يظل الفراغ فارغا أبدا، فقد تكفلت مدرسة الاستعمار عبر ثقافة المستعمر الغربي الكافر علمانيته الغارقة في صليبيتها الحاقدة على الإسلام، من ملء هذا الفراغ في عقول هذه الأجيال الثلاثة، فأنشأت أجيالا مشوهة ثقافيا ومهزومة فكريا، تحمل جرثومة الفكر العلماني الغربي وفيروسات ثقافته العلمانية، وصارت بها تعقل وتفهم وتقيس وتحكم.
والمصيبة التي تذهب بالعقول أن هذه الأجيال في غفلة تامة مفجعة عن مسخها الثقافي وعطبها الفكري، بل حتى ومع صحوتها الإسلامية اليوم لم تتطهر بعد من خبائث العلمانية التي نسفت فكرها واستنزفت جهودها في النهضة والخلاص، فهذه الأجيال ما زالت ترى إسلامها وتقرأ ثقافتها عبر النظارة الثقافية العلمانية الغربية وبحسب قواعد وقوالب العلمانية الغربية، ما يجعلها تدور في حلقة مفرغة حول رحى العلمانية الغربية المهلكة، فترى الحركات التي انبثقت من رحم هذه الأجيال الثلاثة المشوهة ثقافيا، كل مشاريع تغييرها لواقعها العلماني المفجع، هي عند التحقيق إعادة تدوير للمشروع العلماني الغربي المعمول به لأزيد من قرن من السنوات العجاف مع تطعيمه ببعض الأخلاقيات الفردية.
وهذا المسخ الثقافي السام المركز المحجوب عن عقول هذه الأجيال الثلاثة، هو الحصاد المر لمدرسة الاستعمار ومناهج تعليمها الفتاكة، التي أنشأها الغرب الكافر على بصيرة علمانية صليبية نافذة يبغي بها تنشئة أجيال فارغة من الإسلام بل معادية له مستلبة ومستعبدة ثقافيا للغرب وكفر علمانيته وحقد صليبيته، حتى وإن فشل في تحويل هذه الأجيال لكفرة خالصين له فقد أثخن في تشويههم فكريا وثقافيا عبر كفر علمانيته.
وهذا التشوه وَلَّد معضلة فكرية مدمرة للعقليات المشوهة، وهي في قراءة الإسلام بعيون الفلسفة العلمانية الغربية وأدواتها المعرفية، فصار تثقُّفُها بالإسلام يتم بناء على قواعد ومقاييس الفلسفة والفكر العلماني الغربي المناقضة للإسلام، علما أن القواعد والمقاييس الفلسفية هي معايير حاكمة ناظمة لعقلية المتلقي ناسجة لطريقة عقله وإدراكه للأمور.
وهو ما أنتج عقليات أنسجة أمخاخها صاغتها علمانية الغرب، فباتت تعقل وتفهم بحسب قواعد العقل العلماني المادي ومفاهيم ثقافته العلمانية، وهذه العقليات فرضت عليها هذه العلمانية قسرا، ولقصورها المعرفي بالإسلام وهشاشة ثقافتها الإسلامية لتجفيف الغرب العلماني الصليبي لمنابع الثقافة الإسلامية في بلاد المسلمين التي استعمرها وأقام فيها دولا وطنية على أساس فلسفته العلمانية وبناء على وجهة نظره وأنظمة حياته العلمانية، فهذه العقليات تعلمنت قسرا وليس جحودا بإسلامها العظيم.
وخفاء هذا القسر والإكراه العلماني يجعل هذه العقليات المعلمنة لا تعي حقيقة تشوهها العلماني ومناقضتها للإسلام تفكيرا وفهما، وهي لعمرك شديد النكاية.
ونتج عن هذا التشوه الثقافي توليد لمفاهيم ثقافية مشوهة بذرتها الثقافية وجذرها المعرفي علماني وقشرتها الاصطلاحية مفرداتها إسلامية، طالت المفاهيم العقائدية وأنظمة الحياة. ومن تلك المفاهيم المشوهة التي تطرق باب العقيدة الإسلامية وما يتعلق بمعجزة القرآن الكريم تحديدا، وهو ما اصطلحوا عليه "الإعجاز العلمي في القرآن"، وهي فكرة ظاهرها رحمة الإسلام وباطنها عذاب العلمانية.
ليس إعجازا علميا بل علمنة لحقيقة إعجاز بيان القرآن، وتحويله لمادة خاضعة للتجربة والاختبار، وجعل نظريات العلوم المادية البشرية وقواعد العلمانية الغربية المادية مسلطة على القرآن وحكما في قضاياه، فما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن هي فكرة حديثة طفت على السطح في النصف الثاني من القرن العشرين، وكانت نتيجة منطقية لعقليات تشكلت بالمناهج الثقافية والقواعد الفكرية لمدرسة الدولة الوطنية التي أقامها الاستعمار على أساس علماني خالص (فصل الدين عن الحياة)، بمعنى فصل الإسلام عن قضايا الفكر والثقافة وأنظمة الحياة.
فالعقل العلماني هو عقل مادي في تكوينه، فصَل وأقصى كل ما وراء المادة وجعل من المادة مجال فكره وفلسفته وثقافته ومصدر معارفه، فالعقل العلماني المادي يقصي كل تفسير متجاوز للمادة، وقد وجد في العلم المادي وعلوم المادة ضالته العلمانية، فاعتمد على العلم المادي في تفسير كل القضايا والظواهر.
ولقد اكتوى به خلق عظيم من أبناء الإسلام الذين تلقوا تعليمهم عبر المناهج العلمانية لمدرسة الاستعمار الوطنية، وبات المقياس والمعيار المادي والعلم المادي معيارهم للتعيير الثقافي بل وتعيير حقائق الإسلام العظيم ومفاهيم ثقافته الإسلامية.
حتى كان ذلك الإسقاط الخاطئ الفاسد على معجزة الوحي، فأسقطوا ذلك المعيار المادي على إعجاز القرآن وجعلوا العلم المادي ونظريات علوم المادة فيصلا وحكما في معجزة الوحي وإعجاز كلام الله.
علما أن بيان القرآن اللغوي (فصاحته وبلاغته) هو دليل وحيه وإعجازه، وهذا البيان متجاوز للمادة، فهذا البيان مع استحالة بشريته يحيل إلى الله سبحانه من كون البيان وحيه والقرآن كلامه سبحانه، وهذا يصطدم مع العلمانية وغايتها المادية في فصل الإسلام عن تفكيرنا وحياتنا.
ومن غرائب هذه العقليات التي اكتوت بنار العلمانية ومنهجها المادي في التفكير والفهم، هو شللها الفكري في استيعاب أن ما سمي "إعجازا علميا" هو ناقض وناسف لإعجاز الوحي. فمع ذلك "الإعجاز العلمي" الموهوم الزائف، تصبح النظريات البشرية لعلوم المادة من فيزياء وكيمياء وعلوم الأحياء... حاكمة على كلام الله ووحيه، فعن أي إعجاز يتحدث القوم؟! فما توهموه إعجازاً هو عين ما نظَّره وقال به عالم المادة.
ثم المنطقي بهكذا عقليات وطريقة تفكير أن تنتهي ضمنا إلى النتيجة المنطقية من أن العلم المادي هو المرجع الأعلى والحقيقة الكبرى، وتكون العلمانية حينها قد حققت غايتها الكبرى في إزاحة الوحي من دائرة المرجعية العليا وملء الدائرة بالعلم المادي بديلا ومرجعا أعلى.
ولقد تطور هذا المنحى العلماني المادي في تفسير إعجاز القرآن اطرادا مع تطور العلوم المادية وظهور علم الكمبيوتر (الحاسوب) وما ارتبط به من علوم، كعلم الخوارزميات والبرمجة وهياكل البيانات والذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات والشبكات وأنظمة التشغيل ونظرية الحوسبة.
فطفى تزامنا مع تطور علوم المادة ما سمي بالإعجاز العددي في القرآن، واعتمدت معه نظرية الحوسبة المادية وتم إسقاطها هي الأخرى على معجزة كلام الله، وظهرت دراسة التناسبات الحسابية والأنماط العددية في ألفاظ القرآن وحروفه وآياته وسوره، وتمحل وتكلف وتعسف لها البعض معادلات تناسبية وتم انتزاع دلالات حسابية لتبيان أن الأمر ليس مصادفة بل إعجاز عددي. بل منهم من ذهب أبعد من ذلك حتى طاش وزاغ، فانتحل أحدهم من كلام الله ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ نظرية حسابية سماها "نظرية العدد 19" وجعل من هذا العدد شفرة رياضية للقرآن، بل انتهى صاحب نظرية 19 في انتحاله للحوسبة دليل إعجاز، على إنكار آخر آيتين من سورة التوبة لعدم انسجامهما مع عده وتعداده وطرحه وجمعه وضربه وحوسبته الفاسدة الباطلة!
فما اصطلح عليه بالإعجاز العلمي للقرآن هو لوثة ثقافية علمانية شوهت أفهام بعض المسلمين، وأنكى منها عطلت اهتمامهم ببيان القرآن الكريم ولغته العربية التي هي باب ومفتاح فهم فكره وثقافته وفقهه التشريعي وعظيم آلة اجتهاده، وذلك من معلوم الدين، وقد قيل في ذلك والأقوال في اللغة العربية مستفيضة "فإنَّ نفسَ اللغة العربية من الدِّين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهمِ اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب"، فاللغة العربية هي وعاء الوحي ومفتاح الفهم التشريعي، وهي الركن الشديد والشرط الأساسي للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، وهذه الأحكام هي مدار الطاعة والعبادة والتقوى وغاية الإسلام العظيم في جعل الحياة بحسب شريعته وأحكامه الشرعية.
فذلك الادعاء الباطل المغرض في إعجاز مادي علماني (علمي) هو لإقصاء بيان الوحي ولغته العربية وضرب فهمه والاجتهاد بنصوصه ونسف فقهه وطمس أحكامه الشرعية وشريعته. فافقهوها يا أولي النهى!
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مُناجي محمد



