الإثنين، 13 رمضان 1447هـ| 2026/03/02م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثامنة

وثيقة المدينة: كيف تُبنى الدولة؟

 

 

حين نتأمل وثيقة المدينة، لا نقف أمام ورقة تاريخية تُذكر في كتب السيرة فحسب، بل أمام لحظة تأسيس واعٍ لدولة تعرف نفسها، وتحدد مرجعيتها، وتنظم علاقتها برعاياها وبغيرهم بوضوح لا لبس فيه. لم تكن الدولة التي قامت في المدينة وليدة حماس عابر، ولا نتاج فراغ سياسي، بل قامت على قواعد محددة، وكان لا بد لهذا الكيان الجديد أن يُعرّف نفسه: من يحكم؟ ولمن السيادة وبأي مرجعية؟ وكيف تُدار العلاقات داخل المجتمع؟

 

المدينة عند وصول النبي ﷺ لم تكن أرضاً خالية. كانت تضم الأوس والخزرج، وبينهما تاريخ من الصراعات، وتضم قبائل يهودية لها نفوذ اقتصادي وعسكري. هذا التنوع كان يمكن أن يكون وصفة جاهزة للفوضى، لو تُركت الأمور للمجاملات أو للتوازنات المؤقتة. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً: وُضعت وثيقة تنظّم العلاقة بين مكونات المجتمع، وتحدد موقع القيادة، وتؤسس لمفهوم السيادة.

 

وثيقة المدينة لم تكن "تعايشاً رمزياً" بلا إطار حاكم، بل نصّت بوضوح على أن السيادة للشرع والمرجعية عند التنازع لله ورسوله ﷺ. هذا يعني أن السيادة ليست للأكثرية العددية، ولا لتحالفات قبلية، بل لمرجعية محددة. في الوقت ذاته، ضمنت الوثيقة ليهود حقوقهم في الدين والمال، ما داموا ملتزمين بعقد الدولة. وضوح في السيادة الشرعية، وعدل في الرعاية.

 

الدولة لا تُبنى على العواطف، ولا على شعارات عامة مثل "العيش المشترك". الوثيقة حددت الواجبات كما حددت الحقوق: الدفاع مشترك عن المدينة، عدم نصرة الأعداء، الالتزام بالنظام العام. لم يكن هناك فراغ قانوني يسمح لكل طرف أن يفسر "المصلحة" كما يشاء. الوضوح كان عنصر استقرار.

 

حين ننظر إلى واقعنا المعاصر، نجد أن كثيراً من الأزمات السياسية تعود إلى اختفاء السيادة ووجود التبعية وغموض المرجعية. دساتير تُكتب بلغة فضفاضة، بل ووهمية في غالبها تُعلن أن "الشعب مصدر السلطات" وكأن الشعب يحكم فعلا وكأن الرأسماليون والنخب ليسوا هم الحكام الفعليين وصانعي القرار ومن يصوغ القوانين والتشريعات. قوانين تتغير بتغير التوازنات الدولية أو الضغوط الاقتصادية. النتيجة: حالة دائمة من الاضطراب، وشعور عام بأن الدولة لا تملك بوصلة ثابتة.

 

إن وثيقة المدينة لا تُقدَّم كنموذج تعايش إداري مرن، بل كإعلان تأسيسي لدولة ذات هوية سياسية محددة ومنبثقة من عقيدة واضحة. الدرس الجوهري فيها أن الاستقرار لا يقوم على الموازنات المرحلية ولا على إرضاء القوى الداخلية أو استرضاء الأطراف الخارجية، وإنما على حسم مسألة السيادة منذ اللحظة الأولى. في المدينة لم تُترك هوية الدولة غامضة، ولم تُطرح باعتبارها كياناً إدارياً محايداً؛ بل كانت دولة تقودها قيادة واحدة، أساسها الإسلام، وتُضبط علاقاتها الداخلية والخارجية بأحكام الشرع.

 

القيادة كانت محددة لا تنازع فيها، والسيادة للشرع لا للأهواء أو الأعراف المتقلبة. والالتزامات السياسية والأمنية والمالية مُعرَّفة ضمن إطار العقيدة الجامع. وبهذا الوضوح تمايزت الدولة عن محيطها، واستطاعت أن تبني استقراراً حقيقياً، لا استقراراً هشاً قائماً على التسويات المؤقتة. فوضوح الهوية السياسية، هو الشرط الأول لقيام دولة مستقرة؛ لأن الغموض يفتح الباب للتجاذبات، ويجعل القرار خاضعاً لموازين القوى لا لمعيار الحق والباطل. ومن هنا يُستفاد أن حسم سؤال من يحكم؟ ولمن السيادة؟ هو نقطة البدء لأي مشروع نهضة حقيقي.

 

كذلك، تكشف الوثيقة أن تعدد الأجناس والطوائف داخل الدولة لا يعني تمييع المرجعية. فقد عاش اليهود في ظل الدولة الإسلامية الأولى محتفظين بعقائدهم، لكنهم لم يكونوا كياناً موازياً ينازع الدولة سيادتها. اليوم، كثير من الدول تعاني من صراعات داخلية لأن مفهوم السيادة نفسه مهتز: قوى خارجية تؤثر في القرار، ومراكز نفوذ داخلية تتصرف كأنها فوق القانون، واتفاقيات دولية تُقيد الإرادة السياسية.

 

الدولة المبدئية لا تخشى أن تعلن هويتها. الغموض قد يبدو أحياناً مريحاً لتجنب الصدام، لكنه على المدى البعيد يفتح الباب لصراعات أكبر. في المدينة، كان يمكن تأجيل الحسم في مسألة سيادة الشرع بحجة "حساسية المرحلة"، لكن ذلك لم يحدث؛ لأن البناء منذ اللحظة الأولى كان يستهدف الاستقرار طويل الأمد، لا مجرد تجاوز أزمة آنية.

 

من زاوية أخرى، تُظهر الوثيقة أن العدل ليس شعاراً يُرفع، بل نظام يُطبق. حين نقضت بعض قبائل يهود العهد وتحالفت مع أعداء الدولة في أوقات حرجة، لم يُتعامل مع الأمر كخلاف رأي، بل كخرق لعقد سياسي. احترام العقد كان أساس البقاء ضمن الدولة، وخرقه كانت له تبعات واضحة. وهذا يعكس فهماً عميقاً بأن الدولة ليست مساحة مفتوحة بلا التزامات، بل رابطة سياسية تحكمها قواعد.

 

في عالم اليوم، نرى دولاً تعلن مبادئ سيادية، لكنها ترتبط باتفاقيات اقتصادية أو عسكرية تجعل قرارها مرهوناً بجهات خارجية. تُكتب الدساتير، لكن تُفرغ من مضمونها عبر قوانين استثنائية أو ضغوط مالية. هنا يتجلى الفرق بين نص يُكتب لتجميل الصورة، ونص يُراد له أن يكون أساساً حقيقياً للحكم.

 

وثيقة المدينة لم تكن وثيقة علاقات عامة، بل كانت إعلاناً عن قيام دولة لها سيادة فعلية. وهذا ما تحتاجه أي أمة تسعى للاستقرار: وضوح في مفهوم السيادة، عدل في التطبيق، وثبات في الالتزام. الفوضى لا تبدأ من غياب الشعارات، بل من غياب الإطار الحاكم الذي يُعرّف الحقوق والواجبات بوضوح ودون أساس ثابت.

 

إن استحضار وثيقة المدينة اليوم ليس حنيناً للماضي، بل بحث عن معيار. كيف تُبنى الدولة على أساس واضح؟ كيف يحفظ تعدد الأجناس والطوائف والأعراق وحتى العقائد داخل الدولة دون أن تتحول إلى صراع هويات؟ كيف تُصان السيادة من الارتهان؟ الإجابة في الالتزام بما أوجبه الشرع وبينته السنة ولا تكمن في نسخ التاريخ حرفياً، بل في فهم روحه: دولة تعرف كيف يكون أساسها ومن أين تستمد شرعيتها، ولصالح من تعمل، وبأي ميزان تحكم. هناك فقط يبدأ الاستقرار الحقيقي، وتتحول الدولة من ساحة تنازع إلى إطار جامع يحمي المجتمع ويمنحه الطمأنينة.

 

نسأل الله أن يعيدها لنا قريبا خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع