الأربعاء، 15 رمضان 1447هـ| 2026/03/04م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة العاشرة

الديمقراطية لماذا لا تُنقذ الشعوب؟

 

 

تُقدَّم الديمقراطية في الخطاب السياسي الحديث كأنها الوصفة الجاهزة لكل أزمة: إذا أردت عدلاً، فخذ انتخابات. وإذا أردت حرية، فأنشئ برلماناً. وإذا أردت استقراراً، فضع دستوراً يُصوّت عليه الناس. الفكرة في ظاهرها بسيطة وجذابة: الشعب يختار من يحكمه، ومن يحكمه يسنّ القوانين باسمه، فتتحقق الإرادة العامة. لكن حين ننزل من مستوى الشعارات إلى مستوى الواقع، تتعقد الصورة كثيراً.

 

في مصر، كما في غيرها، مرّت البلاد بمراحل مختلفة من التجارب السياسية. تغيّرت دساتير، وأُجريت استفتاءات، وتعاقبت انتخابات، وتبدّلت وجوه في السلطة. ومع ذلك، بقيت أسئلة العدل والسيادة مطروحة بإلحاح. هل يشعر الإنسان البسيط أن صوته غيّر مسار السياسات الاقتصادية التي تمسّ حياته اليومية؟ هل تغيّرت طبيعة العلاقة مع القوى الدولية الكبرى بتغيّر البرلمان أو الرئيس؟ أم أن هناك مسارات أعمق ظلت على حالها؟

 

المشكلة ليست في فكرة التصويت ذاتها، بل في الإطار الذي تتحرك داخله. حين تكون المنظومة الاقتصادية مرتهنة لقروض خارجية وشروط مؤسسات دولية، فإن هامش القرار الداخلي يضيق. قد ينتخب الناس ممثلين جدداً، لكن هؤلاء يجدون أنفسهم أمام التزامات مالية وسياسية قائمة، لا يمكنهم تجاهلها بسهولة. وهكذا، تتغير الوجوه بينما تبقى السياسات الكبرى متشابهة. الإنسان الذي صوّت أملاً في تحسن معيشته، لا يلمس فرقاً حقيقياً، فيتولد شعور بأن اللعبة تدور في دائرة مغلقة.

 

ثم هناك مسألة التشريع. في النموذج الديمقراطي، البرلمان يملك سلطة سن القوانين وفق ما تراه الأغلبية مناسباً. القيم والقواعد تصبح قابلة للتعديل بحسب التوازنات السياسية. اليوم تُقرّ سياسة، وغداً تُلغى أو تُعدَّل إذا تغيّرت الأغلبية. من جهة، هذا يمنح مرونة، لكنه من جهة أخرى يجعل الأسس عرضة للتقلب المستمر، وهنا يبرز سؤال: هل كل شيء قابل للتصويت؟ وهل تُخضع المبادئ الثابتة لمعادلات المصالح المتغيرة؟

 

في مصر، كثيراً ما ارتبطت السياسات الاقتصادية الكبرى كتحرير سعر الصرف، ورفع الدعم، وفرض ضرائب جديدة بتوصيات أو شروط خارجية. قد تُبرر هذه الخطوات بضرورات الإصلاح، لكن الإنسان العادي يرى نتيجتها المباشرة في ارتفاع الأسعار وتآكل الدخل. هنا يظهر التناقض حتى لو وُجد برلمان منتخب، فإن القرارات الحاسمة تُتخذ تحت ضغط الحاجة إلى تمويل أو استقرار مالي دولي. فهل السيادة كاملة أم جزئية؟ وهل يكفي وجود آلية انتخابية لتحقيق استقلال القرار؟

 

الواضح أنه ﻻ توجد أي سيادة بل خضوع وارتهان لقرارات المؤسسات الدولية الاستعمارية المانحة، وأن القرار يأتي من هناك وﻻ عزاء للانتخابات المزعومة وصناديقها فما هي إلا وهم يباع لأهل مصر البسطاء ولكل الشعوب التي يراد خداعها باسم الديمقراطية حتى في الغرب نفسه، فالديمقراطية فكرة خيالية التطبيق وفي حقيقتها المتحكم وصاحب القرار هم أصحاب رؤوس الأموال والنخب وليست الشعوب.

 

من زاوية أخرى، الديمقراطية فكرة خيالية مستحيلة التطبيق في واقعها لا تعمل في فراغ. تحتاج إلى بيئة من الشفافية، وتكافؤ الفرص، وإعلام حر، ومؤسسات قوية قادرة على الرقابة والمحاسبة. إذا اختلّ أحد هذه العناصر وهذا هو الواقع الذي جعلها خيالية التطبيق وجعل الغرب نفسه يبحث عما بعد الديمقراطية، فهي في النهاية تتحول عمليا إلى شكل بلا مضمون. قد تُجرى انتخابات، لكن المال السياسي أو النفوذ الإداري أو ضعف المشاركة الشعبية يجعل النتائج لا تعكس الإرادة الحقيقية للمجتمع. في هذه الحالة، يصبح التركيز على الشكل الإجرائي غطاءً على غياب المضمون.

 

رمضان يعيد طرح المعايير الأخلاقية بعيداً عن الضجيج السياسي. الصوم ليس تصويتاً بالأغلبية، بل التزام فردي بأمر يُعتقد أنه ثابت لا يتغير بتغير الأذواق. في هذا السياق، يبرز تصور مختلف للعدل: العدل ليس ما تقرره أغلبية عابرة، بل ما ينسجم مع قيم عليا لا تخضع للمساومة. حين تُدار الدولة بروح المسؤولية أمام هذه القيم، يصبح القرار السياسي محكوماً بضابط عقدي يتجاوز الحسابات الانتخابية القصيرة.

 

العدل أيضاً يرتبط بالنتائج الملموسة. إذا بقي الفقير فقيراً، وتوسعت الفجوة بين الطبقات، واستمرت التبعية الاقتصادية، فإن كثرة الانتخابات لا تكفي لإقناع الناس بأنهم يعيشون عدلاً حقيقياً. والسيادة بدورها ليست شعاراً يُرفع، بل قدرة فعلية على اتخاذ قرار اقتصادي أو سياسي دون إملاء خارجي. فإذا كان القرار مرهوناً بالمساعدات أو القروض، فالهامش السيادي محدود مهما كان الشكل الدستوري.

 

في النهاية، التجربة المصرية تُظهر أن تغيير الأدوات دون تغيير الأسس لا ينتج تحولاً حقيقياً. العدالة لا تُختزل في صندوق اقتراع، والسيادة لا تتحقق بمجرد نص دستوري. تحتاج إلى استقلال اقتصادي، وسيادة مبدئية واضحة تضبط القرار السياسي. رمضان، بما يحمله من معاني المراجعة والمحاسبة، يذكّر بأن الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف ما نعتبره أساساً للعدل، وما نراه مصدراً للسيادة، قبل الانشغال بتبديل الوجوه أو تحديث الشعارات.

 

رمضان يذكرنا أننا بحاجة إلى أن تصبح العقيدة التي نعتنقها أساسا لتفكيرنا وما انبثق عنها من أحكام هو نمط عيشنا، فحينها تكون السيادة للشرع والسلطان للأمة، والأمة تنيب عنها من يطبق عليها الإسلام بعدل وتحاسبه إن قصر أو أساء في التطبيق وأحكامه. فقط هي ضامن العدل لأنها لم تأت عبر التصويت داخل البرلمانات ولم تعززها أغلبية وإنما مصدرها الوحي الثابت فهي عدل محض. نسأل الله أن نراها واقعا متجسدا من جديد في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع