- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
النّظام الاجتماعي في الإسلام
بناء محكم للأسرة وركيزة لصلاح المجتمع
لقد أنعم الله علينا وكفانا بوصفنا مسلمين، مشقّة البحث عن نظام يسيّر حياتنا وينظّمها تنظيما محكما لا خلل فيه. فبعث لنا دستورا سماويّا تركه فينا حبيبه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه الذي أكّد لنا أنّنا لن نضلّ ولن نشقى إن عملنا به ولم نتخلّ عنه «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي».
فالتّمسك بالقرآن الكريم واتّباع سنّة النّبي ﷺ هو ما يعصم المرء من الانحراف والضّلال. وهو وحده المنقذ من الظّلمات والهادي إلى الصّراط المستقيم. هو الضّمان لتحقيق السّعادة في الدّنيا والفوز والفلاح في الآخرة. كيف لا وهو نظام الحكيم الخبير؟! كيف لا وهو من لدن العليم القدير؟!
لقد خلق الله عباده وأرسل لهم نبيّه ليبيّن لهم طريق الرّشاد ويهديهم إلى ما ينالون به الفردوس الأعلى يوم اللّقاء والميعاد. وضع لهم نظاما متكاملا ينظّم حياتهم ويمدّهم بالحلول والمعالجات حتّى يعيشوا الحياة التي يرضاها لهم وترضيهم... حياة طمأنينة توافق الفطرة وتقنع العقول فيحيون في توازن لا اهتزاز فيه.
شمل هذا النّظام المتكامل كلّ جوانب الحياة السّياسيّة منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة وكانت أحكامه تعالج كلّ مسألة تطرأ على حياة النّاس إذ يبذل المجتهدون ما في وسعهم للبحث عن حكمها وفق ما جاء في كتاب الله وسنّته.
من هذا النّظام الكامل الشّامل النّظام الاجتماعيّ الذي فصّله الله سبحانه وتعالى وجعل له أحكاما واضحة تشجّع على الزّواج وبناء الأسرة المسلمة وتمكّن من الحفاظ على وحدة هذه الأسرة وتناغمها، وتعمل على دعم الحياة الأسريّة وترابطها.
فالنّظام الاجتماعيّ هو النّظام الذي ينظّم اجتماع المرأة بالرّجل والرّجل بالمرأة، وينظّم العلاقة التي تنشأ بينهما عن اجتماعهما، ويبيّن كلّ ما يتفرّع عن هذه العلاقة، فهو العلاج للمرأة المسلمة والرّجل المسلم اللّذين يعيشان في طراز معيّن أوجبه الإسلام، ويتقيّدان بأحكامه.
إنّ النّظام الاجتماعيّ في الإسلام - ولأنّه من لدن الخبير العليم - هو النّظام الوحيد الذي يضمن العيش الهنيء فأساسه الالتزام بالأحكام الشّرعيّة والسّعي لنيل رضوان الله بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه. وهذا النّظام يتعامل مع الإنسان باعتباره إنسانا مهما كان جنسه (ذكرا كان أو أنثى) ويبيّن له طرق التّمتّع بالحياة وملذّاتها دون المساس بالجماعة والمجتمع ويجعل العلاقة بين الجنسين علاقة تعاون وتكامل حتّى يعمّ الخير جميع أفراد المجتمع.
حدّد الإسلام علاقة الجنسين بالزّواج حتّى تلفّها الطّهارة والتّقوى وتضمن بناء مجتمع نقيّ من الفساد والعلاقات غير الشّرعيّة التي تهدم الأسر وتقوّض أسس المجتمع كما أمر الشّباب بالعفّة وصون العرض «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
فالزّواج يحفظ النّسل ويعمّر الأرض ويصلحها، وبه يحصل التّكاثر في النّوع الإنسانيّ. وقد حثّ الإسلام على الزّواج، فعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ».
فأحكامه التي تنظّم علاقة الجنسين هي الأحكام الوحيدة التي تكفل سعادتهما وتضمن لهما الحياة الهنيئة وما دونها من أحكام وضعيّة ناقصة ستؤدّي بهما إلى الهلاك وإلى اتّباع الشّهوات والرّكض وراء الدّنيا وما فيها من مغريات. هي أحكام عديدة أوجبها الله حتّى لا يكون في اجتماع المرأة بالرّجل اجتماع أنثى بذكر فتتحوّل الرؤية رؤية جنسيّة تتحرّك فيها الغرائز ويغيب فيها الخوف من الله ومن عاقبة التّعدّي على حدوده.
حدّد الإسلام جملة من الأحكام الشّرعيّة حتّى يصون الفضيلة والأخلاق فأمر كلّا من الرّجل والمرأة بغضّ البصر ومنع خلوتهما وفصل بينهما في الحياة الخاصّة وجعل صلة التّعاون بينهما في المعاملات صلة عامّة... جمع بينهما بميثاق غليظ يجعل كلّ واحد منهما يخشى الله في الآخر فلا يظلمه.
ولقد احتاط الإسلام في اجتماع المرأة والرّجل وقدّم أحكاما تعالج كلّ ما ينتج عن اجتماعهما حتّى يبعدهما عن النّظرة المحصورة في الاجتماع الجنسيّ لترقى بهما للعيش من أجل عبادة الله وإرضائه. فالزّواج عماد الحياة الصّحيحة والسّليمة ففي ظلّه تتحقّق المودّة والسّكينة والرّحمة ويتعاون الزّوجان على الحياة حتّى يسعدا فيها ويفوزا برضوان الله. فالزّواج يجلب الرّزق ويدرأ الفقر والعوز ﴿وَانكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ويجمع بين الأفراد ويمتّن الرّوابط الأسريّة بينهم.
فقد بنيت الأسرة في الإسلام على المودّة والرّحمة وعلى اضطلاع كلّ من الزّوجين بمهمّته ودوره الذي أنيط به، قال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فالمسؤوليّات موزّعة بينهما كلّ واحد يقوم بدوره وواجباته ويراعي حقوق الآخر ويلبّي حاجاته في وفاق وتناغم لتربية الأبناء وتنشئتهم في أسرة يسودها الوفاق والمودّة والتّلاؤم فتنتج أجيالا متوازنة تتشرّب مفاهيم دينها وتعيها مطبّقة في واقع أسرتها.
ببناء الأسر على هذه القوانين وهذه الأحكام يضمن الإسلام مجتمعا سليما أفراده أسوياء صالحون يسيرون في الأرض يبتغون نيل رضوان الله والفوز بجنّته فيلتزمون أحكامه ولا يتعدّون حدوده.
فإن استحال الوفاق بين الزّوجين وصار عيشهما معا عيش نكد وغمّ أحلّ لهما الطّلاق والتّفرّق وسنّ لكلّ ذلك أحكاما دقيقة تبيّن المعالجات الشّافية لمثل هذه المشاكل ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ووضّح أنّ الانفصال إن كان بسبب استمرار الشّقاق وعدم القدرة على الصّلح، فإنّ الله يضمن للزّوجين رزقاً واسعاً من فضله وتيسيراً لأمورهما، ما يزيل الضّيق النّاجم عن استمرار زواج غير مستقرّ، مؤكّداً سعة علم الله ورحمته وحكمته. ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾. كما سنّ قوانين تضمن حياة المطلّقات فيعشن في ظلّ من فرض عليه إعالتهنّ من أهلها فإن لم يوجد كانت الدّولة ملزمة بها وبكلّ من ليس له عائل وغير قادر على أن ينفق على نفسه ويلبّي حاجياته.
إنّ هذا النّظام الاجتماعيّ الذي ضمن سلامة الأسرة وترابطها وحفظ حقوق الوالدين وحثّ على صلة الرّحم وعلى المعاملة الحسنة للجيران والذي عدّ ابتسامة المسلم في وجه أخيه صدقة هو نظام دقيق يجعل الحياة هنيئة تسعد النّاس وتمتّن الرّوابط والعلاقات الطّيبة القائمة على السعي لرضوان الله... وهو النّظام الوحيد الذي يكفل الحقوق ويبيّن الواجبات ويبني العلاقات ويوطّدها.
ولسنا هنا في موضع التّنظير والحديث عن أمر يستحيل حدوثه أو أنّنا نتحدّث فيما هو خياليّ بل إنّنا نتحدّث عن نظام وضعه خالق هذا الكون الذي صوّر هذه الحياة وسيّرها، فالأمر كلّه له وبيده كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير. فما أنزل من أحكام تفصيليّة تبيّن النّظام الاجتماعيّ وقوانين اجتماع الجنسين وما تربطهما من علاقات، وما أكرمنا به من نظام لحياتنا بصفة عامّة في كلّ جوانبها لا يمكن أن يأتيه الباطل ولا يمكن أن يمسّه نقصان. فهو من الخالق القادر الحكيم العليم، والله وحده له أن يضع النّظام الذي يسيّر حياة خلقه وما دون ذلك من قوانين ليس إلّا ضلالات وظلمات وانحراف عن أحكام الله.
ولأنّ هذا النّظام هو أفضل ما أنزل الله على عباده وخير ما أنزل على أمّة الإسلام فإنّ الله سبحانه يحبّ أن يعمّ هذا الخير وأن يكون خير خلقه هم سادة كونه يسيرون بأوامره وينشرونها رحمة وهدى للنّاس ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. ولذلك أمر الأمّة الإسلاميّة أن تحافظ على دينه وأحكامه وتنشرها في العالم لتكون هي النّور الذي يسيرون به في ظلمات حياتهم وما انتشر فيها من فساد، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
فليعتبر كلّ ذي بصيرة ويعي أنّه - وفي ظلّ ما تتخبّط فيه البشريّة من حروب ودمار وتيه وضياع وما يعيشه المسلمون من مآسٍ وآلام - لا سبيل إلى النّجاة إلّا في اتّباع أحكام الله التي أنزلها على عباده والسّير على خطا الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وهديه وتجنّب كلّ ما هو من غير الإسلام ولو وافقه، فالواجب تطبيق ما أمرنا به الله وتجنّب ما نهانا عنه امتثالا لله ولا نبحث في القوانين الوضعيّة ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
كتبته للمكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير
زينة الصّامت
#رؤية_حقيقية_للتغيير
#TrueVision4Change



