- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين الدبلوماسية والنار.. هل سجلت إيران نقطة سياسية؟
في الشرق الأوسط لا تُقاس الانتصارات دائماً بعدد الصواريخ التي تُطلق، أو المواقع التي تُدمَّر، بل كثيراً ما تُقاس بالقدرة على التأثير في قرارات الخصوم وتغيير مسار الأحداث.
ومن هذا المنطلق يبرز السؤال: هل نجحت الدبلوماسية الإيرانية في فرض إرادتها السياسية، وإجبار واشنطن على كبح اندفاع كيان يهود نحو توسيع الحرب في لبنان؟ أم هي الخيبات التي توالت على سياسة ترامب، والمأزق الذي وقع فيه، والذي جعله يتوحل في مستنقع مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم طرق الملاحة التي منحها الله تعالى للأمة الإسلامية؟
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام معادلة معقدة؛ فاستمرار تصعيد كيان يهود كان يهدد بإفشال مسارات التفاوض مع طهران، الأمر الذي كان سيدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع لا ترغب بها واشنطن.
وفي ظل هذه الظروف، بدا أن الضغوط الأمريكية على حكومة يهود لوقف التصعيد لم تكن مجرد خطوة إنسانية أو أمنية، بل كانت جزءاً من حسابات سياسية أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة والمصالح الأمريكية فيها.
وطهران، من جهتها، استثمرت أوراقها السياسية بمهارة، وربطت بين استقرار الجبهة اللبنانية واستمرار الحوار مع واشنطن، ما منحها قدرة على التأثير في المشهد الإقليمي. وقد نجحت - على الأقل مرحلياً - في إيصال رسالة مفادها أن تجاهل مصالحها أو مصالح حلفائها لن يمر دون أثمان سياسية ودبلوماسية.
لكن وصف ما يجري بأنه انتصار إيراني كامل للدبلوماسية قد يكون سابقاً لأوانه؛ فأمريكا لم تتحرك دفاعاً عن المصالح الإيرانية، وإنما انطلاقاً من حساباتها الاستراتيجية الخاصة، كما أن كيان يهود لم يتخلَّ عن أهدافه بعيدة المدى، بل تعامل مع التهدئة بوصفها إجراءً تكتيكياً فرضته الظروف الدولية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن السياسة لا تعرف الانتصارات المطلقة، ولا الهزائم النهائية. وما يمكن قوله اليوم إن طهران نجحت في تسجيل نقطة مهمة على لوحة الصراع السياسي، وأثبتت أن الدبلوماسية، حين تُدار بذكاء وتُسند بأوراق قوة ميدانية، قد تحقق ما تعجز عنه المواجهات العسكرية المباشرة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون هذه النقطة مقدمة لتحول استراتيجي أوسع في موازين القوى، أم أنها مجرد محطة عابرة في صراع طويل لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد؟
غير أن الدرس الأعمق الذي تكشفه أزمات المنطقة المتلاحقة هو أن الشعوب الممزقة لا تستطيع أن تصنع مستقبلها وهي متفرقة، مهما حققت هذه الدولة أو تلك من مكاسب سياسية أو عسكرية؛ لأنها تبقى إنجازات محدودة ما لم تندرج ضمن مشروع حضاري جامع يعيد للأمة وحدتها وقوتها وعزها الذي عاشت به قروناً طويلة، يوم كانت لها دولة وكيان يدافع عنها.
إن الخلاص الحقيقي لا يكمن في انتصار محور على آخر، ولا في تفوق طرف على خصمه، بل في استعادة الأمة مكانتها ودورها الريادي، واسترجاع وحدتها السياسية والحضارية. حينها لن تكون طرفاً في المعادلة الدولية فحسب، بل رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه أو تجاهل مصالحه. فالأمة العظيمة تُصنع بوحدة الهدف، ووحدة المصير، وقوة المبدأ، وهذا لا يكون إلا بعودة دولتنا وعزنا وفخرنا وكرامتنا. وما ذلك على الله بعزيز.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



