- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الحركة الإبراهيمية: من اتفاقيات التطبيع إلى مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط
لقد علّمنا التاريخ أن الحروب حين تضع أوزارها، لا يعمّ الصمت ساحات الصراع، بل تبدأ الأفكار زحفها الهادئ لملء الفراغات التي خلّفتها المعارك.. عندئذٍ لا يعاد رسم الحدود فقط، بل يعاد تعريف الأصدقاء والخصوم، وتُصاغ هويات جديدة، وتُبعث سرديات تسعى إلى إضفاء الشرعية على النظام الذي يولد من رحم الحرب. وفي هذا السياق تحديداً، يبرز الصعود المتزامن لما يسمى بـ"الحركة الإبراهيمية" مع الحديث اللافت والمتزايد عن منظومات وتحالفات إقليمية جديدة تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا، وكأن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة لا يُعاد فيها ترتيب الجغرافيا السياسية فحسب، بل يُعاد فيها تعريف ذاتها أيضاً.
خلال الأيام الأخيرة، تزامن الظهور العلني للحركة الإبراهيمية في سوريا مع تداول تصورات سياسية وأمنية جديدة حول مستقبل المنطقة. فمن جهة، تصاعد الحديث عن توسيع دائرة اتفاقيات أبراهام لتشمل قوى إقليمية مؤثرة، حيث صرح ترامب في منشور مطول عبر منصته تروث سوشيال، يوم 2026/05/25 قائلا: "أطلب بشكل إلزامي من جميع الدول التوقيع فوراً على اتفاقيات أبراهام، وإذا وقّعت إيران اتفاقها معي، فسيكون شرفاً لي، بصفتي رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، أن تكون جزءاً من هذا التحالف العالمي غير المسبوق". وأضاف أنه ناقش الأمر خلال اتصالات هاتفية مع قادة السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والبحرين. (سي آن آن، 2026/05/25)
ومن جهة أخرى، برزت تصريحات وزير الخارجية التركي حقان فيدان حول إمكانية بناء منظومة أمنية إقليمية جديدة تضم تركيا وباكستان ومصر والسعودية ودول الخليج، مع إبقاء الباب مفتوحاً مستقبلاً أمام انضمام أطراف أخرى، بما فيها إيران و(إسرائيل)، ضمن ترتيبات جديدة قائمة على التعاون والاعتراف المتبادل واحترام السيادة. (عربي 21، 2026/06/03)
قد تبدو هذه الأحداث منفصلة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تلتقي عند سؤال واحد: هل تتجه المنطقة نحو نظام إقليمي جديد يتجاوز الصيغ القومية والتحالفات التقليدية التي حكمتها طوال العقود الماضية؟
الاتفاقيات الشكلية تسبق الأرضية الفكرية!
عندما وُقّعت اتفاقيات أبراهام عام 2020، قُدّمت بوصفها اتفاقيات تطبيع بين دول عربية وكيان يهود. لكن مع مرور الوقت بدأ يظهر اتجاه فكري يرى أن الاتفاقيات السياسية وحدها غير كافية، وأن أي سلام طويل الأمد يحتاج إلى سردية ثقافية وحضارية جديدة تمنحه الشرعية والاستمرارية.
من هنا ولدت فكرة "الإبراهيمية السياسية" التي يُعتبر اليهودي توم ويغنر أحد أبرز منظّريها. ووفق الأدبيات المنشورة للحركة، فإن اتفاقيات أبراهام ليست سوى نقطة البداية، أما الهدف الأوسع فهو بناء هوية إقليمية جديدة تستند إلى الإرث المشترك للأديان الإبراهيمية الثلاثة، وتحويل هذا الإرث إلى أساس لشراكات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة. بعبارة أخرى، لا تنظر الحركة الإبراهيمية إلى التطبيع باعتباره اتفاقاً بين حكومات، بل باعتباره مشروعاً لإعادة تعريف العلاقات بين شعوب المنطقة نفسها.
من هو توم ويغنر؟ وما هي الحركة الإبراهيمية؟
يصعب فهم الحركة الإبراهيمية من دون التوقف عند شخصية مؤسسها. بحسب التعريفات التي نشرتها الحركة نفسها، فإن توم ويغنر هو سياسي ومستشار استراتيجي يهودي عمل سابقاً متحدثاً باسم رئيس وزراء يهود الأسبق إيهود باراك، كما عمل مستشاراً ومديرا للعلاقات العامة السابق في مركز بيرس للسلام. ويقدَّم اليوم بوصفه مؤسس الحركة الإبراهيمية ورئيسها، ومؤلف كتاب "الثورة الإبراهيمية: صيغة شرق أوسطية للسلام". ولا يخفي ويغنر انطلاق مشروعه من اتفاقيات أبراهام، بل تؤكد الحركة رسمياً أن هدفها هو منح تلك الاتفاقيات عمقاً ثقافياً وروحياً واجتماعياً يتجاوز بعدها الدبلوماسي. (الموقع الرسمي للحركة الإبراهيمية)
ولذلك لا يقدم ويغنر اتفاقيات أبراهام بوصفها مجرد تفاهمات دبلوماسية، بل يعتبرها بداية تحول حضاري يعيد صياغة علاقات الشرق الأوسط على أسس تتجاوز منطق الصراع. وفي كتابه "الثورة الإبراهيمية" يرى أن السلام المستدام لا يتحقق بالاتفاقيات وحدها، بل بتغيير أعمق في الثقافة السياسية والوعي الجمعي، وبناء فضاءات تعاون اقتصادي وثقافي وديني بين شعوب المنطقة. غير أن الجدل حوله لا يتعلق بشخصه بقدر ما يرتبط بطبيعة المشروع نفسه: فبينما يقدمه كمسعى لتجاوز الحروب المزمنة، يُنظر إليه نقدياً كمحاولة لإعادة هندسة الوعي السياسي والثقافي وإدماج كيان يهود داخل بنية إقليمية جديدة تتجاوز القضايا التاريخية العالقة، وفي مقدمتها قضية فلسطين. ومن هذا المنظور، لا تبدو الإبراهيمية مجرد مشروع تعايش، بل محاولة لإنتاج هوية فوق قومية جديدة تعيد تعريف المنطقة وفرض هذا التعريف على واقعها السياسي وإجبارها على الاستسلام، بما يجعلها امتداداً لرؤية تقوم على "السلام عبر القوة" التي تروج لها أمريكا.
العراق وسوريا: أولى ساحات الاختبار
خلال الأشهر الماضية برز نشاط معلن للحركة الإبراهيمية في العراق. وتشير منشورات صادرة عن الحركة ومؤسسها إلى إطلاق فرع عراقي للحركة، وهو ما أثار ردود فعل حادة من قوى عراقية معارضة اعتبرت المشروع امتداداً لمسار التطبيع مع الكيان. وقد دافع ويغنر عن هذا النشاط باعتباره مشروعاً للحوار والتقارب بين مكونات المنطقة المختلفة. ولا يبدو أن العراق اختير صدفة، فهو بلد يجمع تنوعاً دينياً ومذهبياً وقومياً واسعاً، ويقع في قلب التنافس بين المشاريع الإقليمية المختلفة. ولذلك فإن نجاح أي مشروع عابر للهويات التقليدية في العراق سيمنحه شرعية إضافية في بقية المنطقة.
وإذا كان العراق يمثل ساحة اختبار إنسانية، فإن سوريا تبدو اليوم ساحة اختبار سياسية أكثر حساسية. فقد ظهر خلال الأسابيع الأخيرة إعلان علني عن نشاط الحركة الإبراهيمية في سوريا، وبرز اسم الدكتور جمال صباغ بوصفه رئيساً للحركة الإبراهيمية السورية. كما شارك ويغنر في لقاءات ضمت شخصيات سورية سياسية وفكرية واجتماعية تحت عنوان دعم التعددية والتعايش في سوريا المستقبل.
الأمر اللافت أن بعض الشخصيات المرتبطة بما يسمى "الحكومة السورية في المنفى" كانت قد شاركت سابقاً في لقاءات حوارية مع شخصيات من كيان يهود، ووصفت "السلام الإبراهيمي" بأنه أحد المسارات الممكنة لمستقبل المنطقة.
وهذا ما يجعل الساحة السورية ذات أهمية خاصة بالنسبة للحركة، لأنها تمثل نقطة التقاء بين ملفات الهوية والطائفية والأقليات والحدود والتحالفات الإقليمية. هذا دون أن ننسى مكانة سوريا في الاستراتيجية الأمريكية.
هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟
السؤال الأهم هنا لا يتعلق بالحركة الإبراهيمية وحدها، بل بالسياق الذي سمح بظهورها. ففي الوقت الذي تتحدث فيه بعض القوى الإقليمية عن ترتيبات أمنية جديدة تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا، وتطرح تصورات تتجاوز الاستقطابات التقليدية مع التمسك بحل الدولتين، تظهر الحركة الإبراهيمية باعتبارها محاولة لتوفير الغطاء الفكري والثقافي لمثل هذه التحولات.
وهنا يجب أن نشير إلى أن ما يُقدّم حالياً تحت عنوان "حل الدولتين" بضغط أمريكي وموافقة فلسطينية رسمية ليس مناقضاً للمشروع الإبراهيمي، بل هو شرط لتفعيله. فالدولة الفلسطينية المقترحة ليست دولة ذات سيادة، بل كيان منزوع السلاح، خاضع أمنياً لكيان يهود، ومحصور حدودياً. إنها دولة كرتونية توفر الغطاء الأخلاقي الذي تريده السعودية وبقية دول الخليج لتطبيع علاقاتها رسمياً مع الكيان. بعبارة أخرى، حل الدولتين هو خط رجعة لأمريكا الداعمة للكيان، وهو الذي سيُخرج كيان يهود من عزلته الإقليمية في نظرها، وليس العكس.
فإذا كانت التحالفات الجديدة تحتاج إلى بنية أمنية واقتصادية، فإنها تحتاج أيضاً إلى رواية تبرر وجودها وإلى سردية تمنحها الشرعية. وهذا بالضبط ما تحاول الإبراهيمية السياسية فعله. لكن يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع هوية جديدة أن تتشكل قبل حل الصراعات القديمة؟ وهل يمكن بناء فضاء إقليمي قائم على الاعتراف المتبادل في ظل استمرار الاحتلال والحروب وعربدة يهود في المنطقة؟ أم أن الحركة الإبراهيمية تمثل مجرد التعبير الثقافي عن موازين القوى التي أفرزتها الحرب؟
مهما تكن الإجابة، فإن التحولات الجارية في الإقليم ليست سوى قطع متناثرة لأحجية كبرى، تتحرك كل منها في مسار يبدو مستقلاً: واشنطن ترسم الإطار، وأنقرة تعيد التموضع، ومشاريع فكرية جديدة تحاول صياغة المعنى، والكل يسابق الزمن. غير أن هذه القطع، على تباعدها الظاهري، تبدو وكأنها تنتظر يداً خفية تعيد تركيبها لتكشف عن صورة واحدة لم تكتمل بعد: صورة شرق أوسط جديد قيد التشكل. غير أن هذا التشكل، بما يحمله من تعقيد وتداخل في الفاعلين والمسارات، يفتح المجال لتأمل أوسع في علاقة التخطيط البشري المحدود بإرادة الله علام الغيوب، وهو القائل سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش



