- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هل اقتربت ساعة الحسم؟
ليبيا بين خارطة الطريق الجديدة واستحقاق الانتخابات
في عالم السياسة لا تموت الأزمات دفعة واحدة، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، حتى تنضج ظروف التسوية أو تنفجر مجدداً في صورة صراع مفتوح. ومنذ سقوط معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا داخل دائرة انتقالية طويلة تحولت مع مرور الزمن إلى حالة دائمة من الانقسام السياسي والمؤسسي، حيث تعددت الحكومات، وتداخلت الشرعيات، وتشابكت المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
وخلال السنوات الماضية، بدت الانتخابات الليبية وكأنها مشروع مؤجل إلى أجل غير معلوم، خصوصاً بعد انهيار مسار انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2021 بسبب الخلافات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح وتقاسم السلطة. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت عودة ملف الانتخابات إلى صدارة المشهد السياسي الليبي، مدفوعاً بخارطة طريق أممية جديدة تسعى إلى كسر الجمود وإعادة البلاد إلى مسار الشرعية الشعبية.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بموعد الانتخابات فقط، بل بمن أعادها إلى الطاولة، ولماذا الآن تحديداً، وما هي القوى التي تدعم هذا المسار أو تعارضه؟
طرحت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بقيادة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، رؤية جديدة للحل السياسي تقوم على إعادة إطلاق العملية الانتخابية ضمن إطار زمني يتراوح بين 12 و18 شهراً، بهدف إنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة. (الجزيرة، 22/8/2025)
وتستند الخارطة إلى مجموعة من البنود الرئيسية، أبرزها معالجة الإشكالات القانونية والدستورية التي عطلت الانتخابات السابقة، وإعادة بناء التوافق حول القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، وتوحيد المؤسسات المنقسمة، وتهيئة بيئة أمنية وسياسية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحظى بقبول داخلي وخارجي.
كما تسعى الأمم المتحدة إلى تجاوز حالة الشلل التي أصابت المؤسسات السياسية القائمة بعد سنوات من المفاوضات غير المثمرة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، واللذين أصبحا في نظر كثير من الليبيين جزءاً من الأزمة وليسا جزءاً من الحل.
لماذا عادت الانتخابات إلى الواجهة الآن؟
لم تكن عودة الانتخابات نتيجة توافق ليبي داخلي بقدر ما كانت نتاج مجموعة من المتغيرات السياسية والاستراتيجية.
أول هذه المتغيرات يتمثل في تآكل شرعية الأجسام السياسية الحالية بعد سنوات طويلة من التمديد غير المباشر، الأمر الذي خلق حالة متزايدة من السخط الشعبي تجاه النخب الحاكمة في الشرق والغرب على حد سواء.
أما العامل الثاني فيرتبط بتصاعد الضغوط الدولية، خصوصاً من جانب الأمم المتحدة وأمريكا، اللتين باتتا تنظران إلى استمرار الانقسام الليبي باعتباره مصدراً دائماً لعدم الاستقرار في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن تأثيره على ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي.
ويتمثل العامل الثالث في الخشية من تحول الانقسام المؤسساتي إلى واقع دائم، خاصة مع استمرار وجود حكومتين متنافستين ومؤسسات أمنية واقتصادية منقسمة، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج نموذج الدول المنقسمة على المدى الطويل.
أما العامل الرابع، فمن منظور استراتيجي، فقد أحدثت وفاة اللواء محمد الحداد في أنقرة ثلاثة آثار مهمة:
- فراغ داخل معسكر الغرب الليبي، إذ فقدت حكومة الوحدة الوطنية شخصية عسكرية كانت تشكل نقطة توازن بين القوى المسلحة المختلفة في غرب ليبيا.
- تعثر مشروع توحيد المؤسسة العسكرية، إذ كان الحداد أحد القنوات القليلة المفتوحة مع معسكر الشرق بقيادة خليفة حفتر.
- زيادة القلق الدولي، حيث إن وفاة رئيس الأركان ومعه عدد من كبار القادة العسكريين دفعت بعض العواصم إلى الاعتقاد بأن ليبيا قد تدخل مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى العسكرية، وهو ما يجعل الإسراع في التسوية السياسية أكثر إلحاحاً.
كما أن وجود قاعدة انتخابية واسعة وملايين الناخبين المسجلين يمنح المجتمع الدولي قناعة بأن الظروف الفنية لإجراء الانتخابات أصبحت متوفرة أكثر من أي وقت مضى، وأن العقبة الأساسية باتت سياسية وليست إدارية.
من أعاد الانتخابات إلى الطاولة؟
رغم أن الخطاب الرسمي يقدم الانتخابات باعتبارها مطلباً ليبياً عاماً، فإن المحرك الرئيسي لعودتها هو الأمم المتحدة بدعم مباشر من أمريكا.
وتسعى هذه الأطراف إلى فرض ديناميكية سياسية جديدة تتجاوز حالة الجمود التي فرضتها الخلافات بين المؤسسات القائمة، عبر الدفع نحو توافقات جديدة تسمح بإطلاق العملية الانتخابية، حتى لو تطلب الأمر إعادة هندسة بعض الترتيبات السياسية الحالية.
وفي المقابل، يدرك كثير من الفاعلين المحليين أن استمرار الوضع الراهن لم يعد يحظى بالدعم الدولي الذي كان متاحاً في السنوات السابقة، الأمر الذي دفع عدداً من الأطراف إلى إظهار قدر أكبر من المرونة تجاه فكرة الانتخابات.
حيث لا يوجد في ليبيا طرف يعلن رفضه الصريح للانتخابات، لأن ذلك يتعارض مع المزاج الشعبي العام، لكن الخلاف الحقيقي يكمن في طبيعة الانتخابات وشروطها ونتائجها المحتملة.
فالمؤيدون للمسار الانتخابي يرون فيه فرصة لإنهاء المراحل الانتقالية واستعادة الشرعية عبر صناديق الاقتراع. ويضم هذا المعسكر الأمم المتحدة وأمريكا وقطاعات واسعة من الرأي العام الليبي، إضافة إلى بعض القوى السياسية التي تعتقد أن الانتخابات قد تمنحها فرصة أفضل لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي.
أما المعسكر المتحفظ، فيضم أطرافاً تخشى أن تؤدي الانتخابات إلى فقدان النفوذ الذي راكمته خلال سنوات الانقسام. ويشمل ذلك شخصيات ومراكز قوى داخل المؤسسات القائمة، وبعض التشكيلات المسلحة التي ترتبط مصالحها باستمرار الوضع الحالي.
في الحقيقة، لا يدور النزاع الليبي حول مبدأ الانتخابات بحد ذاته، بل حول ما ستنتجه الانتخابات من موازين قوى جديدة.
فالخلاف الحقيقي يتعلق بأسئلة أكثر عمقاً: هل تُجرى انتخابات رئاسية مباشرة أم تسبقها ترتيبات دستورية جديدة؟ هل يُسمح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح؟ من سيشرف على المرحلة الانتقالية؟ وكيف سيتم توزيع السلطة والثروة بين أقاليم البلاد المختلفة؟
لهذا تبدو الانتخابات بالنسبة لكثير من الأطراف مجرد محطة ضمن صراع أكبر يتعلق بشكل الدولة الليبية المقبلة، وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكمها، وموقع كل طرف داخل معادلة السلطة الجديدة.
اليوم تقف ليبيا مرة أخرى أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح خارطة الطريق الجديدة في تحويل الانتخابات إلى بوابة لإنهاء أكثر من عقد من الانقسام والفوضى، وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة المبادرات التي اصطدمت بتضارب المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
ويبقى المؤكد أن معركة الانتخابات في ليبيا ليست معركة صناديق اقتراع فقط، بل معركة على مستقبل الدولة نفسها، وعلى شكل النظام السياسي الذي سيولد من رحم واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً.
يا أهل ليبيا خاصة، والأمة الإسلامية عامة، ندعوكم للعمل على كف يد الغرب التي تعبث في بلادنا وثرواتنا، وحان الوقت لكي نحمي قضايانا المصيرية، وأن نعمل على إيجادها على أرض الواقع، وأهمها إيجاد دولة الخلافة التي من خلالها نستطيع أن نقارع الغرب ونطرده خارج بلادنا، وأن نستثمر ثرواتنا بما يرضي الله. كفانا تعلقاً بحكام خونة ودساتير وضعية وحكومات لا تمثلنا (جمهورية وعلمانية وديمقراطية... وما شاكلها)، ونعود إلى الحكم الذي أمرنا الله عز وجل أن نطبقه، ففيه خيرنا وخير العالم. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
يا شباب الإسلام ويا جيوش المسلمين، استفيقوا واعملوا مع العاملين لإقامة الخلافة الراشدة التي وعدنا بها رسول الله ﷺ، فإنه ليس لنا نجاة إن لم نعد إلى ديننا ونتمسك بالعروة الوثقى.
قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



