- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
عندما تفرض الوقائع السياسية إيقاعها على صُنّاع القرار
منذ اندلاع المواجهة بين أمريكا وإيران، سادت لغة التهديد والوعيد، وارتفعت سقوف التصريحات إلى مستويات أوحت بأن المنطقة مقبلة على حرب طويلة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات. غير أن المشهد لم يلبث أن تغيّر سريعاً، ليظهر ترامب في موقع الساعي إلى إبرام اتفاق عاجل مع طهران، وكأن عجلة التفاوض أصبحت أسرع من طبول الحرب التي كانت تُقرَع قبل أيام قليلة.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة سياسة أمريكا التي تحكمها المصالح قبل المبادئ. فأمريكا، التي تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، تدرك أن الدخول في حرب أمر، والخروج منها أمر آخر تماماً.
وقد أثبتت تجارب العقود الماضية، من أفغانستان إلى العراق، أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي دائماً وفق الحسابات التي رسمها أصحاب القرار.
لقد اكتشفت واشنطن أن أي مواجهة مفتوحة مع طهران لن تكون نزهة عسكرية كما يتصورها البعض، وأن اتساع دائرة الصراع قد يهدد مصالحها في المنطقة، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات صعبة، خصوصاً في ظل حساسية أسواق الطاقة وارتباطها المباشر باستقرار الشرق الأوسط. لذلك بدا أن خيار التفاوض لم يعد مجرد بديل دبلوماسي، بل ضرورة سياسية واقتصادية وأمنية.
أما ترامب، الذي طالما قدّم نفسه بوصفه رجل صفقات لا رجل حروب، فإنه يدرك أن الناخب الأمريكي يهتم بالنتائج أكثر من الشعارات؛ فالحروب الطويلة تستنزف الأموال والموارد، وتُفاقم الأزمات الداخلية.
لكن المراقب للمشهد يلاحظ أن هذا الاستعجال الأمريكي يطرح أسئلة كثيرة. فإذا كانت واشنطن واثقة من قدرتها على تحقيق أهدافها عبر التصعيد العسكري، فلماذا سارعت إلى طاولة التفاوض؟ وإذا كانت الضغوط قد حققت غاياتها كاملة، فما الحاجة إلى تقديم التنازلات والبحث عن تسويات؟
إن هذه الأسئلة تكشف أن لغة القوة، مهما بلغت حدّها، تبقى خاضعة في النهاية لحسابات الواقع وموازين المصالح.
ولعل الحقيقة الأبرز التي كشفتها هذه الأزمة أن الشرق الأوسط ما زال يمتلك القدرة على فرض معادلاته على القوى الكبرى. فالدول العظمى قد تمتلك التفوق العسكري والتكنولوجي، لكنها لا تستطيع تجاهل تعقيدات المنطقة وتشابك ملفاتها وحساسية موقعها الاستراتيجي بالنسبة إلى العالم كله.
وفي خضم هذه التطورات يبقى السؤال الأكبر: هل سيكون هذا الاتفاق نهاية الأزمة، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التوتر؟ فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات التي تُعقد تحت ضغط اللحظة قد تنجح في إخماد النيران، لكنها لا تضمن إزالة أسباب اشتعالها.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن السياسة ليست ساحة للشعارات بقدر ما هي فن إدارة المصالح؛ فحين تتعارض الأهداف، في ظل النظام الرأسمالي، مع كلفة تحقيقها، تصبح التسوية خياراً لا مفر منه، حتى بالنسبة إلى أقوى دول العالم.
ولهذا يبدو أن ترامب لم يندفع نحو الاتفاق حبّاً بطهران، ولا حرصاً على السلام المجرد، بل لأن الوقائع على الأرض أقنعته بأن كلفة استمرار الحرب أكبر بكثير من مكاسبها المحتملة.
وهكذا، بين لغة الصواريخ ولغة المفاوضات، تتجدد حقيقة قديمة مفادها أن الحروب تبدأ حين يظن الجميع أن النصر قريب، لكنها تنتهي عندما يدرك الجميع أن ثمن الاستمرار أصبح أثقل من أن يُحتمل.
لقد آن الأوان لشعوب هذه المنطقة أن تدرك حجم ما تمتلكه من مقومات القوة والتأثير، وأن تتحرر من حالة الارتهان التي جعلت مصيرها رهناً بقرارات القوى الكبرى وصراعاتها.
فهذه الأرض ليست مجرد ساحة تتنافس عليها الدول، بل هي قلب العالم النابض، ومفترق طرق التجارة الدولية، وممرات الملاحة التي تعبر من خلالها ثروات الأمم واقتصاداتها.
وإن الشعوب التي تتحكم بمضائق وبحار وممرات استراتيجية يعبر من خلالها جزء كبير من تجارة العالم لا ينبغي أن تبقى متفرجة على الآخرين وهم يرسمون مستقبلها ويحددون مصيرها. فالقوة ليست دائماً في امتلاك السلاح وحده، بل في امتلاك الإرادة والسيادة وحسن استثمار الموقع والثروة والإمكانات.
ولعل ما تشهده المنطقة اليوم من تنافس دولي محموم يؤكد أن العالم يدرك أهمية هذه الجغرافيا أكثر مما يدركها أبناؤها أحياناً.
ولذلك فإن استعادة القرار المستقل وبناء القوة الاقتصادية والسياسية لم يعودا ترفاً فكرياً ولا شعاراً عاطفياً، بل أصبحا ضرورة وجودية لحماية الأوطان وصون الكرامة. فإذا كانت الأمم العظمى تتسابق من أجل النفوذ في هذه المنطقة لما تمتلكه من أهمية استراتيجية، فالأجدر بأبنائها أن يتسابقوا نحو استعادة مكانتهم الحضارية التي فيها عزهم وكرامتهم.
عندها لن تكون شعوب المنطقة مجرد رقم في معادلات الآخرين، بل رقماً صعباً يصنع الأحداث ويؤثر في موازين العالم، كما كانت صفحات التاريخ يوم كانت تملك زمام أمرها، وتدرك قيمة ما بين يديها من مقدرات ومواقع لا يضاهيها مكان على وجه الأرض.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



