الجمعة، 11 محرّم 1448هـ| 2026/06/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إيران والعتبة النووية: ما الذي يمنع التحول إلى قوة نووية معلنة؟

 

منذ أكثر من عقدين، يحتل الملف النووي الإيراني موقعاً مركزياً في السياسة الدولية، لا لأنه يتعلق فقط بمستقبل برنامج نووي يحتضنه بلد إسلامي يحتل موقعا استراتيجيا، بل لأنه يجسد صراعاً أوسع حول توازن القوى في الشرق الأوسط وطبيعة النظام الدولي نفسه. فالقضية لم تعد منذ زمن مسألة أجهزة طرد مركزي ونسب تخصيب فحسب، بل أصبحت سؤالاً يتعلق بالسيادة والردع والشرعية الدولية وحدود القوة في عالم يكتب الأقوياء قواعده ثم يستثنون أنفسهم منها، وترسم خرائطه حركة رؤوس الأموال لا مواثيق العدالة.

 

بدأ البرنامج النووي الإيراني في عهد الشاه محمد رضا بهلوي بدعم أمريكي مباشر ضمن مشروع "الذرة من أجل السلام" سنة 1953. وبعد ثورة الخميني عام 1979 تعرض البرنامج لانتكاسة مؤقتة قبل أن يعود تدريجياً خلال الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تحول البرنامج إلى محور مواجهة بين إيران والغرب، خصوصاً بعد الكشف عن منشآت نووية حساسة مثل منشأة نطنز. ومنذ ذلك الحين دخل الملف في دوامة من العقوبات والمفاوضات والضغوط المتبادلة.

 

ولم تقتصر المواجهة على الساحة الدبلوماسية. فقد تعرض البرنامج النووي الإيراني على مدى سنوات لسلسلة عمليات تخريب واغتيالات استهدفت علماء بارزين. ومن أشهر الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة محسن فخري زاده، الذي قُتل عام 2020 في عملية نُسبت إلى كيان يهود ويده الطولى الموساد. كما قُتل عدد من العلماء النوويين الإيرانيين في عمليات اغتيال سابقة داخل إيران. وبغض النظر عن التفاصيل العملياتية، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: منع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية عبر استهداف العقول والبنية التحتية التي يقوم عليها البرنامج.

 

غير أن نقطة التحول الكبرى جاءت في نيسان/أبريل 2021 عندما أعلنت إيران بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة كردة فعل على حادثة التخريب التي استهدفت منشأة نطنز. لم يكن الأمر مجرد زيادة تقنية في نسبة التخصيب، بل كان إعلاناً سياسياً مدوّيا بأن إيران باتت تمتلك قدرات لم تكن تمتلكها سابقاً. فمن الناحية التقنية، تمثل نسبة 60 في المائة انتقالاً إلى مستوى متقدم جداً من دورة الوقود النووي، وهي نسبة تفصلها مسافة أقصر بكثير عن مستويات التخصيب المرتبطة بالمواد الانشطارية المستخدمة في الأسلحة النووية (90 بالمائة) مقارنة بالمستويات المدنية التقليدية.

 

منذ تلك اللحظة، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه: إذا كانت إيران قادرة على الوصول إلى هذا المستوى من التخصيب، فلماذا لم تصبح دولة نووية بحكم الأمر الواقع؟

 

للإجابة عن هذا السؤال يجب أولاً التمييز بين القدرة النووية والامتلاك الفعلي للسلاح النووي. فالتاريخ النووي العالمي يُظهر أن امتلاك المعرفة والبنية التحتية لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار إنتاج السلاح. واليوم توجد خمس دول تعترف بها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كدول نووية رسمية هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة. بل إن النادي النووي نفسه منقسم إلى فئتين: قوتين نوويتين عظميين (روسيا وأمريكا) ثم بقية الدول النووية بفارق كبير جداً.

 

كما أن الواقع الدولي أكثر تعقيداً من النصوص القانونية، إذ توجد دول أخرى خارج هذا الإطار مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية تمتلك أو يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك أسلحة نووية، وكذلك الأمر بالنسبة لكيان يهود.

 

وهنا تظهر المفارقة التي كثيراً ما يثيرها الإيرانيون وأنصارهم: إذا كانت الهند وباكستان وكيان يهود قد أصبحت دولاً نووية بحكم الأمر الواقع، فلماذا يُنظر إلى الطموح النووي الإيراني بوصفه خطراً استثنائياً؟

 

الجواب الرسمي الذي تقدمه الدول الغربية يتمثل في أن إيران عضو في معاهدة عدم الانتشار النووي، وبالتالي فإن عليها التزامات قانونية تختلف عن التزامات دول لم تنضم أصلاً إلى المعاهدة. لكن هذا التفسير لا يجيب وحده عن السؤال السياسي. فالكثير من المراقبين يرون أن القضية تتعلق أيضاً بالتحالفات وموازين القوى. فكيان يهود يرتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، والهند أصبحت شريكاً مهماً لأمريكا في موازنة صعود الصين، بينما إيران قوة متمردة، لها طموحات نووية وأذرع إقليمية ويمكن لحرسها الثوري أن ينفلت من عقاله ويجعل منها قوة مناوئة للنفوذ الأمريكي، رغم عقود من الدوران في فلك أمريكا. ومن ثم، فإن الموقف من الانتشار النووي لا يُفهم إلا من خلال عدسة السياسة ومن زاوية العداء الحضاري للإسلام والمسلمين، وليس من خلال نصوص المعاهدات التي تُنتقى كما يُنتقى العنب.

 

مع ذلك، فإن التركيز على العامل الخارجي وحده لا يكفي لفهم الموقف الإيراني. فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت القيادة الإيرانية نفسها ترى مصلحة أكيدة في التحول إلى دولة نووية معلنة. فامتلاك السلاح النووي يمنح ردعاً هائلاً، ويجعل التفكير في إسقاط النظام بالقوة أو شن حرب شاملة ضده أكثر صعوبة. وتجربة كوريا الشمالية كثيراً ما تُستدعى في هذا السياق بوصفها مثالاً على دولة فقيرة ومعزولة نجحت في فرض معادلة ردع جعلت القوى الكبرى تتعامل معها بحذر شديد.

 

لكن في المقابل، فإن التحول إلى دولة نووية معلنة قد يترتب عليه في أذهان البعض ثمن أكبر مما دفعه الإيرانيون إلى حد الآن، وقد يجر المنطقة إلى سباق تسلح نووي لا تريد ضمنه دولة بوزن تركيا (التي تطور برنامجها بهدوء وتستضيف حوالي 20 رأسا نوويا أمريكيا في قاعدة إنجرليك) أن تبقى ضمن هامش ردعي تحدده قوى أخرى. كما أن إيران نفسها قد تفضل أحياناً البقاء في موقع "الدولة العتبة"، أي الدولة القادرة على الاقتراب من السلاح بسرعة من دون إعلان امتلاكه. فهذا الموقع يمنحها جزءاً من مزايا الردع مع تجنب بعض كلفة الإعلان الرسمي.

 

ومن هنا يمكن القول إن العقدة الأساسية في الملف النووي الإيراني لم تعد تقنية بالدرجة الأولى. فبعد عقود من الاستثمار والتطوير والعقوبات والضغوطات، أصبح الجدل يدور بدرجة متزايدة حول الإرادة السياسية والحسابات الاستراتيجية. وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع إيران الاقتراب من القدرة النووية؟ بل: هل تمتلك الإرادة السياسية التي تمكنها من عبور الخط الفاصل بين دولة عتبة ودولة نووية معلنة؟

 

في نهاية المطاف، يبقى الملف النووي الإيراني أحد أكثر ملفات القرن الحادي والعشرين تعبيراً عن التداخل بين القانون والقوة والسيادة، أو بالأحرى عن منطق قانون الغاب الذي يحكم عالم اليوم. فهو يكشف أن النظام الدولي لا يعمل فقط وفق النصوص والمعاهدات، بل أيضاً وفق موازين القوى والمصالح المتقلبة. كما يطرح سؤالاً سيظل مطروحاً ما دامت إيران تحتفظ بقدراتها النووية المتقدمة: هل سيبقى الوضع عند حدود الردع الكامن، أم أن المنطقة والعالم سيشهدان في يوم ما ولادة قوة نووية جديدة بحكم الأمر الواقع؟ الدرس المستفاد من التجربة الإيرانية، هو أن فك الارتباط بالمنظومة الغربية أمر ممكن.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع