الثلاثاء، 07 صَفر 1448هـ| 2026/07/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصراع والعلاقة بين الجيش الإيراني والحرس الثوري ونقاط الضعف

 

نشأ الحرس الثوري عام 1979 بمرسوم من آية الله الخميني، بعد فترة وجيزة من وصول الإسلاميين إلى السلطة عقب الثورة، ليكون أداة لحماية النظام السياسي الجديد من خصومه الداخليين والخارجيين. ونص الدستور الإيراني على أن "تبقى قوات الحرس راسخة ثابتة من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها". كذلك جعل الدستور من "الإيمان والعقيدة أساساً وقاعدة" لتجهيز القوات المسلحة، مشدداً على أن الأخيرة لا تلتزم "بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإيمانية وهي الجهاد".

 

وقد تطور الحرس الثوري من مليشيا عقدية إلى واحدة من أقوى مؤسسات الدولة؛ إذ يمتلك قدرات عسكرية ضخمة، وتمتد شبكات نفوذه إلى الاقتصاد، والاستخبارات، والسياسة الإقليمية. وفي هذا السياق، يصف دافيد خلفا، الباحث في مؤسسة جان جوريس بفرنسا، الحرس الثوري بأنه "إمبراطورية داخل إمبراطورية"، وفقاً لما نقلته وكالة فرانس برس.

 

يضيف خلفا أن الحرس "يسيطر عملياً على الاقتصاد الإيراني"، مقدّراً موازنته السنوية بما بين 6 إلى 9 مليارات دولار، وهي تمثل نحو 40% من الميزانية العسكرية الرسمية لإيران. وتذهب تحليلات صحفية أبعد من ذلك لتؤكد أن الحرس ليس مجرد قوة مسلحة، بل هو اقتصاد قائم بذاته يقوده ذراعه الهندسي والاستثماري الأبرز مقر خاتم الأنبياء، إلى جانب شبكات من الشركات شبه الحكومية التي تُقدّر قيمتها بنصف الناتج المحلي الإجمالي، وتستحوذ على أكثر من نصف عائدات تصدير النفط المخصصة لقوات الأمن في ميزانية عام 1404 الهجري الشمسي، فضلاً عن ارتباطه بتكتلات تابعة لمكتب المرشد تُقدّر قيمتها بنحو مائتي مليار دولار.

 

يعود السبب الرئيسي لنشأة الحرس الثوري إلى عدم ثقة الخميني بالجيش النظامي (الأرتيش) الذي جرى إضعافه وتطهيره بشكل كبير عقب الثورة. فبحسب تقارير تاريخية، غادر الشاه البلاد في 16 كانون الثاني/يناير 1979 وعيّن شابور بختيار رئيساً للحكومة، ورغم عودة الخميني من منفاه في الأول من شباط/فبراير 1979، ظل كبار ضباط الجيش محتفظين بولائهم للشاه وعدائهم المطلق للثورة في أيامها الأولى.

 

وتكشف وثائق رُفعت عنها السرية أن الخميني - في ذروة الحراك الثوري وفي غمرة خطابه المعلن ضد واشنطن - تواصل سراً مع الولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير 1979، مرسلاً رسالة مفادها أن الشعب يستمع إليه بينما ينصاع الجيش لأمريكا. ووعد الخميني واشنطن بأنه إذا أقنعت الجيش بالحياد والسماح له باستلام الحكم، فإنه سيحافظ على الاستقرار الإقليمي ويضمن مصالح أمريكا.

 

يشير الناشط السياسي الكردي الإيراني، آسو قادري، المقيم في أوروبا، إلى أن التوتر بين الحرس الثوري والجيش ليس نزاعاً حول الإصلاح أو الرغبة في تغيير البنية السياسية، بل هو "تنافس محتدم على السلطة والنفوذ". ويضيف قادري في تصريح لقناة الحرة: "نظرياً، يُعتبر مجتبى خامنئي مرشحاً بارزاً في صناعة القرار بالجمهورية الإسلامية، لكنه عملياً لا يضطلع بالدور الحاسم الفردي ذاته الذي يمارسه والده. وقد أدى ذلك إلى انتقال مراكز القوة الفعلية لشبكة أمنية وعسكرية تتنافس فيها دوائر نفوذ متعددة وتتعاون في الوقت عينه، حيث يسعى الحرس الثوري لتعزيز قبضته على كافة مفاصل الدولة".

 

وقد طرحت صحيفة "الجمهورية الإسلامية" اليومية الإيرانية في وقت سابق سؤالاً كان يُعد محرماً لعقود: "هل ما زالت الدولة قادرة على تحمل كلفة جيشين؛ الجيش النظامي (الأرتيش)، والحرس الثوري؟".

 

وأشارت الصحيفة إلى أن تمدد الحرس في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية والإعلام جعله مؤسسة فئوية يثور حولها الجدل داخلياً، وذريعة مستمرة للضغط الدولي خارجياً. إن وجود جيشين لم يكن يوماً مسألة كفاية عسكرية، بل كان استراتيجية صريحة لبقاء النظام: جيش تقليدي يدافع عن الحدود، وقوة عقدية موازية تراقب هذا الجيش، وتضبط المجتمع، وتوازن القوى بين الفصائل السياسية. ورغم أن الخميني أقر تاريخياً بفكرة دمج القوتين مستقبلاً، ورغم محاولة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني دمج وزارتيهما في وزارة دفاع واحدة، إلا أن دمج القوات الفعلي على الأرض تم إجهاضه وظل معطلاً.

 

يُوصَف الحرس الثوري بأنه دولة داخل الدولة، لكن القراءات التحليلية الأعمق تفككه إلى ثلاث كتل متناقضة ترتدي زياً واحداً:

 

1. الهيئة الأيديولوجية العقائدية: الخاضعة مباشرة لولاية الفقيه (والتي ضعفت نسبياً مع التغيرات السياسية الداخلية).

 

2. الجهاز العسكري المحترف: المبني عقائدياً على فلسفة الاستشهادية والمواجهة.

 

3. الأوليغارشية المالية: القائمة على شبكات المصالح وثقافة البقاء والمناورة.

 

ويخلق هذا التكوين تناقضاً بنيوياً؛ فبينما تدفع العقيدة العسكرية نحو الصدام والقتال حتى النهاية، تميل الأوليغارشية المالية لثقافة البقاء التي تقبل بالتفاوض والتكيف والتنازل لحماية شبكة مصالحها الاقتصادية.

 

تنعكس هذه الازدواجية بوضوح على المشهد الراهن، حيث تشير تقارير إعلامية مثل إيران إنترناشيونال إلى وجود خلافات حادة بين الجناح الحكومي التنفيذي برئاسة مسعود بزشكيان، والقيادات العسكرية والأمنية النافذة في الحرس الثوري وحلفائهم (مثل أحمد وحيدي والقيادات العسكرية العليا). ويتمحور الخلاف حول التداعيات الاقتصادية والمجتمعية المترتبة على التصعيد الإقليمي المستمر مع كيان يهود والولايات المتحدة.

 

وبينما يدعو الجناح المدني بزشكيان لإعادة الصلاحيات الإدارية والتنفيذية للحكومة للتخفيف من حدة الأزمات المعيشية، تصر القيادات الأمنية للحرس الثوري على الاحتفاظ بإدارة الملفات الاستراتيجية والمالية المرتبطة بمحور التصعيد.

 

إن هذا التعدد في مراكز القرار والقيادة يمثل ثغرة جوهرية في بنية النظام الإيراني، خصوصاً مع نجاح استخبارات الغرب وكيان يهود في تنفيذ اختراقات أمنية واسعة تجسدت في سلسلة الاغتيالات المتتالية لقادة الصف الأول في الحرس الثوري؛ ما يكشف عن انكشاف أمني واضح يعزز الانقسام الداخلي بين تيار عقدي متصلب، وتيار واقعي يبحث عن تسويات تضمن بقاء النظام واستمراريته.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسن حمدان

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع