الخميس، 07 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/20م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدين الأمريكي يقترب من 40 تريليون دولار

هل يهدد النظام المالي العالمي بالانهيار؟

 

لم يعد الدين الأمريكي مجرد قضية داخلية تخص الموازنة الفيدرالية في واشنطن، بل تحول إلى أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد العالمي. فمع اقتراب إجمالي الدين الفيدرالي الأمريكي من 40 تريليون دولار (حسب وزارة الخزانة الأمريكية - بيانات الدين الفيدرالي)، يصبح السؤال: من يدفع ثمن هذا الدين؟ وماذا يحدث إذا بدأت الأسواق تفقد ثقتها في قدرة واشنطن على السيطرة عليه؟

 

وتُظهر بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن الدين الفيدرالي يقترب من مستوى 40 تريليون دولار، بينما تفصل البيانات بين الدين الذي يحمله الجمهور (وهو إجمالي المبلغ الذي تقترضه الحكومة الأمريكية من خارج الحكومة نفسها)، والدين الحكومي الداخلي (وهو سندات دين أصدرتها الخزانة الأمريكية واشترتها صناديق حكومية مختلفة فائضة النقد، مثل إدارة الضمان الاجتماعي وصناديق التأمين الصحي... إلخ). وتوفر وزارة الخزانة بيانات الدين بصورة يومية، بما في ذلك توزيع الدين بين حيازات الجمهور والحيازات الحكومية الداخلية.

 

لم يتراكم هذا الدين نتيجة أزمة واحدة، وإنما هو حصيلة عقود من العجز المتكرر، أي أن الحكومة الأمريكية تنفق، في كثير من السنوات، أكثر مما تجمعه من الإيرادات. فعندما يتجاوز الإنفاق الإيرادات، تلجأ وزارة الخزانة إلى إصدار سندات وأذون خزانة لتمويل العجز. وبمرور السنوات، تتراكم هذه الاقتراضات لتشكل الدين الفيدرالي.

 

وتتداخل في هذه العملية عوامل عديدة: الإنفاق العسكري، والبرامج الإنسانية، والرعاية الصحية، والأزمات الاقتصادية، وحزم التحفيز، ثم ارتفاع تكلفة الربا على الدين نفسه.

 

وتكشف أحدث توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس أن العجز الفيدرالي الأمريكي في السنة المالية 2026 يُتوقع أن يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار، بينما يبلغ الدين الذي يحمله الجمهور نحو 31.75 تريليون دولار في نهاية السنة المالية. كما يتوقع المكتب ارتفاع نسبة الدين الذي يحمله الجمهور إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2036، إذا استمرت القوانين والسياسات الحالية. والدين داخل الحكومة هو 7.72 تريليون دولار.

 

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: أن الولايات المتحدة لا تواجه فقط ديناً ضخماً متراكماً، وإنما تواجه أيضاً عجزاً سنوياً مستمراً يضيف ديناً جديداً إلى الدين القديم. المشكلة تبدأ عندما يصبح نمو الدين أسرع من قدرة الاقتصاد والإيرادات الحكومية على تحمله. وهنا تتحول الفائدة (الربا) من مجرد تكلفة إلى عامل يفاقم المشكلة. فكلما زاد الدين، زاد الربا. وكلما زاد الربا، زاد الإنفاق الحكومي. وإذا لم ترتفع الإيرادات بالقدر نفسه، يزداد العجز، فتحتاج الحكومة إلى اقتراض جديد، وهكذا تتشكل دائرة.

 

وتُظهر بيانات وزارة الخزانة أن مدفوعات الربا على الدين الفيدرالي أصبحت بنداً بالغ الأهمية في الموازنة الأمريكية.

 

هل يستطيع الاقتصاد الأمريكي الخروج من المأزق؟

 

نظرياً نعم، لكن الخيارات كلها مكلفة سياسياً واقتصادياً، وأمام واشنطن أربعة مسارات رئيسية:

 

أولاً: خفض الإنفاق: وهو الخيار المباشر، لكنه سياسياً شديد الصعوبة، خصوصاً عندما يتعلق بالضمان (الاجتماعي) والرعاية الصحية والدفاع.

 

ثانياً: زيادة الإيرادات والضرائب: ويمكن للحكومة رفع الإيرادات عبر الضرائب أو إلغاء بعض الإعفاءات، لكن ذلك قد يواجه مقاومة سياسية واقتصادية ومجتمعية.

 

ثالثاً: تحقيق نمو اقتصادي أعلى: وهو السيناريو الأقل ألماً؛ فإذا نما الاقتصاد بوتيرة أسرع من نمو الدين، يمكن أن تنخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي حتى دون سداد الدين بالكامل.

 

رابعاً: التضخم: يمكن أن يقلل التضخم القيمة الحقيقية لبعض الديون القديمة، لكنه ليس حلاً مجانياً؛ إذ قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الربا، وتآكل القوة الشرائية، وتقويض الثقة بالدولار وهذا أمر خطير جدا.

 

ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكمن في "طباعة النقود" لسداد الدين، وإنما في تقليص العجز، وضبط الإنفاق، وزيادة الإيرادات، وتحقيق نمو اقتصادي كافٍ.

 

الدين الأمريكي يهدد النظام المالي العالمي ويمثل خطراً متزايداً، لكنه لا يعني أن الانهيار العالمي أصبح وشيكاً. فالولايات المتحدة تتمتع بميزة استثنائية: الدولار (هذا الدولار له ثقة عالية في شراء السلع والخدمات بضمان الحكومة الأمريكية، وبالتالي فإن مشكلة انهيار العملة لا تعود لانعدام الثقة فقط ولكن تعود لكون هذا الدولار هو مجرد ورقة ولا يحمل قيمة حقيقية ولا يستند إلى أي معدن هو العملة الرئيسية في الاحتياطيات والمعاملات الدولية، وسندات الخزانة تمثل أحد أهم الأصول الآمنة والسيولة في النظام المالي العالمي.

 

ولهذا تستطيع واشنطن الاقتراض بمستويات لا تستطيع معظم الدول تحملها، لكن هذه القوة نفسها تجعل أي أزمة ثقة في الدين الأمريكي أكثر خطورة على العالم. فإذا بدأ المستثمرون يعتقدون أن الدين الأمريكي ينمو بوتيرة لا يمكن السيطرة عليها، فقد يطالبون بعوائد أعلى على سندات الخزانة مقابل تحمل المخاطر. وارتفاع العوائد يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، لكنه لا يتوقف عند حدود الولايات المتحدة؛ لأن أسعار الربا الأمريكية تؤثر في تكلفة التمويل والأسواق والأصول والعملات حول العالم.

 

وقد حذر مكتب الميزانية في الكونغرس من أن ارتفاع مستويات الدين يمكن أن يزيد مخاطر حدوث أزمة مالية، وأن فقدان المستثمرين الثقة في قدرة الحكومة الأمريكية على إدارة الدين يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات مفاجئة في أسعار الربا واضطرابات مالية واقتصادية.

 

الأزمة لا تبدأ عندما يصل الدين إلى رقم سحري مثل 40 أو 50 تريليون دولار؛ بل إن لحظة الخطر الحقيقية تبدأ عندما تتغير ثقة الأسواق. فطالما أن المستثمرين يعتقدون أن الولايات المتحدة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، سيستمر الطلب على سندات الخزانة. لكن إذا أصبح الاعتقاد السائد أن "الدين ينمو أسرع من قدرة الحكومة على السيطرة عليه"، فإن المستثمرين سيطالبون بعوائد أعلى. وإذا تطور الأمر إلى: "نريد تقليل تعرضنا للدين والدولار"، فقد تدخل الأسواق في مرحلة أكثر خطورة. وهنا يمكن أن تبدأ الأزمة من سوق السندات، ثم تنتقل إلى البنوك والمؤسسات المالية والعملات والأسهم والاقتصاد الحقيقي. حينها ستكون الأزمة الأمريكية أزمة عالمية؛ لأن سندات الخزانة الأمريكية ليست مجرد أدوات اقتراض محلية، بل إنها موجودة في ميزانيات البنوك، وصناديق التقاعد، وشركات التأمين، والبنوك المركزية والحكومات حول العالم، كما أن الدولار يحتل موقعاً محورياً في التجارة الدولية والاحتياطيات والتمويل.

 

ولهذا فإن حدوث اضطراب حاد في سوق الخزانة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الولايات المتحدة، وقد يكون السيناريو الأكثر خطورة على النحو التالي: فقدان الثقة بالدين الأمريكي - ارتفاع عوائد سندات الخزانة - ارتفاع تكلفة الاقتراض عالمياً - انخفاض قيمة بعض الأصول وظهور ضغوط على المؤسسات المالية - تراجع الاستثمار والنمو - اضطراب في العملات والأسواق العالمية. لكن هذا يبقى سيناريو أزمة محتملة وليس توقعاً مؤكداً.

 

تكتسب السنوات المقبلة أهمية خاصة؛ لأن مكتب الميزانية في الكونغرس يتوقع استمرار ارتفاع الدين. ووفق توقعاته الحالية، يرتفع الدين الذي يحمله الجمهور إلى نحو 120% من الناتج المحلي بحلول عام 2036. وهذا يعني أن عدم معالجة العجز اليوم يجعل الخيارات المتاحة أمام واشنطن أكثر صعوبة غداً.

 

ومن هنا فإن القضية لم تعد مجرد سؤال عن "حجم الدين"، بل عن قدرة النظام السياسي الأمريكي على اتخاذ قرارات مؤلمة قبل أن تجبره الأسواق على اتخاذها.

 

الخطر ليس الإفلاس.. بل أزمة الثقة

 

الولايات المتحدة ليست على وشك إعلان إفلاسها، ولا توجد حالياً مؤشرات تسمح بتحديد موعد لانهيار النظام المالي العالمي. لكن الخطر الحقيقي يكمن في مسار طويل من الدين المتزايد، والعجز المستمر، وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

 

والسؤال الذي سيحدد مستقبل النظام المالي العالمي هو: "إلى متى سيظل العالم مستعداً للاحتفاظ بالدولار وسندات الخزانة الأمريكية باعتبارهما من أكثر الأصول أماناً؟"

 

فإذا بقيت الثقة، تستطيع واشنطن إدارة دينها لفترة طويلة، أما إذا بدأت الثقة تتآكل، فإن حجم الدين البالغ نحو 40 تريليون دولار قد يتحول من أداة تمويل إلى مصدر لأزمة مالية تمتد آثارها إلى العالم بأسره.

 

ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن تستيقظ الأسواق صباحاً وتجد أن أمريكا "أفلست"، وإنما أن تبدأ الأسواق تدريجياً في رفع تكلفة الثقة بأمريكا. وهنا قد تبدأ الأزمة قبل أن يصل العالم إلى لحظة الانهيار التي يخشاها الجميع.

 

هذه هي الرأسمالية التي تحمل بذور موتها منذ نشأتها، فهذه البذور أصبحت تقتلع جذور الرأسمالية من أصلها، وتقترب النهايات، ولكن الخاسر الوحيد هو البشرية، حتى في نهاياتها، وبالٌ على هذا العالم.

 

إن الحل الأصيل هو بالعودة إلى تحكيم شرع الله الذي أنزله لرعاية شؤون البشرية، كي يعيشوا بهناء متوافقين مع فطرتهم، خاضعين ومُلبّين نداء ربهم الذي خلقهم ليعيشوا في هذه الدنيا بسلام، وينتقلوا إلى ربهم وهو راضٍ عنهم.

 

وهذا الكلام لا يتحقق إلا إذا عدنا إلى استئناف الحياة الإسلامية، وأن نحكم بشرع الله، ونحكم العالم بهذا الشرع الذي يملأ الكون عدلاً ونوراً، ويعيد للإنسانية رونقها وعزها. فاعملوا مع العاملين على إعادة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فإنها هي الفوز في الدنيا والآخرة، ولا يهنأ العيش إلا بها.

 

قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع