- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الصراع على خريطة البلاد الإسلامية
تفكيك الجغرافيا أم احتواء القوة؟
لم تعد خريطة العالم في القرن الواحد والعشرين مجرد خطوط تفصل بين الدول، ولم تعد الحدود السياسية وحدها معياراً لقياس قوة الأمم. فخلف كل حدود قصة مصالح، وخلف كل تحالف حسابات قوة، وخلف كل ممر بحري أو بري صراع على من يملك القدرة على التحكم في حركة التجارة والطاقة والأمن.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يصعب النظر إلى البلاد الإسلامية باعتبارها مجرد مجموعة من الدول المتجاورة جغرافياً؛ فهي تمتد على مساحة تربط ثلاث قارات، وتدين بدين الإسلام، وتجمعها لغة القرآن وتاريخ لا تمحوه السنون، وتشرف على أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم، وتضم مصادر ضخمة للطاقة، وتملك ثقلاً سكانياً واقتصادياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله. ولهذا لم تكن البلاد الإسلامية، ولا سيما الشرق الأوسط، بعيدة يوماً عن صراع القوى الكبرى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو الأكثر حساسية: هل الصراع الدولي على البلاد الإسلامية اقتصادي وسياسي وجيوسياسي فحسب، أم أن أحد أهدافه الأساسية هو منع تشكّل قوة إسلامية كبرى قادرة على إعادة رسم ميزان القوى العالمي؟
لفهم الصراع الحالي، لا بد من العودة إلى نقطة التحول الكبرى في تاريخ المنطقة؛ هدم الكافر المستعمر دولة الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
ففي عام 1916 أبرمت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس بيكو، التي تناولت مناطق النفوذ والمصالح في الأراضي العربية التابعة لدولة الخلافة، ضمن ترتيبات دولية أوسع أعقبت الحرب العالمية الأولى. ثم جاءت الانتدابات والتسويات السياسية اللاحقة لتسهم في تشكيل النظام الإقليمي الجديد. فخريطة المنطقة تشكلت عبر سلسلة طويلة من الحروب والمؤتمرات والانتدابات والثورات والتسويات. لكن النتيجة الاستراتيجية كانت واضحة: انتقلت المنطقة من فضاء سياسي واسع كانت تجمعه خلافة واحدة إلى مجموعة من الدول ذات الحدود والسيادات والمصالح الوطنية المنفصلة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت المنطقة أكثر قابلية لدخول القوى الدولية والإقليمية في منافسات منفصلة مع كل دولة على حدة، وصراعات دولية على المنطقة.
فالإسلام، باعتباره ديناً، لم يختفِ، ولم تستطع القوى الاستعمارية القضاء عليه، بل بقي حاضراً بقوة في المجتمعات بشكل عام والبلاد الإسلامية خاصة. فالبلاد التي يجمعها الإسلام، واللغة، والتاريخ المشترك، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والموارد الطبيعية، والأسواق الكبيرة، والقوة البشرية، والقدرة العسكرية، لن تكون مجرد قوة إقليمية عادية.
البلاد الإسلامية... جغرافيا القوة
تكمن أهمية البلاد الإسلامية في أنها تملك عدداً من أهم مفاتيح النظام العالمي. فهي تطل على الخليج العربي، والبحر الأحمر، والبحر المتوسط، والمحيط الهندي، وترتبط بقناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، وتقع بين المراكز الصناعية الكبرى في أوروبا وآسيا. وتزداد أهمية هذه الجغرافيا بسبب الطاقة والتجارة العالمية. ولهذا فإن الصراع على المنطقة لا يمكن فصله عن الصراع على الممرات البحرية، ومصادر الطاقة، والأسواق، وسلاسل الإمداد، والموانئ، وشبكات البنية التحتية.
لكن الجغرافيا ليست وحدها، فالمنطقة تقع أيضاً عند تقاطع مشاريع القوى الكبرى: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، إضافة إلى القوى الإقليمية الكبرى مثل تركيا وإيران والسعودية وكيان يهود.
وهكذا أصبحت المنطقة ساحة يتداخل فيها الصراع الدولي مع الصراع الإقليمي.
العراق: ربما كان العراق أحد أوضح الأمثلة على خطورة انهيار الدول المركزية. فبعد الغزو الأمريكي عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، لم ينتهِ الأمر بمجرد تغيير السلطة، وإنما أُعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي بصورة عميقة.
انهارت مؤسسات الدولة، وظهرت قوى سياسية وعسكرية جديدة، واتسع النفوذ الإيراني بإشراف أمريكي، ثم دخل العراق في سنوات من العنف الطائفي والإرهاب، وصولاً إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية.
لم يكن من الممكن اختزال الحرب في هدف واحد؛ فقد تداخلت اعتبارات الأمن الأمريكي، والسياسة الداخلية الأمريكية، وأمن كيان يهود، والنفط، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، والتنافس الإقليمي. لكن النتيجة التي لا يمكن تجاهلها هي أن إضعاف العراق أدى إلى تغيير كبير في ميزان القوى الإقليمي.
واليوم، وبعد تغيّر الأجندة الأمريكية، يعاني العراق من حروب طائفية، وتغيير في نفوذ القوى، حيث تعمل أمريكا وحلفاؤها على إخراج نفوذ إيران من العراق، وقد تعمل على إعادة السلطة إلى سنّة العراق. وبما أن ساحة الحرب مشتعلة مع إيران، ومن أهدافها تقليص نفوذ إيران خارج أراضيها، فسوف يعيش الشعب العراقي ويلات جديدة، وقد يحدث تقسيم وتغيير في خارطة المنطقة بما يخدم مصالح أمريكا في المقام الأول، ومصالح كيان يهود، وما يؤدي إلى بيئة مستقرة في كنتونات صغيرة تسمح للمنطقة بالازدهار الاقتصادي (دون وحدة حقيقية) الذي يصب في مصلحة أمريكا حصراً.
ليبيا: ففي عام 2011 أدى التدخل العسكري الدولي إلى سقوط نظام معمر القذافي، لكن الدولة لم تنتقل إلى مرحلة مستقرة، بل دخلت في انقسام سياسي وعسكري طويل.
وهنا تظهر قاعدة شديدة الأهمية في السياسة الدولية: إسقاط النظام أسهل بكثير من بناء الدولة. وعندما تسقط الدولة المركزية دون وجود مشروع سياسي قادر على ملء الفراغ، فإن النتيجة قد تكون صراعاً داخلياً مفتوحاً، وتنافساً بين القوى الإقليمية والدولية، وتحول البلاد إلى ساحة نفوذ بدل أن تصبح دولة مستقرة ذات قرار مستقل.
سوريا: لقد أصبحت سوريا نموذجاً أكثر وضوحاً لتداخل صراعات النفوذ، وليس مجرد صراع دولي. ولم تعد الحرب السورية مجرد صراع داخلي؛ بل تحولت إلى صراع على مستقبل الدولة نفسها، وعلى موقعها في النظام الإقليمي.
لا تحتاج القوى الكبرى دائماً إلى احتلال دولة كي تؤثر في مستقبلها؛ بل يكفي أن تمتلك القدرة على التأثير في القوى الموجودة داخلها وحولها. وهذا ما حدث فعلاً في سوريا. فبعد أن أضعفت أمريكا نفوذ إيران في سوريا، وحاولت أن تضغط على النظام السوري بخسارة مناطق خفض التصعيد، لم تسر الأمور كما يحلو لها، فتحركت الجموع على سجيتها وأسقطت رأس النظام وتغيرت الخطة، ولكن كون هذه الجموع لم يكن لها مشروع حاضر، استطاعت القوى الغربية الالتفاف من جديد وإكمال خطتها القديمة الجديدة فتم إسقاط النظام بطريقة ليست على هوى القوى الغربية، ولكنها استطاعت أن تجد لها مخرجاً.
واليوم يتم تطويع سوريا ضمن الأجندة المخطط لها؛ فلم يتغير النظام، وإنما تغير رأس النظام، وبقيت التبعية هي نفسها، وما خُطّط للمنطقة يُدار على قدم وساق.
ولعل أكبر نقاط الضعف في البلاد الإسلامية: التجزئة الداخلية التي تتيح للقوى الخارجية أن تتعامل مع المنطقة من خلال دول منفصلة، بدل التعامل معها ككتلة واحدة.
تركيا: فهي دولة ذات أغلبية مسلمة، وعضو في حلف الناتو، وقوة عسكرية واقتصادية مهمة، وتسيطر جغرافياً على نقطة اتصال بين أوروبا وآسيا، وتمتلك مصالح مباشرة في البحر الأسود والقوقاز وسوريا والعراق وشرق المتوسط. ولهذا فإن تركيا ليست مجرد دولة إقليمية، بل هي إحدى الدول التي يمكن أن تؤثر في شكل النظام الإقليمي المقبل بالنسبة لأمريكا.
وإن هذا التحالف الجديد الذي وقّع عليه ابن سلمان، وأردوغان، وشهباز شريف، بشأن الدفاع المشترك لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، على حد تعبيرهم، كما جاء في (وكالة الأنباء السعودية بتاريخ 7/8/2026)، إن هذا التحالف هو تحالف أمريكي بامتياز حيث "تريد أمريكا أن يكون لهذه الدول الثلاث الموالية لها دور معين في المنطقة وخاصة ضد إيران وضد أهل المنطقة المسلمين"، كما جاء في جواب سؤال أصدره أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة، بتاريخ 18/8/2026، بعنوان: "التحالف الثلاثي السعودي التركي الباكستاني"، وفيه تفصيل لمن أراد التوسع.
فإذا كانت البلاد الإسلامية تعاني من التدخل الخارجي، فإنها تعاني في الوقت نفسه من تنافس داخلي بين مراكزها الكبرى: فالسعودية تمتلك ثقلاً مالياً وطاقة ومكانة دينية. وتركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعية وموقعاً استراتيجياً. وإيران تمتلك عمقاً جغرافياً وشبكات نفوذ إقليمية وقدرات عسكرية وصاروخية. وباكستان تمتلك قدرات عسكرية ونووية وسكانية كبيرة. ومصر تمتلك موقعاً جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً بالغ الأهمية.
وإن أي واحدة منها لقادرة على قلب أي معادلة لو تبنّت مصالح الأمة الإسلامية ورفضت الارتماء تحت أقدام الغرب كما يفعل حكام اليوم، فإن النتيجة ستكون مختلفة جذرياً عن الوضع الحالي. ويجب أن يكون التغيير جذرياً ويحمل مفهوم الأمة حتى يُكتب له أسباب النصر، ولا يقع في السيطرة الحديثة، وهي سيطرة الشبكات.
من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الشبكات
في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان النفوذ يقاس بالاحتلال والسيطرة المباشرة على الأرض. أما اليوم، فقد تستطيع دولة أن تكون مستقلة سياسياً، لكنها تعتمد في أمنها على دولة أخرى، وفي اقتصادها على سوق أخرى، وفي التكنولوجيا على دولة ثالثة، وفي نظامها المالي على مؤسسات دولية لا تملك السيطرة عليها. ولهذا أصبح الاستقلال الحقيقي أكثر تعقيداً؛ لذلك فالتغيير الجذري هو المراد. فالاستقلال في القرن الواحد والعشرين لا يعني فقط امتلاك العَلَم والحدود، بل امتلاك القدرة على اتخاذ القرار دون أن يستطيع الخارج خنق الاقتصاد أو الطاقة أو الأمن أو التجارة.
وبذلك لم يعد الصراع بين القوى الكبرى صراعاً على احتلال الأرض فقط، بل أصبح صراعاً على من يملك شبكات النفوذ التي تحدد حركة الأرض والاقتصاد والتجارة والأمن.
كل قوة كبرى تسعى إلى منع ظهور قوة إقليمية قادرة على تغيير ميزان القوى ضد مصالحها. وهذه القاعدة لا تنطبق على البلاد الإسلامية وحدها، ولكن الإسلام يمتلك مبدأً ينسف المبدأ الرأسمالي من أساسه.
فالصين تواجه سياسة احتواء لأنها أصبحت قوة دولية صاعدة، وروسيا دخلت في مواجهة مع الغرب بسبب الأمن الأوروبي ومجال نفوذها. لكن البلاد الإسلامية تمتلك خصوصية إضافية: الموقع والجغرافيا والطاقة والسكان والعمق الحضاري. ولهذا فإن ظهور كتلة إسلامية مستقلة لن يكون حدثاً إقليمياً محدوداً، بل يمكن أن يصبح حدثاً عالمياً.
لذلك نجد أن حزب التحرير قد وعى هذه المسألة، فجعل الفكرة الإسلامية هي الروح لجسده، وهي نواته وسر حياته، واتخذ طريقه لإنهاض الأمة الإسلامية وتحريرها من الأفكار الكفرية وأنظمتها وأحكامها، وهو يعمل لإعادة دولة الخلافة إلى الوجود، وتوحيد المسلمين، وحثهم على حمل مبدئهم الرباني، الذي سوف ينقل العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويعيد لهذه الأمة عزها الذي فقدته مع غياب دولتها وراعيها.
فلا ينقص الأمة اليوم أي شيء سوى العزيمة والإرادة، والتمسك بالعروة الوثقى، والاعتماد الكلي على الله وحده لا شريك له، فهو صاحب النصر. فسارعوا أيها المسلمون، سارعوا يا أهل القوة والمنعة، والتحقوا بالدعوة، والعمل لإقامة الخلافة على منهاج النبوة مع حزب التحرير.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



