الإثنين، 11 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/24م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

"لا تتدخلوا في السياسة! فإن السياسة نجاسة!"

 

 

يقول البعض: "لا تتدخلوا في السياسة! السياسة نجاسة!"، فنقول: نعم، السياسة نجسة وقذرة إذا كانت سياسة الكذب والخيانة والرشوة والسرقة والتبعية، وإذا كانت سياسة الحكم بغير ما أنزل الله، وإذا كانت وسيلة لإرضاء الأجنبي وإذلال الأمة ونهب ثرواتها، وإذا كانت السياسة يمارسها العلمانيون.

 

لكن السياسة في الإسلام ليست كذلك، بل السياسة في الإسلام هي رعاية شؤون المسلمين بالإسلام، فأي سياسة تريدون منا أن نتركها: سياسة الإسلام أم سياسة العلمانية؟ سياسة القرآن والسنة أم سياسة القوانين التي يصنعها البشر؟ سياسة العدل والحق أم سياسة المصالح والأهواء؟

 

هنا ينبغي أن يكون الكلام واضحاً؛ السياسة ليست كلمة نجسة وإنما النجاسة في المنهج الذي تُدار به، فالسياسة في أصلها ليست شتيمة، وليست جريمة، وليست مجالاً محرماً على المسلمين، فالرسول ﷺ يقول: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ...» متفق عليه، ومعنى «تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ»: تتولى أمرهم، وترعى شؤونهم، وتقوم على إصلاح أمرهم، وتحكم بينهم بما أنزل الله. فهل كان الأنبياء يمارسون السياسة؟ نعم، لكنها لم تكن سياسة الديمقراطية الغربية، ولا سياسة القومية والوطنية، ولا سياسة المصالح الرأسمالية، ولا سياسة الأحزاب التي تجعل السيادة للشعب في التشريع، بل كانت سياسة تقوم على الوحي. وهنا يتبين الفرق العظيم، فالسياسة في الإسلام رعاية شؤون الناس بالإسلام، أما السياسة التي تقوم على فصل الدين عن الحكم، وتجعل التشريع للبشر من دون الله، وتضع المصلحة والمنفعة والأهواء فوق الوحي، فهذه ليست السياسة التي جاء بها الإسلام.

 

وإنه لفي الحلق غصة حين نرى أمة الإسلام، التي أنزل الله إليها القرآن العظيم، وبيّن لها رسوله ﷺ طريق الهداية، قد صار بعض أبنائها يستنكرون مجرد الحديث عن الحكم والسياسة! والأعجب من ذلك أن ترى من يرفض الحديث عن السياسة الإسلامية، ثم يندفع إلى ممارسة السياسة وفق النظم المستوردة! يرفض أن يتحدث المسلم عن الحكم بما أنزل الله، لكنه لا يجد حرجاً في الانتخابات التي جاءت بها النظم الحديثة من الغرب الكافر! يرفض الحديث عن إقامة حكم الإسلام، لكنه يشارك في اختيار من يحكم بالقوانين الوضعية! يرفض أن يسأل: بأي شرع تحكمون؟ ثم إذا وقع الفساد والسرقة والانهيار قال: "هذه هي السياسة"!!

 

أي سياسة هذه؟! أي سياسة تجعل السارق مشرّعاً؟ وأي سياسة تجعل الأمة تختار بين من يحكمها بغير الإسلام ومن يحكمها بغير الإسلام؟! وأي سياسة هذه التي يتبدل فيها الأشخاص بينما يبقى النظام نفسه، وتبقى المرجعية نفسها، وتبقى القوانين نفسها، ثم يُطلب من الناس أن يصفقوا للتغيير؟ ثم يقولون لك: لا تتكلم بالسياسة!

 

إذا تحدثت عن ثروات الأمة قالوا: لا تتكلم بالسياسة، وإذا تحدثت عن فلسطين قالوا: لا تتكلم بالسياسة، وإذا تحدثت عن الحكم قالوا: لا تتكلم بالسياسة، وإذا تحدثت عن القوانين التي تحكم الناس قالوا: لا تتكلم بالسياسة، وإذا تحدثت عن العلاقات مع الدول الكبرى قالوا: لا تتكلم بالسياسة، وإذا تحدثت عن الفقر والفساد والنهب قالوا: لا تتكلم بالسياسة! ولكن عندما يُراد منك أن تنتخب، أو أن تؤيد، أو أن تبايع مشروعاً سياسياً، فجأة تصبح السياسة شأناً مطلوباً!

 

فالمشكلة ليست أنهم يرفضون السياسة، بل المشكلة أنهم يريدون أن يحددوا لك أي سياسة يجوز لك أن تتحدث عنها وأي سياسة يجب أن تسكت عنها، يريدون منك أن تتحدث عن السياسي بعد أن يصل إلى الحكم، ولكن لا تسأل عن أصل النظام الذي يحكم به، يريدون منك أن تنتقد السارق، ولكن لا تسأل عن النظام الذي سمح له بالسرقة، يريدون منك أن تنتقد الفساد، ولكن لا تسأل عن الأساس الفكري والسياسي الذي أنتج هذا الفساد.

 

وهنا نقول: بل سنتكلم... سنتكلم لأن الله أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسنتكلم لأن الظلم لا يصبح حلالاً بمجرد أن يسمى "سياسة"، وسنتكلم لأن أموال المسلمين ليست ملكاً للحكام يتصرفون بها كيف يشاؤون، وسنتكلم لأن الأمة مأمورة أن تعرف واقعها، وتعرف من يحكمها، وبأي شيء يحكمها، ولمن تكون السيادة والتشريع.

 

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، هذه ليست آية نرددها في الصلاة ثم نترك معناها خارجها، إنها قضية عقيدة، فإذا كان الحكم لله، فليس من حق الإنسان أن يجعل نفسه مصدراً مستقلاً للتشريع، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والواجب هنا أن نفهم النصوص كما فهمها أهل العلم، وألا نسارع إلى تكفير الأعيان دون تحقق الشروط وانتفاء الموانع؛ فالحكم على الفعل شيء، والحكم على شخص معين شيء آخر، لكن أصل القضية واضح: الحكم والتشريع ليسا مجالاً يُفصل فيهما الإسلام عن الحياة.

 

وهل الإسلام عبادات فردية فقط؟ هذه شبهة تتكرر كثيراً، يقال: "الدين علاقة بين الإنسان وربه، أما السياسة والحكم والاقتصاد فهذه أمور دنيوية"، فنقول: هذا تصور يحتاج إلى دليل.

 

فأين نضع آيات المواريث، وأحكام البيع والربا، وأحكام القضاء، وأحكام الزواج والطلاق، وأحكام الديون، وأحكام الجهاد، وأحكام العهود، وأحكام الأموال، وأحكام الحكم والعدل والشورى؟ وأين نضع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل كل هذه الأمور مجرد عبادات فردية؟ كلا.

 

إن الإسلام جاء ليهدي الإنسان في عبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، وأسرته، ومجتمعه، وعلاقاته، وشؤون الحكم والرعاية.

 

والخلاف هنا ليس في وجود نصوص شرعية؛ وإنما الخلاف في مدى شمول الإسلام لشؤون الحياة العامة. وهذه قضية تُناقش بالدليل، لا بالشعارات.

 

ومن أكثر النصوص التي يُستدل بها لإبعاد الإسلام عن الشأن العام حديث النبي ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» رواه مسلم. ولكن أين ورد الحديث؟ ورد في قصة تأبير النخل، أي الخبرة الفنية في تلقيح النخل، وليس في وضع نظام للحكم، ولا في تشريع القوانين، ولا في الاقتصاد السياسي، ولا في إلغاء الأحكام الشرعية. وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: الخبرة الفنية في الوسائل، وبين التشريع الذي يحدد الحلال والحرام؛ فالطبيب أعرف بالطب، والمهندس أعرف بالبناء، والمزارع أعرف بالزراعة، والخبير العسكري أعرف بكثير من تفاصيل فنه، لكن هذا لا يعني أن الإنسان صار مشرعاً من دون الله! فالحديث لا يقول: أنتم أعلم من الوحي بما يجب أن يكون حلالاً وحراماً، ولا يقول: أنتم أعلم بنظام الحكم من رسول الله ﷺ، ولا يقول: اتركوا الاقتصاد والقضاء والسياسة للبشر بلا هدي من الله، إنما يتحدث عن الخبرة الدنيوية الفنية في أمر معين، والجمع بين النصوص هو الطريق الصحيح لفهمها، لا اقتطاع حديث من سياقه وتحميله ما لا يحتمل!

 

فالإسلام لا يخشى السياسة بل يضبطها، والإسلام لم يترك السياسة للأهواء، بل وضع لها ميزاناً وهو العدل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، والشورى، قال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، والحكم بما أنزل الله، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.

 

فكيف بعد ذلك يُقال: "لا تتكلموا في السياسة"؟! بل الواجب أن نتكلم، ولكن بميزان الإسلام.

 

حين دخلت الأفكار الغربية إلى عقل الأمة المشكلة ليست فقط في وجود أنظمة سياسية مخالفة للإسلام وإن كانت هي الأهم، المشكلة الأعمق أن الأمة فقدت في كثير من الأحيان مناعتها الفكرية، فبدل أن تنظر إلى الأفكار من ميزان الإسلام، أصبحت تنظر إلى الإسلام من خلال الأفكار الوافدة من الغرب الكافر، فتأتي الديمقراطية، فيقال: هي توافق الإسلام. ويأتي مفهوم الحرية المطلقة، فيقال: كيف نكيّف الإسلام معه؟ وتأتي العلمانية، فيقال: هل يمكن أن نجعلها إسلامية؟ وهذا قلب للميزان، فالمسلم لا يجعل الإسلام تابعاً للأفكار، بل يجعل الإسلام هو الميزان الذي تُعرض عليه الأفكار، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فإذا عرضت علينا فكرة، فلا نسأل أولاً: هل يقبلها الغرب أو الشرق؟ بل نسأل: ما حكم الله فيها؟ وهذه هي الشخصية الإسلامية التي ينبغي أن تستعيدها الأمة. ليست المشكلة في أن نتعلم من الآخرين، بل أن نجعلهم مرجعاً لنا، فالإسلام لا يمنع المسلمين من الاستفادة من خبرات الأمم، ولا من علومهم، فالرسول ﷺ أخذ بأسباب وخبرات مادية في ميادين الحرب وغيرها، واستفاد المسلمون من علوم الأمم في عصور مختلفة، لكن الفرق كبير بين الاستفادة من الخبرة البشرية في الوسائل، وبين استيراد العقائد والمفاهيم والنظم التي تناقض الإسلام وجعلها مرجعاً للحياة؛ الأول خبرة، والثاني مرجعية فكرية وتشريعية، وهنا يجب أن تستعيد الأمة ثقتها بالإسلام، فلا تكون الأمة التي تحمل أعظم رسالة في التاريخ خجولة من شريعتها، تبحث دائماً عن شهادة القبول من الآخرين!

ولهذا فإن فصل الإسلام عن الحكم ليس أمراً محايداً كما يصوره البعض، بل هو فكرة لها جذورها ومقدماتها ونتائجها.

وإذا كان المسلم يرى أن الله أنزل شريعة كاملة، فالسؤال الطبيعي هو: لماذا نؤمن ببعضها ونترك بعضها؟ قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، فالواجب أن نعود إلى الإسلام عودة واعية، لا عودة عاطفية. وأن نفهمه كما جاء، لا كما تريد له النظم الفكرية المعاصرة أن يكون.

 

فما الحل؟ الحل ليس أن نهرب من السياسة، أو أن نقول: "دعوا الحكام يفعلون ما يشاؤون"، وليس أن نسلم عقولنا لمنظومات فكرية نشأت في بيئات فلسفية وتاريخية مختلفة عن عقيدة الإسلام، وليس الفوضى ولا العنف ولا الظلم ولا التكفير بغير حق.

 

الحل هو العودة إلى الإسلام عودة كاملة واعية، وجعل الوحي مرجع الأمة في الحكم والتشريع والرعاية، أن تستعيد الأمة شخصيتها الإسلامية، وأن تتعلم دينها، أن تفقه واقعها، وأن تعرف أفكار أعدائها، أن تناقش الأفكار المخالفة بالإسلام، وأن ترفض التبعية الفكرية والسياسية، وأن تعمل على إقامة نظام حكم إسلامي عادل، تكون مهمته رعاية شؤون الناس بالإسلام، ويحفظ دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ويحمي ثروات الأمة ومقدساتها، ويقيم العدل، ويحاسب الحاكم، ويجعل السيادة للشرع.

 

 

وهنا يكون الكلام عن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة باعتبارها في التصور الإسلامي نظام الحكم الذي يقوم على الإسلام ورعاية شؤون المسلمين به، لا مجرد شعار عاطفي، فالأمة لا تحتاج إلى أن تبحث عن نسخة إسلامية من النظم الغربية، بل تحتاج إلى أن تستعيد الإسلام من منبعه، وتبني واقعها على أساسه، فلا تقولوا: لا تتكلموا في السياسة! بل قولوا: لا تتكلموا بالسياسة الفاسدة، نعم، لا تتكلموا بالكذب، وبالخيانة، وبالعمالة، لا تتكلموا بالرشوة، لا تتكلموا بالظلم، لا تتكلموا بالسرقة، لا تجعلوا الدين مطية للمصالح، ولا تجعلوا السياسة سوقاً للمتاجرة بالدين.

 

لكن أن تقولوا للمسلم: "لا تتحدث عن الحكم، ولا عن ثروات الأمة، ولا عن الظلم، ولا عن فلسطين، ولا عن قوانين البلاد، ولا عن علاقات الدولة، ولا عن مستقبل المسلمين..."، فهذا ليس من الإسلام.

 

إن الأمة التي لا تتكلم في شؤونها سيتكلم الآخرون في شؤونها، والأمة التي لا تحمل مشروعها سيحمل الآخرون مشاريعهم إليها، والأمة التي لا تجعل الإسلام ميزاناً ستصبح أفكار الآخرين ميزاناً لها.

 

فيا أبناء الإسلام: لا تجعلوا الإسلام تابعاً لزمانكم، بل اجعلوا زمانكم تابعاً لميزان الإسلام، ولا تسألوا كيف نجعل الإسلام متوافقاً مع كل ما يأتي من الغرب؟ بل اسألوا كيف نعيد حياتنا إلى الإسلام؟

 

وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تستعيد وعيها، وثقتها بدينها، وشخصيتها، ووحدتها، وأن تجعل الإسلام مرجعها في مواجهة الظلم والتبعية والاستبداد والنهب والتغريب، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

 

فاللهم ردّ الأمة إلى دينك رداً جميلاً، وارزقها فقهاً في دينها، وبصيرةً في واقعها، وثباتاً على الحق، وأقم فيها العدل، واجمع كلمتها على الإسلام، واجعلها أمةً تحمل رسالة الإسلام إلى العالمين.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بهاء الحسيني – ولاية العراق

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع