الأربعاء، 04 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/16م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

هندسة الشرق الأوسط تحت نيران الحرب

أهداف استراتيجية أمريكا في صراع إيران والصين

 

هل تطيل أمريكا أمد الحرب مع إيران كي تجعل هندسة الشرق الأوسط تنضج تحت نيران الحرب؟ أم أن الحرب القائمة جاءت على خلاف هواها وتخطيطها بحيث لم تجد مخرجاً منها؟

 

كنت سابقاً في بداية الأزمة قد تحدثت عن هذا الموضوع، وهو أن أمريكا تريد إعادة صياغة الشرق الأوسط، وهو ما تحدث عنه أغلب رؤساء أمريكا، وهو أيضاً توصية هنري كيسنجر. والصياغة الأمريكية لم يكن لها أن تتم مع وجود منافسين لها في المنطقة وبقايا الاستعمار القديم، إلا بأن تزيل الأيدي التي تدير هذه الأحجار التي على رقعة الشطرنج، وهما بريطانيا وفرنسا اللاعبان الأساسيان. واتبعت بذلك أساليب عدة - وما زالت تتبع الأساليب نفسها في أفريقيا وآسيا - لإزالة هذه البقايا الاستعمارية القديمة لاستخلاص عالم جديد يدين لها بالولاء ويخضع لها الخضوع التام بلا منافس أو مشاغب.

 

ولذلك تصنع أمريكا الأعداء وتختلق الأصدقاء، ولها من الأعداء المفترضين والحقيقيين، وأوروبا أولهم؛ لذلك استطاعت أن تكبل أوروبا بمخلبها "حلف شمال الأطلسي"، الذي يحكم قبضته على أوروبا ويكتم أنفاسها، ويمنعها من أن تعيد بناء قوتها والتفكير بمجدها السليب. وآخر أعمالها في أوروبا كي تتفرغ لمشروعها الكبير هو ربط طاقة أوروبا بها، وذلك بالقضاء على مصدر الطاقة الروسي الضخم الذي كلف أوروبا مئات المليارات. لقد جرت أمريكا روسيا إلى مستنقع أوروبا وجعلتها تعلق فيها دون أي مخرج، ودفعت أوروبا لطاقتها هي والتخلي نهائياً عن غاز روسيا، ونجحت في ذلك نجاحاً باهراً، وأجبرت أوروبا أن تتحمل كلفة الصراع المرير مع روسيا، وهو ما أنهك روسيا وأوروبا معاً. وتركت هذا الصراع مفتوحاً لا حدود له، وروسيا وأوروبا تعلمان تماماً أن الحل ومفاتيحه بيد أمريكا. هكذا استطاعت أمريكا أن تنفذ وصية كيسنجر وبريجنسكي بإبعاد روسيا عن الصين وعدم التقائهما، وفتح هوة بين روسيا وأوروبا لا تنهدم ولا تندمل.

 

وهكذا توجهت لمنطقة الشرق الأوسط لإعادة هندستها وصياغتها وهي تعلم تماماً أن هناك عدوين اثنين؛ أحدهما هو الأكثر خطورة عليها وعلى مصالحها، وهو الإسلام بنظامه السياسي - غير موجود على الواقع ولكنه مشروع حيوي يتوق إليه مليارا مسلم من أقصى المعمورة لأقصاها، يعمل له ثلة لا تكل ولا تمل، ليل نهار، لإحياء الفكرة وإبقائها حية وتوقد شعلتها في قلب هذه الأمة. ولذلك لا عجب أن هذه المؤامرة الكبرى التي تقودها أمريكا وأحلافها - على تضاد مصالحهم - تلتقي على حرب هذه الفكرة والبوح بها بين الفينة والأخرى على ألسنة سياسيّي أوروبا وأمريكا وروسيا وزعماء العالم ومفكريهم وأعلامهم. إن أمريكا دائماً تلوح بهذه الورقة وتصرح بها ويسمع صداها على ألسنة الناعقين من زعماء العالم؛ فإذا سمعنا زعيماً عالمياً مثل بوتين يصرح بعداوته وخطورة مشروع الخلافة، فإنما هو يردد هذه المقولة صدىً لصوت أمريكا التي تذكي هذه الفكرة في عقول ومسارح العالم بأن الخطر الداهم عليهم وعلى الحضارة الغربية والعالمية هو الإسلام وحضارته. وإذا رأينا الكتاب الغربيين يكتبون عن الإسلام سلباً أو إيجاباً، فإنما يكتبون عما يدور في دوائرهم وخلف أبواب ساستهم.

 

أمريكا بعد أن أشعلت الحرب الأوكرانية الروسية وعلقت بها أوروبا، توجهت للعدو الظاهر؛ الصين، وهو المصنع العالمي المنافس لها اقتصادياً. وهي لا تريد منافسين، ومقتل الصين هو في الطاقة التي يعتمد اقتصادها عليها، والتي إذا تم ضربها أو الإمساك بخناق الطاقة العالمية فستكون الصين بعظمتها رهينة أمريكا وتابعتها. وسبب ذلك أن الصين ليس في مفهوم وعقلية ساستها أن تنافس أمريكا على المسرح الدولي والمشاركة في صياغة قوانينها، وهذا يجعل الصين فاقدة لمفهوم العظمة، وهي في الحقيقة لا تملك العقلية الاستعمارية وإنما تملك القدرة الاقتصادية والمنافسة بها، ما يفتح الطريق لأمريكا للعب في هذه الساحة. مصادر الطاقة الأحفورية موجودة في أمريكا وفنزويلا وروسيا والشرق الأوسط، وفوق ذلك طرق الإمداد وممراتها هي في الشرق الأوسط، والإسلام ومشروعه أيضاً؛ لذلك لا يجوز إبعاد هذه العوامل عن ذلك في ذهن المحلل السياسي. والصين تدرك خطورة الشرق الأوسط القريب من حدودها الملاصق لها، بينما فنزويلا تعتبر فناءً لأمريكا وحديقة خلفية لا تستطيع أوروبا ولا الصين ولا روسيا اللعب في ذاك الفناء، وهو ما رأيناه في قضية الصواريخ الروسية في كوبا إبان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا. وقد استطاعت أمريكا إبعاد شبح أوروبا عن الشرق الأوسط بنسبة عالية ولم يعد لها تأثير، وهو ما نراه من مواقف أوروبا بحيث بدت دولاً منهكة تقبع تحت أزمات افتعلتها أمريكا، وأوروبا عاجزة عن إيجاد أي حل لها وهي تستجدي أمريكا وتلهث وراءها.

 

لم يبقَ لأمريكا إلا هندسة الشرق الأوسط حتى تحكم الخناق على الصين. ولذلك، بعدما انتهت من فنزويلا، توجهت للشرق الأوسط وهي تفتعل الأزمات بإيجاد مشكلة ما تجعلها سبباً للتدخل. إن أمريكا هي التي عقدت الاتفاق النووي مع إيران لغايات ما، وهي التي ألغتها لتحقيق غاية تريدها حان أوانها بعدما أزالت العقبات التي تقف بوجهها. ولذلك، فإن إلغاء الاتفاقية مع إيران يعني البدء بتنفيذ مشروع هندسة الشرق الأوسط، ومفتاح هذا المشروع هو قضية النووي الإيراني. وإيران، كما هو معلوم، دولة تدور في فلك أمريكا، لذلك كان لزاماً على أمريكا أن تنهي هذا الدور وتدخلها في بيت الطاعة التامة؛ لأن بقاءها دائرة في الفلك هو عامل يعطيها حرية أكبر في الحركة والتعامل مع الدول الأخرى المنافسة والمناكفة لأمريكا، لأنها تسعى وراء مصالحها وإن كانت تحقق مصالح دولة الفلك أمريكا.

 

ولذلك وجب إخراج إيران من دائرة الفلك إلى دائرة التبعية. والسؤال: هل نجحت أمريكا في هذا الهدف؟ لأن علامة نجاحها هو توقف الحرب وانتهاء الصراع باستسلام إيران وخضوعها التام وتنفيذ شروط أمريكا، أو عقد اتفاقية مع إيران كدولة لها وزنها في المنطقة تتحكم بأهم شريان عالمي وهو الطاقة والممرات المائية والمنافذ البحرية الدولية. هنا السؤال وهنا تكمن الإجابة. أرجو البحث في ذلك والمؤشرات التي تدل على ذلك من خلال النظر في الأحداث الجارية؛ مثل فتح جبهة اليمن كصراع داخلي بين مليشيا الحوثي والحكومة اليمنية، ومثل القرار الأمريكي الأوروبي المعروض على مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سالم أبو سبيتان

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع