الجمعة، 06 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/18م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الحطب والشرارة

 

 

يقول هنري كيسنجر: الحطب هم الأغلبية الساكنة، والشرارات هم من يحملون المشروع الإسلامي وعلى الغرب أن يحول دون التقاء الشرارات بالحطب.

 

أريد أن أسلط الضوء على كيف أن الغرب يدرك ما لا يدركه المسلمون أنفسهم؛ فالغرب يدرس المجتمع بوصفه كتلة، فهناك أجهزة استخبارات ومراكز أبحاث وجامعات ووزارات خارجية وشركات استطلاع وإعلام، وكل منها يدرس جوانب مختلفة وبأهداف مختلفة، ليبقى كل شيء تحت قيادته.

 

فـ"الحطب" هم الأغلبية التي تعيش واقعها اليومي وقد تكون ساكنة سياسيا وفكريا. أما "الشرارة" فهي الفئة التي تحمل مشروعا وتملك وعياً قادرا على تحويل السكون إلى حركة.

 

وهنا المفارقة: قد يعرف المسلم أنه يعيش أزمة لكنه لا يدرك دائما ما الذي يمكن أن ينهي حالة السكون، بينما خصمه يدرس هذه النقطة تحديدا.

 

فالخوف الحقيقي عند الغرب ليس من كثرة المسلمين، فالكثرة موجودة أصلا، ولا من مجرد وجود الإسلام في قلوبهم فهذا موجود منذ قرون، إنما الخوف من تحول الإيمان من شعور فردي إلى وعي جامع، ومن وعي جامع إلى مشروع، ومن مشروع إلى قوة مجتمعية قادرة على تحريك الأمة. فهم يعرفون أين تكمن القوة ونحن أحيانا لا نعرف أين تكمن!

 

والأشد إثارة أن الحطب لا يحتاج إلى أن يكون مقتنعاً منذ البداية بكل تفاصيل المشروع حتى يصبح قابلاً للتأثر به، بل يكفي أن تكون لديه هوية إسلامية وشعور بالظلم واستعداد نفسي للتغيير وواقع يضغط عليه ثم تأتي الشرارة فتمنح هذه المشاعر تفسيراً واتجاهاً وغاية. وهنا نفهم لماذا تكون الفكرة أخطر من السلاح؛ لأن الفكرة إذا وجدت بيئة مجتمعية مناسبة فقد تغير طريقة تفكير أمة كاملة.

 

الغريب أن أعداءنا قد يفهمون طبيعة أمتنا أكثر مما نفهمها نحن؛ يعرفون أن المشكلة ليست في أن المسلمين قليلون ولا في أن الإسلام غائب عن حياتهم تماما وإنما في أن هذه الأمة تملك كتلة بشرية هائلة لكنها تعيش بلا مشروع يجمع طاقتها ويوجهها.

 

لكن خوفهم يتجسد في ماذا يحدث إذا التقت الشرارة بالحطب؟ عندها لا تعود المسألة فرداً يحمل فكرة ولا مجموعة تتحدث عن التغيير. هنا تتحول الفكرة إلى حركة مجتمعية ويتحول السكون إلى فعل وتتغير موازين القوة. وربما لهذا السبب كان أعداء الأمة أكثر حرصا على قطع الطريق بينها وبين أصحاب المشروع؛ فهم يخشون لحظة اللقاء، ونحن لم ندرك بعد قوة تلك اللحظة!

 

لا بد من التنويه أن الغرب استمد هذا الخوف بسبب دراسته للتاريخ ولمنهج رسولنا الكريم ﷺ، فلقد كان رسول الله ﷺ في مكة أمام مجتمع بعض أفراده آمنوا وتأثروا وتغيرت نظرتهم إلى الحياة، لكن الإسلام في تلك المرحلة لم يكن قد أصبح قوة سياسية ومجتمعية حاكمة.

 

فماذا فعل رسول الله ﷺ؟ لم ينتظر أن تتغير الأمة كلها ولم يقل: الناس غير مستعدين والواقع أقوى منا، بل حمل الفكرة الإسلامية حملا واضحا وبنى جماعة تحملها وغيّر بها مفاهيم الناس وموازينهم ثم انتقل إلى مرحلة طلب النصرة حتى التقت الدعوة بأهل القوة والمنعة فكانت الدولة.

 

وهنا تظهر الصورة التي نحتاج أن نفهمها اليوم كما فهمها الغرب: أصحاب المشروع حاملو الفكرة هم الشرارة والأمة هي الحطب. لكن الشرارة وحدها لا تكفي والحطب وحده لا يشتعل، بل لا بد أن تصل الفكرة إلى الأمة وأن تتحول من معلومات متناثرة إلى وعي ومن الوعي إلى إرادة ومن الإرادة إلى عمل.

 

وهذا بالضبط ما يجعل الغرب يخشى لحظة الالتقاء؛ لأن ما يقلقه هو ماذا لو عرفت الأمة أن ما تعانيه ليس قدرها وأن الإسلام لا يطلب منها مجرد التعايش مع واقعها بل يملك تصوراً للحياة والحكم والمجتمع؟ ماذا لو انتقل المسلم من سؤال: كيف أعيش في هذا الواقع؟ إلى سؤال: كيف أجعل الواقع موافقاً لما أؤمن به؟

 

الغرب يعمل على أن تفقد الأمة القدرة على تصور نفسها قوة قادرة على التغيير، وأن يقنعها أن التفرق طبيعي وأن الإسلام مجرد عبادة فردية وأن إقامة شرع الله حلم غير واقعي، وأن الأمة لا تريد، حتى يصبح المسلم نفسه حارساً للسور الذي وضع حوله.

 

لكن التاريخ النبوي يقول شيئاً آخر؛ يقول: إن الأمة قد تكون في قمة الضعف ثم تبدأ بالنهوض حين تتغير أفكارها ومفاهيمها وإرادتها. ولهذا لا يجب أن نسأل أين القوة؟ بل أين الفكرة التي تستطيع أن تجمع القوة؟ ولا يجب أن نقول: الأمة نائمة، بل نسأل: ما الذي يوقظها؟ فالشرارة قد تكون صغيرة جدا، لكنها إذا وصلت إلى الحطب المناسب فلا يمكن تخيل حجم النار التي يمكن أن تشعلها، وهذا تحديدا ما أدركه الغرب ولم ندركه نحن بالقدر الكافي.

 

لكن الذي يستحق أن يدرس هو: ماذا يحدث حين تتحول العقيدة من إيمان فردي إلى وعي جماعي؟ وحين يتحول الوعي إلى مشروع؟ وحين يجد المشروع أمة مستعدة لأن تحتضنه؟

 

هنا تصبح المسألة مختلفة تماما؛ فالناس قد يعيشون سنوات طويلة وهم يشعرون بالظلم دون أن يعرفوا كيف يغيرونه. هنا تأتي الفكرة لتوقظ ما كان خامداً فيهم. وهذا هو معنى الشرارة؛ فالشرارة لا تصنع الحطب ولا تحتاج إلى أن يكون الحطب كله مشتعلاً قبلها، بل يكفي أن تصل إلى الموضع القابل للاشتعال.

 

ومن هنا نفهم لماذا يحارب الغرب مع حكامنا الطواغيت أصحاب الفكر من الوصول إلى الأمة لأن عمل أصحاب المشاريع الفكرية الإسلامية أخطر من مجرد الكلام لأنهم يحاولون إعادة تشكيل وعي الأمة بنفسها، وبمشكلتها وبالطريق الذي ينبغي أن تسلكه، كما فعل الرسل عليهم السلام من قبلهم. لذلك سعى الغرب وعلى رأسهم الشيطان الأكبر أمريكا طويلا إلى منع هذا اللقاء من خلال تفتيت الشعوب وإشغالها وإغراقها في الفقر والصراعات ومحاصرة كل مشروع يمكن أن يمنحها وعياً واتجاهاً جامعاً.

 

لكن المفارقة أن الغرب وهو يحاول إخماد الشرارة، قد يكون هو نفسه من يكدس الحطب حولها، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فحروبه وظلمه ودعمه لكيان يهود وتغاضيه عن جرائمه ونهب ثروات الشعوب وإبقاؤها تحت وطأة الفقر والقهر، فهو بيده يصنع الضغط؛ يضيق على الشعوب حتى تدرك أنه لا بد من تغيير واقعها ويقتل الأمل في الإصلاحات الثانوية، وبالتالي في سعيه لمنع التقاء الشعلة بالحطب قد يدفع بنفسه الحطب إلى الاقتراب من النار.

 

فما يفعله اليوم قد لا يحقق له ما يريد بل قد يهيئ الظروف التي يخشاها أكثر من أي شيء آخر؛ أن تلتقي الشرارة بالحطب، فيشتعل ما عاش عمره كله يخشى حدوثه، خصوصا أن الأمة اليوم بدأت بإدراك فشل كل المشاريع العلمانية والقومية، وأن خلاصها الحقيقي هو في مشروعها الإسلامي على منهاج النبوة الذي يعيد لها مجدها وعزتها بتطبيق شرع الله في جميع نواحي الحياة، ما يحقق العدل الذي غاب عنها لأكثر من مائة عام.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع