السبت، 07 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/19م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

حين ترتفع عوائد السندات الأمريكية

هل بدأ الدين يهدد قوة الدولار؟

 

 

الذهب، والدولار، وسندات الخزانة.. ثلاثية تكشف الصراع على مستقبل النظام المالي العالمي

 

لم يعد الذهب يتحرك في الأسواق العالمية باعتباره مجرد معدن نفيس، كما لم تعد سندات الخزانة الأمريكية مجرد أداة لتمويل عجز الحكومة. خلف حركة الذهب والدولار وعوائد السندات صراع أعمق يتعلق بمستقبل النظام المالي العالمي، وبالسؤال الذي أصبح أكثر إلحاحاً مع تضخم الدين الأمريكي: إلى متى تستطيع أمريكا تمويل ديونها المتزايدة دون أن تتحول تكلفة هذا الدين إلى تهديد لقوة الدولار نفسه؟

 

هذه ليست مسألة محاسبية أمريكية داخلية؛ فسندات الخزانة الأمريكية تمثل أحد أهم الأصول في النظام المالي العالمي، والدولار هو العملة الرئيسية للاحتياطيات والمدفوعات الدولية، والذهب يعود تدريجياً إلى واجهة المشهد بوصفه أصلاً لا يمثل التزاماً على حكومة أو بنك مركزي. ولهذا فإن مراقبة العلاقة بين الدولار وعوائد السندات والذهب قد تكون واحدة من أفضل الطرق لفهم التحولات الجارية في النظام المالي العالمي.

 

السندات.. الدين الذي أصبح أصلاً عالمياً

 

عندما تعاني أمريكا من عجز في الموازنة، فإنها تمول جزءاً منه بالاقتراض عبر إصدار سندات الخزانة. فالمستثمر الذي يشتري السند يقرض الحكومة أمواله مقابل عائد، ثم يسترد القيمة الاسمية عند الاستحقاق. وبمرور العقود، أصبحت هذه السندات أكثر من مجرد وسيلة لتمويل الحكومة؛ فقد أصبحت أصلاً مالياً أساسياً تحتفظ به البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد والمستثمرون والمؤسسات المالية والبنوك المركزية الأجنبية. وهنا تكمن قوة النظام الأمريكي، ولكن هنا أيضاً تكمن إحدى نقاط ضعفه المحتملة؛ فكلما زادت حاجة الحكومة إلى الاقتراض، زادت حاجتها إلى إقناع المستثمرين بشراء المزيد من الدين. وإذا بدأ هؤلاء المستثمرون بالمطالبة بعائد أعلى، فإن تكلفة الاقتراض ترتفع.

 

ماذا يعني ارتفاع عوائد السندات؟

 

هناك قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: ارتفاع عوائد السندات يعني عادة انخفاض أسعارها؛ فإذا كان المستثمر يستطيع شراء سند جديد بعائد أعلى، تصبح السندات القديمة ذات العائد الأقل أقل جاذبية. لكن الأهم سياسياً هو أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل يمكن أن يكون بمثابة رسالة من الأسواق إلى الحكومة: نريد عائداً أكبر مقابل إقراضكم. وقد يكون السبب ارتفاع التضخم، أو توقعات استمرار نسبة الربا المرتفعة، أو زيادة إصدار الديون، أو تراجع الطلب على السندات، أو ارتفاع علاوة المخاطر. ولهذا فإن السؤال ليس فقط: كم تبلغ عوائد السندات؟ بل: لماذا ترتفع؟ وهذا هو الفارق بين ارتفاع طبيعي في العوائد وارتفاع يحمل في داخله إشارة تحذير.

 

الفيدرالي يستطيع رفع الربا، لكنه لا يسيطر على كل شيء؛ فعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الربا، تصبح الأموال أكثر تكلفة، ويؤثر ذلك في القروض والرهون العقارية والشركات والأسواق، كما يؤثر في السندات. لكن الاحتياطي الفيدرالي لا يحدد وحده العائد على سندات الخزانة طويلة الأجل، فالسوق ينظر إلى المستقبل؛ فإذا اعتقد المستثمرون أن التضخم سيبقى مرتفعاً، أو أن الدين الحكومي سيواصل الارتفاع، أو أن الحكومة ستحتاج إلى إصدار كميات ضخمة من السندات، فإنهم قد يطالبون بعائد أعلى. وهنا يمكن أن ترتفع عوائد السندات طويلة الأجل حتى في غياب قرار مباشر من الاحتياطي الفيدرالي برفع الربا. وهذا هو الجانب الذي تجب مراقبته بعناية؛ عندما يصبح الربا مشكلة للحكومة نفسها، فرفع الربا قد يكون ضرورياً لمحاربة التضخم، لكنه يحمل تكلفة على الحكومة التي تعتمد على الاقتراض. فكلما أعيد تمويل جزء من الدين بأسعار ربا أعلى، ترتفع مدفوعات الربا.

 

وتشرح وزارة الخزانة الأمريكية أن تكلفة خدمة الدين تعتمد على حجم الدين وأسعار الربا على الأوراق المالية القائمة والجديدة، وأن ارتفاع أسعار الربا والتضخم أدى بالفعل إلى زيادة مصروفات الربا. وهنا تظهر الحلقة الخطرة: ارتفاع نسبة الربا وارتفاع تكلفة الاقتراض وارتفاع مدفوعات الربا وزيادة الضغط على الموازنة وزيادة الحاجة إلى الاقتراض وإصدار مزيد من السندات ثم احتمال ارتفاع العوائد المطلوبة من السوق وارتفاع تكلفة الدين من جديد.

 

فإذا استمرت هذه الحلقة، هل يستطيع الاقتصاد الأمريكي تحمل تكلفة خدمة هذا الدين إذا بقيت أسعار الربا والعوائد مرتفعة؟

 

إن حجم الدين هو نصف المشكلة فقط، فالدين الأمريكي ليس رقماً ثابتاً، بل يتغير يومياً. وتوضح وزارة الخزانة أن "الدين الوطني" هو تراكم الاقتراض الحكومي لتمويل النفقات التي تتجاوز الإيرادات، وأن العجز المستمر يؤدي إلى تراكم الدين. لكن التركيز على الرقم الإجمالي للدين وحده قد يكون مضللاً، فالخطر الحقيقي يظهر عند الجمع بين ثلاثة عناصر: حجم الدين وسعر الربا وسرعة نمو الدين.

 

يمكن لدولة أن تتحمل ديناً ضخماً إذا كانت تكلفة تمويله منخفضة، ويمكن أن تتحمل ارتفاعاً في الربا إذا كان الدين مستقراً، أما اجتماع دين ضخم وعجز مستمر وعوائد مرتفعة، فهو ما يخلق ضغطاً متزايداً على المالية العامة.

 

من يملك الدين الأمريكي؟ السؤال مهم لأن البعض يتعامل مع الدين الأمريكي وكأن دولة واحدة، مثل الصين، تمسك بمصير الولايات المتحدة عبر سنداتها، لكن الواقع أكثر تعقيداً؛ فهناك مستثمرون أمريكيون، وبنوك، وصناديق تقاعد، وشركات تأمين، وصناديق استثمار، والاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى حكومات وبنوك مركزية ومستثمرين أجانب.

 

البيانات الأمريكية الأخيرة تظهر بوضوح حجم التنوع في الملكية الأجنبية. ففي حزيران/يونيو 2026 كانت اليابان أكبر حائز أجنبي معلن لسندات الخزانة الأمريكية بنحو 1.117 تريليون دولار، تلتها المملكة المتحدة بنحو 940 مليار دولار، ثم الصين بنحو 633 مليار دولار. وهذه الأرقام مهمة، لكنها لا تعني أن هذه الدول هي بالضرورة المالك النهائي لكل الأوراق المسجلة تحت أسمائها؛ إذ تحذر وزارة الخزانة من أن بيانات الحيازة القائمة على حسابات الحفظ لا تعطي دائماً صورة دقيقة عن المالك النهائي. أما الاحتياطي الفيدرالي نفسه، فقد بلغت حيازته من سندات الخزانة نحو 4.55 تريليون دولار في 2 أيلول/سبتمبر 2026.

 

وهكذا فإن سوق الدين الأمريكي ليس سوقاً خارجياً منفصلاً عن الدولة، بل شبكة هائلة تضم الحكومة والبنوك والاحتياطي الفيدرالي والمستثمرين المحليين والأجانب.

 

لماذا تشتري الدول سندات الخزانة؟ لأن النظام المالي العالمي مبني بدرجة كبيرة على الدولار، والدول التي تمتلك احتياطيات دولارية تحتاج إلى أصول سائلة وآمنة نسبياً لتوظيف هذه الاحتياطيات، وقد كانت سندات الخزانة الأمريكية لعقود أحد أهم الخيارات.

 

وهنا نشأت علاقة شديدة القوة: الدولار - الاحتياطيات العالمية - سندات الخزانة - تمويل الحكومة الأمريكية.

 

هذه الحلقة ساعدت أمريكا على الاقتراض بتكلفة أقل مما كان يمكن أن تواجهه دولة أخرى بحجم الدين نفسه. لكنها في الوقت نفسه تعني أن أي تغير جوهري في سلوك المستثمرين العالميين تجاه سندات الخزانة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الأسواق المالية.

 

الذهب يدخل المشهد من الباب الخلفي

 

إن السند الأمريكي يمثل ديناً على الحكومة الأمريكية، أما الذهب فلا يمثل ديناً على أحد. والسند يعطي عائداً، أما الذهب فلا يدفع الربا. ولهذا، عندما ترتفع العوائد الحقيقية على السندات، تصبح تكلفة الاحتفاظ بالذهب أعلى من حيث الفرصة البديلة، وهذا يفسر لماذا يتعرض الذهب عادة لضغوط عندما ترتفع العوائد والدولار معاً. وقد ظهر ذلك بوضوح في الأسواق خلال الأيام الأخيرة؛ ففي 7 أيلول/سبتمبر 2026 تراجع الذهب بعد بيانات وظائف أمريكية قوية رفعت توقعات رفع الربا، بينما ارتفعت عوائد السندات. وبلغت احتمالات رفع الربا في اجتماع أيلول/سبتمبر نحو 58% وفق بيانات السوق التي نقلتها رويترز. وقبل ذلك بأيام، ارتفع الذهب عندما تراجعت العوائد والدولار، وهو ما يعكس العلاقة التقليدية بين هذه الأصول.

 

لكن العوائد الحقيقية أهم من العوائد الاسمية؛ فإذا كان السند يعطي المستثمر عائداً قدره 5%، لكن التضخم يبلغ 6%، فإن العائد الحقيقي يكون سالباً تقريباً. أما إذا كان العائد 5% والتضخم 2%، فإن العائد الحقيقي يصبح أكثر جاذبية.

ولهذا فإن السؤال الذي يهم المستثمر ليس فقط كم يدفع السند؟ بل: كم تبقى من هذا العائد بعد التضخم؟ وعندما تنخفض العوائد الحقيقية، يصبح الذهب أكثر جاذبية نسبياً. أما عندما ترتفع العوائد الحقيقية، فإن الذهب يواجه منافسة أقوى من السندات.

 

الخطر الأكبر هو فقدان الثقة لا الإفلاس، فأمريكا لا تواجه خطراً تقليدياً يشبه دولة عاجزة عن سداد دينها بعملة أجنبية؛ فالدولار هو عملتها، وسنداتها مقومة بالدولار، لكن هذا لا يعني أن الدين بلا تكلفة، حيث يمكن للحكومة أن تستمر في الاقتراض، لكن السؤال هو: بأي سعر؟ وهنا تكمن المشكلة. فإذا بدأ المستثمرون بالمطالبة بعوائد أعلى بصورة مستمرة، فإن أمريكا لن تواجه بالضرورة "إفلاساً" بالمعنى التقليدي، لكنها قد تواجه شيئاً أكثر تعقيداً: ارتفاعاً مستمراً في تكلفة تمويل الدولة، وضغطاً على الموازنة، وتضخماً في مدفوعات الربا، وضغوطاً على السياسة النقدية والمالية. وفي النهاية قد تصبح المحافظة على الثقة بالدولار أكثر تكلفة.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع