الإثنين، 09 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/09/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

بوصلة الأمة في زمن العواصف

كيف تستعيد الأمة الإسلامية دولتها ودورها؟

 

 

 

لم تعد البلاد الإسلامية تعيش مجرد مرحلة اضطراب عابر، ولا تقف أمام أزمة سياسية يمكن احتواؤها بتسوية هنا أو تحالف هناك. ما يجري أعمق من ذلك بكثير؛ فالعالم نفسه يُعاد تشكيله، وموازين القوة تتبدل، والتحالفات تتغير، والحدود السياسية تتعرض لضغوط متزايدة، فيما تتحول الجغرافيا من جديد إلى ساحة صراع على النفوذ والثروة والممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة والأسواق.

 

وفي قلب هذه العاصفة تقف البلاد الإسلامية، بما تختزنه من موقع جغرافي استثنائي، وثروات هائلة، وكتلة بشرية واسعة، وممرات بحرية تتحكم بجزء أساسي من حركة التجارة العالمية، لكنها، في الوقت ذاته، تعاني من التشرذم السياسي، والتبعية الاقتصادية، وتضارب المصالح، وتعدد مراكز القرار.

 

وبينما تتنافس القوى الكبرى على رسم شكل النظام الدولي القادم، تبدو الأمة، في كثير من الأحيان، وكأنها تتحرك داخل الأحداث، لا أنها تملك القدرة على صناعتها!

 

لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا نريد نحن أن نفعل وسط هذه العواصف؟

 

فهذه اللحظة التاريخية، بكل ما تحمله من مخاطر، قد تكون أيضاً لحظة انكشاف كبرى؛ انكشاف حدود المشاريع التي قامت على التبعية، وهشاشة الدول التي فقدت استقلال قرارها، وحقيقة أن القوة لا تُستعار من الخارج، وأن الأمن الذي يُبنى بالكامل على حماية الآخرين يبقى رهناً بإرادتهم، وأن الأمة التي لا تمتلك مشروعها ستجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، جزءاً من مشاريع الآخرين. ومن هنا تبدأ الحكاية من سؤال البوصلة.

 

فالعودة إلى الدولة ليست مجرد استعادة اسم أو حدود، وليست حنيناً رومانسياً إلى ماضٍ مضى، كما أنها ليست مغامرة عسكرية أو قفزة فوق الواقع. إنها، قبل كل شيء، مشروع استعادة للقدرة على الفعل؛ قدرة الإنسان على صناعة مستقبله، وقدرة المجتمع على إنتاج قوته، وقدرة الدولة على امتلاك قرارها، وقدرة الأمة على تحويل عناصر قوتها المتناثرة إلى قوة سياسية واقتصادية وحضارية متماسكة.

 

من الأخطاء الكبرى أن تنظر الأمة إلى ما يجري حولها باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة: حرب هنا، وأزمة هناك، وانهيار اقتصادي في مكان، وصراع نفوذ في مكان آخر. فالأحداث قد تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها كثيراً ما تلتقي في جوهر واحد: من يملك القدرة على التأثير في مستقبل المنطقة؟

 

فالدول الكبرى لا تنظر إلى البلاد الإسلامية باعتبارها مجرد مجموعة من الدول ذات الحدود المعترف بها دولياً، وإنما تنظر إليها من خلال ما تحمله من مبدأ جامع وموقعها في معادلة القوة العالمية: الطاقة، وطرق التجارة، والممرات البحرية، والأسواق، والأمن الإقليمي، والموارد، والموقع الجغرافي الذي يربط القارات. ومن هنا، فإن الصراعات التي تبدو محلية في ظاهرها قد تحمل أبعاداً إقليمية ودولية عميقة.

 

لكن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الضغوط الخارجية؛ فالخارج يصبح أكثر قدرة على التأثير حين يجد في الداخل فراغاً سياسياً أو اقتصادياً أو فكرياً.

 

إن البلاد الإسلامية بمبدئها العالمي قادرة على قلب الطاولة وهي ليست فقيرةً بالمعنى الاستراتيجي؛ فهي تمتد على مساحة جغرافية هائلة، وتشرف على عدد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتملك موارد طبيعية كبيرة، وأسواقاً واسعة، وطاقات بشرية شابة، ومراكز حضرية واقتصادية مهمة، إضافة إلى عمق حضاري وثقافي يمتد لقرون. ومع ذلك، فإن امتلاك عناصر القوة لا يعني امتلاك القوة. فالنفط الموجود في الأرض ليس قوة سياسية في حد ذاته، والثروة لا تتحول تلقائياً إلى استقلال، والموقع الجغرافي لا يصبح نفوذاً إلا إذا امتلكت الدولة القدرة على إدارته وحمايته واستثماره.

 

القوة هي القدرة على تحويل الموارد إلى خيارات. والسيادة ليست أن ترفع الدولة علمها فوق مبنى حكومي؛ السيادة هي أن تكون قادراً على اتخاذ قرارك، وأن تمتلك الوسائل التي تسمح لك بالدفاع عنه. فكل مشروع تاريخي يبدأ بفكرة. وليس المقصود بالفكرة مجرد شعار سياسي، وإنما التصور الذي يحدد: من نحن؟ وماذا نريد؟ وما شكل الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الدولية التي نريد بناءها؟

 

إن الأمة التي لا تملك تصوراً واضحاً لمستقبلها ستستهلك طاقتها في ردود الأفعال؛ مرة تتجه شرقاً، ومرة غرباً، ومرة تبحث عن حماية من قوة كبرى، ومرة تدخل في تحالفات مؤقتة، ثم تكتشف بعد سنوات أن البوصلة لم تكن بيدها!

 

ولهذا فإن المعركة الأولى هي معركة الوعي، فلا يمكن بناء دولة قوية بعقل سياسي تابع، ولا اقتصاد مستقل بعقل استهلاكي، ولا نهضة علمية بمجتمع ينظر إلى المعرفة باعتبارها سلعة مستوردة. لا توجد دولة قوية من دون إنسان قوي لا يخاف إلا الله ولا ينحني إلا للحكم الشرعي، فالرجل الحق هو المسلم الملتزم بمبدئه. والإنسان القوي ليس فقط صاحب الشهادة أو الوظيفة، وإنما الإنسان الذي يمتلك المعرفة، والانضباط، والمسؤولية، والمبدئية، والقدرة على التفكير والإنتاج والمشاركة في بناء مؤسسات بلاده. فالدولة التي تريد الاستقلال تحتاج إلى طبيب، وباحث، ومهندس، ومزارع، وصانع، وعالم اقتصاد، كما تحتاج إلى سياسي، ورجل دولة، وقانوني، وإعلامي، ومفكر، وجميعهم بقيم المبدأ.

 

إن الأمة التي تستورد التكنولوجيا، وتستورد الغذاء، وتستورد المعرفة، وتستورد حتى تصوراتها عن السياسة والاقتصاد، ستبقى محدودة القدرة على صناعة القرار، مهما امتلكت من ثروات. أما حين يبدأ الإنسان بإنتاج المعرفة، ثم تحويل المعرفة إلى تقنية، وتحويل التقنية إلى صناعة، وتحويل الصناعة إلى اقتصاد، فإن سلسلة القوة تبدأ بالتشكل.

 

ربما تكون المفارقة الكبرى أن ما يبدو اليوم أحد أسباب ضعف الأمة - أي تشتتها الجغرافي والسياسي - يمكن أن يتحول إلى أحد أعظم مصادر قوتها. فالبلاد الإسلامية ليست كتلة جغرافية صغيرة، وإنما فضاء واسع يمتد بين قارات وممرات بحرية ومناطق استراتيجية شديدة الأهمية.

 

الدولة التي تستحق أن تكون مشروعاً للمستقبل هي الدولة التي تحقق الأمن والعدل، وتصون الحقوق، وتبني المؤسسات، وتحاسب الفاسد، وتحمي المال العام، وتضمن تكافؤ رعاياها أمام القانون، وتمنح المجتمع القدرة على المشاركة في صناعة مستقبله. والدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها رعاياها، بل الدولة التي يثقون بها. فالقوة الحقيقية لا تقوم على القمع، وإنما على الشرعية والعدل والكفاءة والمؤسسات.

 

ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يريد أن يحمل عنوان النهضة الإسلامية عليه أن يقدم إجابة واضحة عن أسئلة الحكم، والعدالة، والحريات، والاقتصاد، والقانون، والعلاقات بين الدولة والمجتمع.

 

الناس تريد دولة تحميها، وقانوناً ينصفها، واقتصاداً يوفر لها الفرصة، وتعليماً يبني أبناءها، ومستقبلاً يمنحها الأمل. وهذا كله لن يتحقق إلا إذا عدنا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، كما طبقها رسول الله ﷺ وأقام دولته الأولى؛ فإن منهج الإسلام هو منهج رباني لا تشوبه شائبة، وهو أصلاً منزل من عند الله، وهو الذي يعالج علاقات الإنسان الثلاث: علاقته بربه، وعلاقته مع نفسه، وعلاقته مع غيره. والإنسان لم يتغير، وكذلك الشريعة بقيت كاملة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾.

 

إن الذين يسلكون طريق الدعوة الإسلامية اليوم ليسوا مجهولين، وطريقهم وخطاهم معروفة؛ فهم يعملون لإيجاد الدولة الإسلامية، إنما يعملون للوصول إلى الحكم ليجعلوه طريقاً لاستئناف الحياة الإسلامية في بلاد المسلمين، وحمل هذا الدين إلى العالم أجمع. لذلك تراهم لا يقبلون الحكم المجزأ مهما تنوع، ولا ينهزمون أمام وسائل الإغراء، ولا يقبلون الحكم الكامل إلا إذا تمكنوا من تطبيق الإسلام تطبيقاً انقلابياً شاملاً.

 

والحذر، الحذر؛ فإن إعطاء قيادتكم لمن هم من غير مبدئكم، واستسلامكم للواقع المرير الذي نعيشه، حرام عليكم؛ فإنه لم يبقَ إلا القليل. فواجب كل مسلم غيور على دينه، فاهمٍ لواقعه، متسلحٍ بمبدئه، أن يحارب كل مخططات الغرب، وألا يفرق صف الأمة. فالغرب الكافر ينازع، رغم ما ترونه من قامته؛ فقد حرقوا أوراقاً، وكشفوا وجوهاً، وعملوا ما كان لهم أن يكشفوه ويحرقوه لولا أن قواهم قد خارت.

 

إلا أننا مطمئنون بتحقيق عودة الخلافة بإذن الله. ويطمئننا إلى ذلك وقائع الصراع في أرجاء العالم اليوم، والوعي المتنامي في الأمة، كما تبشر بها نصوص القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

 

فاغتنموا السير مع هذا الحزب العظيم، وخذوا فكره من مصادره، وناقشوا نقاش العالم الباحث عن الحق، ولا تناقشوا نقاش الجاهل؛ فإنكم مسؤولون، وكل عمل من خارج المبدأ وخارج هدفه يؤخر النصر ولا يعجل به. قال عز وجل:

 

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع