- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هل الأردن وطن بديل لفلسطين؟
الخبر:
نقلت وكالة أسوشيتد برس بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أن اشتباكا استمر نحو عشرين دقيقة قرب مفترق "يهودا" خارج مدينة الخليل، قُتل فيه جنديان للكيان ومسلّحان فلسطينيان من المدينة. وخلال ساعات، أمر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتطويق الخليل والاستعداد لإغلاق الضفة الغربية بالكامل، في رابع إغلاق خلال شهر واحد، فيما بقيت الطرق مفتوحة أمام السائقين اليهود، ومنهم المستوطنون. ولم يتأخر بن غفير في التأكيد على تقييد حرية تنقّل الفلسطينيين.
التعليق:
كانت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان قد وثّقت 409 حالة اعتداء على قاطفي الزيتون منذ مطلع الشهر. وكانت صحيفة هآرتس في الثاني من شهر تشرين الأول، قد كشفت عن وثيقة بعنوان "رؤية جديدة لأمن إسرائيل"، أعدّها برنامج تشرشل في معهد أرغمان اليميني، تدعو إلى ضم الضفة الغربية وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتشجيع الهجرة إلى الأردن، ما يؤدي إلى تحقيق فكرة الوطن البديل للفلسطينيين في الضفة الشرقية لنهر الأردن. كما قرر الكيان الغاصب في شباط 2026، فتح سجلات الأراضي في الضفة الغربية، ليتمكن من مصادرة الأراضي بشكل ظاهره قانوني وباطنه قسري.
وما يجري في فلسطين يؤكد نوايا يهود لتهجير أهل فلسطين إلى شرق الأردن ليكون وطنا بديلا عن فلسطين. ففي كانون الثاني وشباط 2025 أفرغت عملية "السور الحديدي" مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن أكثر من 33 ألف لاجئ هُجّروا من هذه المخيمات، وبحلول تشرين الأول 2025 كانت 52% من مباني مخيم جنين و48% من مباني نور شمس و36% من مباني مخيم طولكرم قد دُمّرت أو تضررت. كما أن أكثر من 130 تجمعاً فلسطينياً هُجّر كلياً منذ كانون الثاني 2023، وأكثر من 6.400 شخص اقتُلعوا من أماكنهم، وارتفعت هجمات المستوطنين لتصل إلى قرابة سبع هجمات يومياً هذا العام. وقد أقام المستوطنون 248 بؤرة استيطانية جديدة أي ما يعادل أكثر من مليون دونم، و18% من مساحة الضفة.
إن هذه الأعمال ليست من فعل مستوطنين منفردين. فقد أقرّت حكومتهم نحو 20 مليون دولار للبؤر الاستيطانية، وارتفعت ميزانية الاستيطان بنسبة 122%، وفي شباط 2026 قرر مجلس الوزراء في كيان يهود إلغاء القانون الأردني لعام 1953 الذي يحظر بيع الأراضي لغير العرب، وإعادة تصنيف الأراضي غير المسجلة لتصبح أراضي الكيان الغاصب.
والنتيجة الحتمية هي تهجير أهل الضفة من أرضهم بتحويلها إلى مكان غير صالح للعيش ومسخ قضية فلسطين وتحويلها إلى وطن بديل في البلد الذي أنشئ بوصفه انتقالياً وسمي (إمارة شرق الأردن الانتقالية). ويبدو أن عملية الانتقال التي استعملها الإنجليز حين أنشأوا الإمارة قد أصبحت محل تنفيذ على يد يهود، وبتأييد من أمريكا التي أعلنت على لسان ترامب أن دولة الكيان صغيرة ولا بد من توسعتها.
وقد حَمَل الملك عبد الله الثاني، قضية تحويل الأردن إلى وطن بديل، إلى الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول، وقال إنه بينما ينشغل العالم بغزة، "فإن هناك أمراً بالغ الخطورة وأشدّ عدوانية في الضفة الغربية"، مستهدفا مملكته في الضفة الشرقية. ووصف هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات بالتهجير القسري، وأن قانون تسجيل الأراضي هو "ضمّ للأراضي بحكم الأمر الواقع". وهي، تؤدي إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه، وختم حديثه بسؤال: "هل سنتحرك الآن؟" متوجها للجمعية العامة للأمم المتحدة التي أوجدت كيان يهود عام 1948!
أما دموع الملك واستياؤه لما قد يصيب مملكته، واستجداء منظمة الأمم الخانعة فهي أشبه بالمثل القائل "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، بفارق أن الثور الأحمر أدرك أنه مصيبُهُ ما أصاب أخاه الأبيض. أما الملك فلا يزال يأمل أن الذي أكل أخاه سيحميه! فهو يتوجه إلى المنصة التي أوجدت كيان يهود وأقرته على أكل الثور الأبيض، بل من قبلها عصبة الأمم التي أوكلت لبريطانيا كل ما يلزم لتمكين يهود من اغتصاب فلسطين. فهل ينتظر الملك أن تتقدم بريطانيا وأمريكا وفرنسا لحماية عرشه وكبح جماح يهود؟ لقد كانت أمامه فرصة ذهبية للوقوف في وجه العدو الغاصب في حربه الغاشمة على غزة، يوم كان أهلها مستعدين أن يكونوا وقود حرب ضروس لإزالة كيان يهود من الوجود، وتطهير فلسطين من رجس الاحتلال.
إن المسلمين سواء في الأردن وفلسطين أو غيرهما، يتحرقون شوقاً ليتحرروا من القيود التي فرضها عليهم المستعمر وعملاؤه، لينطلقوا كالأسود لينسوا يهود وساوس الشيطان، ويردوا كيدهم في نحورهم.
كان الأولى ألا تقف أيها الملك في منبر الأمم المتآمرة على المسلمين حزيناً قليل حيلة. ألم تر كيف فعل الإنجليز بجدك الحسين بن علي حين نفوه إلى قبرص وتنكروا لكل وعودهم؟ وما فعلوا بجدك عبد الله حين تآمروا عليه وقتلوه في ساحة المسجد الأقصى؟ وبجدك طلال حين نفوه إلى تركيا وحرموا عليه العودة إلى الأردن حتى توفاه الله؟ ثم بأبيك الذي فرضوا عليه السير خطوة خطوة فيما رسموه له؟ ألم يأن لك ولغيرك من الحكام أن تخشع قلوبكم لذكر الله، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أو كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾؟!
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. محمد جيلاني



