- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
استخدام المواد الإباحية يسبب الاعتماد عليها والتعاسة والضرر
(مترجم)
مقدمة: استخدام المواد الإباحية نتيجة لمذهب اللذة الغربي
انتشرت المواد الإباحية إلى حد أصبحت معه أمراً معتاداً حيثما كان للحضارة الغربية تأثير. واستخدامها هو بالفعل نتيجة للحضارة الغربية المهيمنة اليوم. ومذهب اللذة هو النظرة الغربية إلى إشباع الرغبات الغريزية، بما فيها الرغبة الجنسية، التي تُعدّ مظهراً من مظاهر غريزة النوع. ويقوم مفهوم مذهب اللذة على تعظيم المتعة وتقليل الألم. وترى هذه النظرة أنه لا ينبغي كبت الرغبات أو تنظيمها بأي شكل من الأشكال، ما يجعل الإنسان يسير حيثما تقوده رغباته.
ومذهب اللذة رد فعل على عصر حكم الكنيسة، التي كانت ترى الرغبة الجنسية رغبة جسدية شهوانية، والفعل الجنسي فعلاً حيوانياً. وكانت الكنيسة تعدّ الامتناع عن العلاقات الجنسية والتبتل فضيلة. وقد أدى عدم إشباع الغريزة على هذا النحو إلى القلق في المجتمع، بما فيه الإحباط الجنسي. غير أن مذهب اللذة، في رد فعله على الكبت والامتناع والحرمان، ذهب إلى الطرف المقابل، فأطلق العنان للغرائز بإفراط، ما أدى بدوره إلى أشكال أخرى من الأضرار والتعاسة والابتلاءات.
وفي حالة مستخدمي المواد الإباحية، يقود مذهب اللذة إلى الإفراط في استخدامها، والبحث عن أشكال أكثر تطرفاً منها، والتعرض المستمر للاستثارة الجنسية، واشتهائها إلى حد تعطيل الحياة اليومية والعلاقات، بما فيها العلاقات الحميمة مع الأزواج.
والمطلوب في الحقيقة ليس الكبت الكامل لغريزة النوع، ولا إطلاق العنان لها إلى حد الإفراط، بل تنظيمها من خلال نظام أوحى به خالق البشر وغرائزهم ورغباتهم. والإسلام يقدّم نظاماً اجتماعياً ينظم غريزة النوع دون حرمان من الإشباع أو إفراط فيه. كما يوجّه الإسلام الإنسان إلى الأساس الحقيقي للسعادة، وهو نيل رضا الله، وتنظيم الرغبات وفق طاعته سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ.
الاعتماد على استخدام المواد الإباحية
يؤدي إطلاق العنان للغريزة وفق مذهب اللذة إلى الانشغال بالرغبة، وإحداث تغيرات كيميائية حيوية تقترب من الإدمان، حتى إن لم تصل إلى الإدمان السريري الفعلي. ويؤدي استخدام المواد الإباحية إلى انخفاض الحساسية، الناتج عن إنتاج كميات كبيرة من الدوبامين. والدوبامين هو المادة الكيميائية المرتبطة بالمتعة التي تُفرَز عندما يمارس الإنسان نشاطاً ممتعاً، مثل تناول وجبة لذيذة أو ممارسة لعبة مسلية. وتطلق هذه الأنشطة اليومية الطبيعية كميات صحية من الدوبامين يستطيع الدماغ التعامل معها.
أما استخدام المواد الإباحية، فيطلق مستويات عالية من الدوبامين تدفع الدماغ إلى اتخاذ إجراءات لمواجهتها، وذلك بتقليل عدد مستقبلات الدوبامين، ومن ثم تقليل استجابته له. وهذا هو أساس انخفاض الحساسية. لكن المشكلة هي أن جزءاً من الدماغ يظل، رغم ذلك، راغباً في مشاهدة المواد الإباحية ومشتاقاً إلى ذلك الاندفاع من الدوبامين.
ولتعويض انخفاض الاستجابة، يبحث مستخدم المواد الإباحية عن درجات متزايدة من الاستثارة، أي عن أشكال أكثر تطرفاً من المواد الإباحية. فيبدأ بمشاهدة المواد الإباحية، ثم يتطور لديه تحمّل لها، ثم يزيد مستوى المحتوى الذي يشاهده سعياً إلى تدفق مستمر من الدوبامين. ولذلك فهي ليست مجرد حلقة متكررة، بل تنطوي أيضاً على تصعيد.
وبينما تحدث عملية انخفاض الحساسية، يمر الدماغ في الوقت نفسه بتغير ثانٍ يتمثل في زيادة الحساسية. ففي سعيه للحصول على الدوبامين، يصبح شديد الحساسية لكل ما يذكّره بالمواد الإباحية، أي لأي إشارة أو مُنبّه. وقد تكون هذه الإشارات أي شيء، من صورة امرأة على غلاف مجلة إلى إعلان على وسائل التواصل الإلكتروني. وقد تكون هذه الإشارات أو المحفزات سمعية أيضاً. لكن التأثير واحد: فهي تثير لدى المستخدم رغبات ملحّة تدفعه إلى مشاهدة المواد الإباحية مرة أخرى.
وتصبح مقاومة هذه الرغبات أكثر صعوبة بسبب التغير الثالث الذي يحدث في الدماغ، وهو قصور النشاط الجبهي، أو انخفاض نشاط الدماغ في منطقة القشرة أمام الجبهية. وينتج ذلك عن تغيرات مادية في المادة الرمادية والبيضاء في هذه المنطقة. وبسبب هذا القصور، يجد المستخدمون صعوبة في مقاومة رغباتهم ويفقدون القدرة على الكبح، رغم وجود رغبة داخلية لديهم في ترك المواد الإباحية.
أما التغير الرابع المهم في الدماغ، فيتمثل في اختلال دوائر الاستجابة للضغط النفسي المرتبطة بقدرة الدماغ على التحكم فيه. وبسبب الاختلالات التي يسببها تكرار مشاهدة المواد الإباحية، يجد المستخدمون صعوبة في التعامل حتى مع مصادر الضغط النفسي البسيطة. وغالباً ما تنشّط هذه الضغوط البسيطة الأجزاء التي ازدادت حساسيتها في الدماغ، فتؤدي إلى رغبات ملحّة، تقود بدورها إلى الرغبة في مشاهدة المزيد من المواد الإباحية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن "دلتا فوس بي (DeltaFosB)" بروتين يُنتَج كلما أُفرز الدوبامين. وكلما زاد إفراز الدوبامين، زاد تراكم هذا البروتين. وتتمثل وظيفته في ترسيخ ذاكرة مشاهدة المواد الإباحية ومشاعر المتعة المرتبطة بها. فهو، في جوهره، يجعل الدماغ يتذكر مدى المتعة التي توفرها المواد الإباحية. وهو السبب في شعور مستخدميها بالرغبات الملحّة والرغبة في الاستمرار في مشاهدتها، كما أنه يُبقي حلقة الاستخدام مستمرة.
وهكذا، فإن الرغبة في مشاهدة المواد الإباحية تنشأ من فعل المشاهدة نفسها. فالمشاهدة تؤدي إلى إنتاج الدوبامين، الذي يؤدي إلى تراكم دلتا فوس بي، الذي يؤدي بدوره إلى اشتداد الرغبات الملحّة. ولذلك فإن السبيل الوحيد للتخلص من الرغبة في المواد الإباحية مرةً وإلى الأبد هو عدم الاستسلام لهذه الرغبة، بل مقاومتها. فالاستسلام لا يؤدي إلا إلى استمرار الحلقة، بينما تتيح المقاومة للدماغ أن يتعافى وللرغبات الملحّة أن تزول. ووفقاً لمعظم الدراسات، يستغرق تلاشي دلتا فوس بي من الدماغ شهراً إلى شهرين، لكن زوال الرغبة في مشاهدة المواد الإباحية قد يستغرق وقتاً أقل. وبالطبع، لا يعني شيء من هذا أن حلقة الاستخدام لا يمكن كسرها.
إنهاء استخدام المواد الإباحية على المستوى الفردي
أول ما يجب ترسيخه في ذهن أي شخص يسعى إلى ترك استخدام المواد الإباحية هو أن مشاهدة هذه المواد معصية. ولذلك، يجب أن يكون الدافع إلى تركها أنها معصية، وأن الاستمرار فيها دون توقف وتوبة سيؤدي إلى العقوبة في الآخرة. واستخدام المواد الإباحية غير جائز في الإسلام، سواء أكانت صوراً أم أجساداً حقيقية؛ وذلك استناداً إلى القاعدة الشرعية التي تنص على أن "الوسيلة إلى الحرام حرام". ولا يشترط في الوسيلة هنا أن تؤدي إلى الحرام على وجه اليقين، بل يكفي أن يغلب على الظن ذلك.
ودليل القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فقد منع الله سبحانه وتعالى السبّ لأنه يؤدي إلى سبّ الله سبحانه وتعالى. ومن ثم، فإن القاعدة تحرّم كل ما يؤدي حتماً إلى المعصية. والمواد الإباحية تؤدي بالفعل إلى معاصٍ أخرى، مثل النظر إلى النساء بشهوة، والمغازلة المثيرة، والاختلاط بين الجنسين، واللمس المحرّم، والملاحقة، والتحرش، والاعتداء، والزنا، والعلاقات الجنسية المثلية، والاغتصاب.
والغرض من توضيح ذلك هو أن تكون نية المسلم المبتلى صادقة عندما يبدأ رحلة التغلب على استخدامه لهذه المواد، وألّا تبقى في ذهنه شكوك قد تجعل محاولته لتركها فاترة.
وبعد أن فهمنا طبيعة استخدام المواد الإباحية وخصائصه، يمكننا البدء بمناقشة كيفية التغلب عليه.
إن ما نفهمه عن استخدام المواد الإباحية ودورة استخدامها يتوافق مع ما فهمه العلماء من خصائص المعصية. يقول ابن القيم رحمه الله، في كتابه عن أمراض القلوب وعلاجها، في بيان طبيعة المعصية: "إن المعاصي تولّد معاصي أخرى، حتى يجد المرء صعوبة في تركها. وقد قال أحد علماء السلف: من عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها. فإذا عمل الإنسان حسنة، قالت له حسنة أخرى إلى جانبها: اعملني أيضاً. فإن عملها، قالت له ثالثة مثل ذلك، وهكذا، فتزداد حسناته وثوابها. ويحدث الشيء نفسه، ولكن بصورة سلبية، عندما يرتكب الإنسان معصية".
والهدف هو مقاومة الرغبات مدة كافية، بحيث تكون كل رغبة لاحقة أضعف من سابقتها. وفي نهاية المطاف، تتلاشى أعراض الانسحاب ويُتغلَّب على العادة. فكيف يستطيع المسلم الذي يريد التخلص من هذه العادة أن يحمي نفسه من هذه الرغبات، ومن ثم يتغلب على العادة؟
التوبة تتغلب على المعاصي
قال النبي ﷺ: «لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمُ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ، لَتَابَ عَلَيْكُمْ». رواه ابن ماجه. فالخطوة الأولى للتغلب على هذه العادة والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى طلباً للعون، هي أن يعترف الإنسان بذنوبه ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». رواه ابن ماجه، وحتى إذا تاب الإنسان ثم استسلم لاحقاً لرغبة وأذنب مرة أخرى، فعليه أن يتوب مجدداً. فالله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم، ويقبل التوبة من الذنوب المتكررة. قال النبي ﷺ: «إِنَّ عَبْداً أَذْنَبَ ذَنْباً فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْباً فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً، قَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْباً آخَرَ فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ». رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم، بشأن الحديث السابق: "حتى لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر، وتاب في كل مرة، قُبلت توبته ومُحي ذنبه. ولو تاب مرة واحدة من جميعها، صحت توبته".
ولا ينبغي للمسلم أن يقع، ولو مرة واحدة، في حالة من اليأس ويتوقف عن طلب مغفرة الله سبحانه وتعالى. فهذه حيلة من الشيطان، والتوقف عن طلب مغفرة الله إنكار لكونه الرحيم، وهو إنكار آثم في ذاته. لكن على المؤمن أن يتأكد من صدق توبته في كل مرة، وأن يعزم بجدية على عدم تكرار المعصية، وأن يستعيذ بالله من وساوس الشيطان.
التوكل على الله وطلب حمايته
التوكل هو الثقة الصادقة بالله سبحانه وتعالى، وإدراك أنه وحده مولى المؤمنين وحاميهم. وعندما يمتلئ القلب برغبة في شيء، يحاول الشيطان إثارة هذه الرغبات بالوساوس التي تبعث على الفتنة والميل إلى المعصية. ولذلك، فإن من يسعى إلى إخضاع رغبته في مشاهدة المواد الإباحية يجب أن يدرك الخطر الذي يمثله الشيطان، وأن يطلب حماية الله سبحانه وتعالى. وقد كان من عادة النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من وساوس الشيطان.
والسبيل إلى نيل حماية الله سبحانه وتعالى هو الإكثار من ذكره. يقدّم الإمام الغزالي رحمه الله، في كتابه "عجائب القلب"، النصيحة التالية: "ذكر الله هو الجانب الآمن؛ إذ من المعلوم أنه لا مجال للشيطان فيه. ولا يُعالج الشيء إلا بضده، وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله بالاستعاذة به والتبرؤ من الحول والقوة. وهذا هو المقصود بقولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولا يقدر على ذلك إلا المتقون الذين يغلب عليهم ذكر الله، فلا يقربهم الشيطان إلا خلسة عند زلاتهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ فحين تتسلل الوساوس إلى الذهن وتثور الفتنة، يكون سبيل مقاومتها هو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى".
تجنب مواضع المعصية والانشغال بالأعمال الصالحة
من النصائح التي يقدمها العلماء كثيراً لمن يسعى إلى التغلب على معاصيه، أن يتجنب الأماكن والأشياء التي تثير الرغبة في المعصية أفضل من الاكتفاء بمحاربة هذه الرغبة. وقد ذكرنا سابقاً المحفزات التي تثير الحواس وتميل بالقلب نحو المواد الإباحية. ويجب تحديد أشكال هذه الإشارات والمحفزات ومواضعها، وعلى المؤمن أن يبذل جهده لتجنبها قدر الإمكان. فعندما يكون المؤمن عاطلاً غير منشغل بعبادة الله سبحانه وتعالى، يصبح ذهنه عرضة لإغواء الشيطان. وقد تتسلل إلى الذهن خواطر غير إرادية يثيرها الشيطان، ولأن الإنسان لا يجد ما يشغل نفسه به، تستقر هذه الخواطر في ذهنه ويصعب إخضاعها.
ولذلك يُنصح المؤمن بتجنب الكسل والفراغ، وأن يشغل نفسه بدلاً من ذلك بما ينفعه في الدنيا والآخرة. وللأعمال الصالحة فوائد كثيرة، لكننا سنتناول هنا فائدتين: الأولى أن فعل الحسنات يمحو سيئات المؤمن، والثانية أن المؤمن المستقيم في أداء الأعمال الصالحة ينال حماية الله سبحانه وتعالى، فيجد الأمان من وساوس الشيطان. قال رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه الترمذي. ومن أفضل الأعمال أداء الصلوات الخمس المفروضة في أوقاتها. قال رسول الله ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْساً، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟». فلما أجابوه بأنه لا يبقى منه شيء، قال: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا». رواه البخاري ومسلم.
وإلى جانب أداء الفرائض، ينبغي للإنسان أن يكثر من الأعمال الصالحة النافلة. ويشدد كثير من العلماء في كتبهم على أهمية قراءة القرآن الكريم يومياً بحسب الاستطاعة. كما أن صلاة الليل، أو التهجد، من أفضل الأعمال التي يمكن للإنسان القيام بها، وكذلك صيام الاثنين والخميس. قال النبي ﷺ لغير المتزوجين: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». رواه النسائي. وينبغي أيضاً لكل من يحاول ترك هذه العادة أن يعلم أنه كلما خطرت له فكرة مشاهدة المواد الإباحية، ثم قاوم الرغبة ولم يقع في المعصية، عُدّ ذلك حسنة في ذاته. قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». رواه البخاري ومسلم. قال ابن القيم رحمه الله عن الحماية التي تأتي مع أداء الأعمال الصالحة: "إن ذكر الله سبحانه وتعالى، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحمي الإنسان من الوساوس الشريرة. وهو كجهاز المناعة الذي يقاوم أي غزو للجسم. فالحسنات والسيئات ضدان في صراع دائم، وكلما ازدادت قوة جانب الخير، ازدادت مقاومة الإنسان؛ فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، والإيمان يُعبَّر عنه بالأقوال والأعمال...".
عفة النفس وغض البصر وتجنب الاسترسال في التخيلات
يأمر الله المؤمنين في كتابه الكريم بقوله: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وفي حين أن نظرة التعرف مباحة، فإن النظرة بشهوة محرمة، وكذلك النظر إلى ما يحرم النظر إليه. ولا يمكن دائماً مؤاخذة الإنسان على ما تقع عليه عيناه، لكن عليه، بمجرد رؤية المحرّم، أن يذكر الله سبحانه وتعالى ويغض بصره. فالنظرة الأولى غير المقصودة معفو عنها، لكن إطالتها أو إتباعها بنظرة متعمدة بشهوة معصية. قال النبي ﷺ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ». رواه الترمذي وأحمد في مسنده.
وليست مواصلة النظر بشهوة معصية في ذاتها فحسب، بل إنها تثير رغبات قد تؤدي إلى مزيد من المعاصي. قال ابن القيم رحمه الله: "إن النظر يولّد الرغبة، والرغبة تولّد الخواطر، والخواطر تولّد الشهوة، والشهوة تولّد الإرادة التي تتحول إلى عزيمة قوية، وتنتهي إلى الفعل ما لم يمنع مانع. وفي هذا السياق قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده". والاسترسال في التخيلات تفكير يزيد التعلق بالمعصية، ويمكن اعتباره نتيجة للفراغ. فعندما لا يجد الذهن ما يشغله من الخير، قد تستولي عليه الخواطر غير الإرادية بسهولة. وإذا لم يذكر الإنسان الله سبحانه وتعالى في تلك اللحظة ويقاوم هذه الخواطر، فقد يقع بدلاً من ذلك في خطأ التفاعل معها والاسترسال في التخيلات. وهذا خطأ لأنه يقوّي هذه الخواطر ويعيد إشعال رغبات القلب. ومن خلال تخيّل الأفعال المحرمة، قد تشتد الرغبات وتزداد احتمالات الوقوع في المعصية مرة أخرى. ولذلك يُحثّ الإنسان على دفع هذه الخواطر بذكر الله سبحانه وتعالى، بدلاً من الاسترسال معها. قال ابن القيم رحمه الله: "اعلم أن الرغبة في ذاتها لا تضر أحداً، وإنما الضرر في التفاعل معها أو الاستجابة لها. والرغبة كعابر سبيل؛ إن تجاهلتها مضت، وإن دعوتها إلى الدخول سحرتك بكلامها الخادع".
خاتمة: الخلافة ستقضي على استخدام المواد الإباحية على مستوى المجتمع
إن علاج شر استخدام المواد الإباحية على المستوى الفردي يكمن في الإسلام، وكذلك علاج انتشارها على مستوى المجتمع. وهناك حاجة عظيمة إلى تطبيق الإسلام على مستوى المجتمع لأسباب كثيرة، منها الابتلاءات التي أطلقها مذهب اللذة الغربي على العالم. واستخدام المواد الإباحية وما يؤدي إليه من قلق وإحباط وتحرش واعتداء واغتصاب وانحراف، ليس إلا ثمرة واحدة من ثمار مذهب اللذة الفاسدة. وتتضرر حياة أعداد لا تُحصى من الناس وتُهدر.
لقد جعل مذهب اللذة في الحضارة الغربية رغبات البشر آلهة، بصرف النظر عما يترتب عليها من معصية الله سبحانه وتعالى ومن ضرر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ وبخلاف الحضارة الغربية، لا تقوم الحضارة الإسلامية على الأساس الفاسد لمذهب اللذة. فالإسلام يشبع رغبات البشر ضمن تنظيم دقيق، دون إطلاقها بإفراط، ويجعلها خاضعة لطاعة الله سبحانه وتعالى. قال رسول الله ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ». أورده الإمام النووي.
وهكذا تنظم الأحكام الشرعية العلاقة بين الرجال والنساء، وتحافظ على العفة والكرامة والشرف. وتنظم الزواج بين الرجال والنساء، بما يؤدي إلى علاقات زوجية سليمة وسعيدة ومنتجة. كما تنظم شكل التعليم والإعلام ووسائل التواصل الإلكتروني، فتوجد أجواء توجّه البشرية إلى غايتها الحقيقية في هذه الحياة الدنيا المؤقتة، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى. إن الخلافة على منهاج النبوة هي التي ستوجّه العالم كله إلى الأصل الحقيقي للسعادة، وهو ابتغاء رضوان الله.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
خليل مصعب – ولاية باكستان



