- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الثانية والعشرون
عمر بن الخطاب... كيف تجسدت سيادة الشرع في شخص الحاكم
حين يُذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا يُستحضر اسمه بوصفه حاكماً قوياً عادلا فحسب، بل بوصفه نموذجاً حياً لمعنى سيادة الشرع على الدولة والمجتمع. لم تكن قوته نابعة من شخصيته الصارمة فقط، بل من التزامه المطلق بأن الحكم لله، وأن الخليفة ليس مشرّعاً من عند نفسه، بل منفّذ لأحكام الشرع، خاضع لها قبل أن يُخضع الناس لها.
في دولة الإسلام، السيادة ليست للشعب، ولا للنخبة، ولا للمؤسسات، بل للشرع. وهذا المفهوم لم يكن شعاراً نظرياً، بل واقعاً يُمارس. الخليفة كان يدرك أنه مُقيّد بأحكام الله، وأن سلطانه ليس تفويضاً مفتوحاً، بل أمانة محكومة بالنصوص الشرعية. لذلك لم يكن فوق القضاء، ولم يكن بمنأى عن المساءلة، بل وقف خصماً أمام القاضي، وقَبِل الاحتكام إلى الحكم الشرعي كأي فرد من الرعية.
هذا الفهم يرسّخ قاعدة جوهرية في النظام الإسلامي: الخليفة لا يملك أن يتجاوز حكماً شرعياً، ولا أن يعطّل نصاً بحجة المصلحة، ولا أن يمنح نفسه حصانة خاصة. فالحاكم في الإسلام نائب عن الأمة في تنفيذ أحكام الشرع. ومن هنا نفهم كيف كانت هيبة الدولة في عهد عمر نابعة من العدل في تطبيق الأحكام، وليس من بطش السلطة.
ومن أبرز مظاهر هذا الالتزام ما عُرف عنه من محاسبة الولاة وعزلهم إذا ظهر منهم ظلم أو تقصير. لم يكن الوالي يتمتع بامتياز طبقي أو حصانة سياسية، بل كان يخضع للرقابة والمساءلة. وقد اشتهر قوله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟" في موقفه مع والي مصر. هذا الموقف لم يكن مجرد رد فعل أخلاقي، بل تطبيقاً عملياً لمبدأ أن السلطان مُقيّد بالشرع، وأن كرامة الرعية مصونة بأحكامه.
كما أن إدارة بيت المال في عهده كانت خاضعة لضوابط دقيقة. لم يكن المال العام ملكاً للخليفة أو طبقته الحاكمة، بل حقاً للأمة يُصرف وفق مصارفه الشرعية. هذه الرؤية تحصّن الدولة من تحوّل السلطة إلى وسيلة للإثراء أو المحاباة. فالخليفة لا يملك أن يتصرف في المال العام بهواه، بل وفق الأحكام المحددة في الشرع.
عند النظر إلى واقع المسلمين اليوم، يتبين أن كثيراً من الأنظمة قامت على أساس مغاير؛ فالتشريع يُستمد من إرادة بشرية أو منظومات قانونية وضعية، والحاكم قد يُمنح صلاحيات واسعة تتجاوز أي رقابة فعلية. في مثل هذا الواقع، تتحول العدالة إلى شعار سياسي، لا إلى التزام شرعي ملزم. بينما النموذج الذي مثّله عمر يؤكد أن العدل لا يتحقق إلا إذا كان على أساس الوحي، وكان الحاكم هو أول الملتزمين به.
إن قوة الدولة في الإسلام لا تُقاس بحجم أجهزتها الأمنية، ولا بوفرة مواردها، بل بمدى التزامها بأحكام الشرع. الدولة التي تجعل السيادة للشرع وأحكامه هي الأساس والمقياس، تملك معياراً ثابتاً للعدل، لا يتبدل بتبدل الأهواء أو الضغوط الدولية. أما إذا أصبحت القوانين رهينة مصالح النخب أو إملاءات الخارج، فإن الاستقرار يصبح هشاً، والثقة بين الأمة وقيادتها تتآكل.
إن الدولة في الإسلام لا تُنشئ لنفسها مرجعية من خارج الوحي، ولا تجعل لأحد حق التشريع مع الله، بل تقف عند حدود ما أنزل الله، وتجعل السلطان أداة لتنفيذ الأحكام، لا مصدراً لها. فإذا استقر هذا الأصل، استقام الحكم، وانضبطت السياسة بأحكام الشرع، وصارت القوة في خدمة العقيدة، لا في خدمة الواقع المفروض.
العدل في عهد عمر لم يكن ترفاً أخلاقياً، بل شرطاً لبقاء الدولة قوية ومتماسكة. فالناس يلتفون حول نظام يرون فيه إنصافاً حقيقياً، ويشعرون أن أحكامه تُطبّق عليهم وعلى قادتهم سواء بسواء. أما إذا ساد التمييز أو استُثنيت فئة من المحاسبة، فإن الثقة تنهار، ويبدأ الضعف من الداخل.
ما قام به عمر بن الخطاب يقدم درساً عميقاً: إقامة الحكم على أساس الإسلام تعني أن الحاكم نفسه خاضع لما يحكم به، وأن العدل ليس انتقائيا، وأن وحدة الأمة تُصان بسيادة الشرع لا بسيادة الأشخاص. هذا المفهوم هو الذي صنع هيبة الدولة آنذاك، وجعلها قادرة على حمل رسالتها خارج حدودها بثبات وثقة.
وهكذا يبقى عمر نموذجاً عملياً لدولة يكون فيها الشرع فوق الجميع، والحاكم أول من ينضبط به. ليست العبرة بشخصية تاريخية فحسب، بل بالمنهج الذي جسّدته: أن قوة الأمة في التزامها بأحكام ربها، وأن العدل حين يكون منبثقاً من عقيدة، يصبح أساس الاستقرار، وركيزة النهضة، وضمانة تحرر الإرادة السياسية من التبعية لغير أحكام الله.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



