- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الثالثة والعشرون
اليرموك... الفكرةُ تهزم الإمبراطورية
اليرموك محطة فاصلة كشفت طبيعة الصراع الحقيقي بين دولة ناشئة تحمل عقيدةً تحكم الحياة، وإمبراطورية عظمى تقوم على السيطرة والجباية. في سنة 15هـ وقف جيش المسلمين، وهو حديث عهد بقيام الدولة في المدينة، أمام جيوش الإمبراطورية البيزنطية المدججة بالعدة والخبرة. المقاييس المادية كانت ترجّح كفة الروم، لكن النتيجة جاءت لتؤكد أن ميزان القوى لا يُقاس بالعدد وحده، بل بوضوح المشروع السياسي الذي تقاتل الأمة من أجله.
الدولة التي خاضت معركة اليرموك لم تكن كياناً قبلياً يبحث عن غنيمة، ولا حركة توسع بلا ضابط، بل كانت دولة أقامها رسول الله ﷺ، تقوم على بيعة، وسيادة للشرع، ووحدة للسلطان. كان الحكم فيها منبثقاً عن العقيدة، والسياسة جزءاً من الدين، لا مجالاً منفصلاً عنه. لذلك دخل المسلمون المعركة وهم يدركون أنهم يحملون نظاماً للحياة، لا مجرد راية قومية أو طموحاً شخصياً.
الروم في المقابل كانوا يدافعون عن إمبراطورية مترهلة أنهكتها الصراعات الداخلية والضرائب الباهظة والتمييز الطبقي. قد يملك النظام قوة عسكرية ضخمة، لكنه إذا فقد العدالة والانسجام مع عقيدة الناس، صار بنياناً ضخماً بلا روح. وهنا يتجلى الفارق بين كيان يقوم على فكرة مبدئية، وكيان يقوم على الهيمنة السياسية المجردة.
برز في اليرموك دور القيادة العسكرية، وعلى رأسها خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي أعاد تنظيم الجيش بخطة مرنة، فجعل القلب متماسكاً، والأجنحة قادرة على المناورة، واستثمر سرعة الحركة لإرباك صفوف الروم. لكن التكتيك العسكري، مهما بلغ من الدقة، لا يفسر وحده ثبات جيش أقل عدداً أمام قوة تفوقه مرات. الذي صنع الفارق هو أن المجاهد المسلم كان جزءاً من دولة لها مشروع، ويقاتل ضمن طاعة إمام، وتحت راية واضحة.
لقد كان المسلمون يدركون أن المعركة ليست دفاعاً عن حدود مصطنعة، بل مواجهة بين نظامين، نظام يجعل السيادة للشرع، وآخر يجعلها للبشر. هذا الوعي السياسي هو الذي حوّل القلة إلى قوة مؤثرة. فحين تكون العقيدة أساس التفكير والحكم، يصبح القتال دفاعاً عن نمط حياة كامل، لا مجرد صراع على أرض.
اليرموك لم تُسقط جيشاً فحسب، بل مهدت الطريق لفتح الشام، وأدخلتها في حكم الإسلام. لم يكن التغيير مجرد انتقال سلطة، بل انتقال نظام؛ من إدارة إمبراطورية تقوم على الامتيازات الطبقية إلى دولة تطبق أحكام الإسلام. وهذا ما يفسر سرعة تقبل قطاعات واسعة من السكان للنظام الجديد، بعد أن لمسوا عدله.
الدرس الأهم من اليرموك أن قوة الدولة في صدر الإسلام لم تكن في السيف وحده، بل في وحدة الكيان السياسي. لم تكن هناك دويلات متنازعة، ولا حدود تقطع الجغرافيا، بل دولة واحدة بقرار واحد. الخليفة يعلن الجهاد، والجيش يتحرك، والأمة تلتف حول مشروع واضح. وحدة السلطان كانت شرطاً لازماً للنصر.
إذا نظرنا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، نجد صورة معاكسة تماماً. الأمة التي يبلغ تعدادها مئات الملايين، وتملك ثروات هائلة ومواقع استراتيجية، تعيش حالة تفرق سياسي غير مسبوقة. عشرات الكيانات القطرية، لكل منها سياساته وتحالفاته، حكامها موالون للغرب وترتبط بمعادلات دولية تقيد قرارها. في ظل هذا الواقع، تصبح أي مواجهة مع قوة كبرى محكومة بحسابات ضيقة، وبرؤية العميل والخادم لا برؤية جامعة.
اليرموك تفضح وهم الاكتفاء بالإمكانات المادية دون مشروع سياسي موحد. قد تملك الأمة جيوشاً عديدة، لكن غياب القيادة الواحدة يجعلها قوى متجاورة لا قوة موحدة. وقد تملك موارد ضخمة، لكن دون كيان جامع يوجهها وفق عقيدة الأمة، تبقى مبعثرة الأثر.
كما تكشف المعركة أن الإمبراطوريات، مهما بدت منيعة، قابلة للسقوط حين تواجه أمة تحمل فكرة واضحة ونظاماً منسجماً مع عقيدتها. القوة المادية ليست سببا حقيقيا للنصر، بل تتراجع حين تفقد الأساس الفكري والسياسي الذي يبرر وجودها. في المقابل، الدولة التي تجعل السيادة للشرع، وتوحد الأمة تحت إمام واحد، تمتلك عناصر الثبات والاستمرار.
إن استحضار اليرموك ليس للتغني بالماضي، بل لفهم سنة تاريخية ثابتة أن النصر مرتبط بوجود دولة مبدئية موحدة. فحين تكون السياسة منبثقة عن الإسلام، ويكون القرار واحداً، والوجهة واحدة، تتحول الأمة إلى قوة فاعلة في رسم موازين العالم. أما حين تنفصل العقيدة عن الحكم، ويتجزأ الكيان، فإن كثرة العدد لا تمنع التراجع.
اليرموك تقول بوضوح: الفكرة إذا تجسدت في دولة، صنعت التاريخ. والدولة إذا قامت على عقيدة الأمة، حوّلت القلة إلى قوة، وحوّلت التحدي إلى فرصة. وبين واقع التفرق اليوم وصورة الوحدة يوم اليرموك، يكمن السؤال المصيري، هل تعود الأمة إلى مشروعها السياسي الجامع، فتستعيد فاعليتها، أم تبقى قوة كامنة بلا إطار يوحدها؟ التاريخ أجاب مرة، وسيجيبها مرة أخرى قريبا إن شاء الله.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



