الإثنين، 27 رمضان 1447هـ| 2026/03/16م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الثالثة والعشرون

العمل الجماعي فريضة غائبة

 

كثير من الناس يدركون أن هناك خللاً في مجتمعهم، ويرون الفساد والظلم والاضطراب من حولهم، لكن معظمهم ينتظر "المخلّص" أو الحل السحري الذي يأتي فجأة ليصلح الأمور. هذا الانتظار يجعل الطاقات الكثيرة كامنة، وتظل المشكلة قائمة دون معالجة.

 

في الإسلام، النهضة الحقيقية لا تقوم بأفراد معزولين مهما كانت نواياهم صادقة، بل تقوم على العمل الجماعي المنظم، الذي يرتكز على عقيدة واضحة ومبادئ ثابتة. الفرد لو عمل وحده، فلن يستطيع تغيير الواقع بالكامل، لأن القوة الحقيقية تكمن في التنظيم والاتحاد على هدف محدد.

 

الرسول ﷺ لم ينهض بالإسلام وحده، بل بدأ ضمن جماعة صغيرة من الصحابة. هؤلاء الصحابة لم يكونوا مجرد متلقين للعلم، بل كانوا شركاء في بناء المشروع الإسلامي، حاملين دعوة واضحة، وملتزمين بتنفيذها وفق منهج محدد. كان لكل منهم دور، سواء في الدعوة، أو التعليم، أو حماية المجتمع الناشئ. ومن خلال هذا العمل الجماعي، استطاع ﷺ أن يبني مجتمعا متكاملا، قائما على العدل والتقوى، يمكن أن يستمر حتى في أصعب الظروف. هذا يوضح أن المشروع الجماعي المنظم أكثر قدرة على الاستمرارية والتأثير من أي جهد فردي.

 

أما العمل الفردي، مهما كان صادقاً ومخلصاً، فسيظل محدود الأثر. قد يغير الفرد حياته وحياة من حوله، لكنه لا يستطيع مواجهة منظومة كاملة من الظلم والفساد، أو إعادة تنظيم مجتمع بأسره. هنا يظهر الفرق بين الأثر الشخصي والأثر الجماعي: الأول شخصي مؤثر على نطاق ضيق، والثاني قادر على تحقيق تحول شامل. مثال ذلك، كثير من الناس قد يرفضون الظلم في حياتهم الخاصة، ويتجنبون الرشوة أو الغش، لكن ما لم يتكاتفوا على تغيير النظام القائم أو التصدي للسياسات الظالمة، سيظل الفساد سائداً.

 

في مصر اليوم، كل فكرة جماعية للتغيير تواجه قيوداً كبيرة. المنظمات والمبادرات التي تحاول العمل بشكل جماعي توضع تحت المراقبة، وتُحاصر، لأن الجماعة الواعية أخطر على الظلم من الفرد الغاضب. الفرد قد يثور لحظة غضب، لكن تأثيره يظل محدوداً ويُمحى بسهولة. أما الجماعة، عندما تتفق على هدف واضح، وتنسق خطواتها وفق خطة، تصبح قوة لا يمكن تجاهلها، وقادرة على تحقيق إصلاح حقيقي، إذا توفرت لها الحرية والإمكانات.

 

رمضان يذكّر المسلمين بأهمية هذا المفهوم بطريقة عملية. الشهر الكريم ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل تدريب على الصبر والانضباط والالتزام بخطوات ثابتة. المسلم يتدرّب على ضبط النفس ساعات طويلة، على تنظيم وقته بين العبادة والعمل والراحة، وعلى التزام خطة محددة من الفجر إلى المغرب. هذه التجربة الرمضانية تصقل القدرة على العمل الجماعي المنظم: كل شخص في المجتمع له دوره، والتعاون على هدف واحد يعزز قوة الجماعة.

 

رمضان يعلمنا أن التغيير فريضة، لا مجرد خيار. الصيام يعلم المسلم أن الإنسان لا يعيش منفرداً، وأن الجوع والعطش تجربة تعمق التعاطف مع الآخرين. لكن هذه الرحمة لا تكتمل إلا بالعمل على إزالة الظلم عمن حولنا، لا الاكتفاء بالندم أو الدعاء فقط. تماماً كما أن الصائم يمتنع عن الطعام، يجب أن يمتنع عن الظلم، ويشارك في رفع الظلم عن الآخرين وفق منهج محدد.

 

الرسالة هنا واضحة؛ أي محاولة للتغيير الفردي وحدها ستظل ناقصة. الفارق بين العمل الفردي والعمل الجماعي هو التنظيم، والانضباط، والقدرة على الاستمرار. جماعة تعمل وفق خطة واضحة ومبدأ ثابت وتبنيات واحدة، قادرة على مواجهة التحديات، وتحقيق إصلاح حقيقي دائم. رمضان هو تذكير سنوي بأن هذه المبادئ ليست نظرية فحسب، بل يمكن تطبيقها في حياتنا اليومية.

 

باختصار، إدراك الخلل وحده لا يكفي. العمل محدود. النهضة الحقيقية تبدأ بالعمل الجماعي المنظم، بالوضوح في الهدف، وبالإرادة الصادقة على تطبيق المبادئ. رمضان يعلّمنا أن الصبر، والانضباط، والالتزام بخطة واضحة، والتزام الكتلة، هي مفاتيح نجاح أي مشروع تغيير حقيقي. وهكذا يتحول الإدراك إلى فعل، والفعل الفردي إلى قوة جماعية قادرة على إحداث التغيير المنشود.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع