الأربعاء، 29 رمضان 1447هـ| 2026/03/18م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الخامسة والعشرون

متى ينتهي حكم الطغاة؟

 

الطغيان ظاهرة شائعة في حياة الأمم، لكنه ليس حتميا، ولا حقيقة دائمة. كثيرون يظنون أن الحكام الأقوياء، أو أن الأنظمة المستبدة لا يمكن مواجهتها، وأن الاستسلام للواقع هو الخيار الوحيد. الحقيقة أن الطغيان قائم على ثلاثة أركان رئيسية: شرعية النظام في نظر الناس، دعم الحاضنة، وأدوات الحماية التي تضمن استمرار سلطته. كل طاغية يبدو قوياً بينما هذه الأركان مستمرة، لكنه ينهار سريعاً إذا فقد أيّاً منها. التاريخ مليء بالأمثلة: حاكم قوي يبدو لا يُقهر، لكنه يسقط بمجرد أن يخسر دعم شعبه، أو تنشق حاشيته، أو يتوقف الجيش أو الأجهزة الأمنية عن حمايته.

 

في الإسلام، الطغيان حالة طارئة، لا أصلا دائما. الله تعالى وعد بزوال الظلم والفساد، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. لكن هذا الوعد لا يعني الجلوس والانتظار، بل مرتبط بالأخذ بالأسباب؛ بالوعي، وبالتنظيم، وبالمسؤولية، وبالعمل ضمن خطة واضحة لإعادة الحق. التاريخ الإسلامي يقدّم أمثلة ملموسة فالخلفاء الراشدون حين واجهوا طغياناً أو فساداً، لم يكتفوا بالدعاء أو النداء، بل اتخذوا خطوات عملية. الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على سبيل المثال، كان يحاسب المسؤولين مباشرة، ويقف عند حدود العدل بلا خوف من سلطان أي شخص، ليحمي الناس ويوقف استغلال السلطة.

 

رمضان، بشعائره وفضائله، يقدّم درساً عملياً للأمة في هذا السياق. الصيام يعلم الصبر والانضباط، والقيام يعزّز الإرادة والقدرة على المثابرة. لكن الصبر الحقيقي لا يعني الاستسلام للظلم والاضطهاد، بل الصبر في طريق التغيير، الصبر على تخطيط خطوات عملية لإعادة الحق. الصائم يختبر قوته الداخلية أمام الجوع والعطش، وهذا اختبار مشابه للصبر على مواجهة الأنظمة العميلة يحتاج إلى إرادة صلبة، إلى استعداد، وإلى حسن تنظيم.

 

لنأخذ مثالاً عملياً فإذا استمر نظام في فرض سيطرته على الناس عبر التضليل الإعلامي، واحتكار الموارد، وقمع الأصوات التي تعمل للتغيير الحقيقي، فإن مجرد تذمر الأفراد وحده لن يكفي لتغييره. المطلوب أن تُفقد الشرعية في أعين الناس، أن تتراجع الحاضنة الشعبية التي تدعم النظام، وأن تتعطل أدوات الحماية مثل الأجهزة الأمنية أو مؤسسات الحكم الذاتي التي تخدم الطغيان. كل هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى سقوط الطاغية، تماماً كما سقط الظالمون في التاريخ عندما فُقدت أركان قوتهم.

 

التجربة الرمضانية تعلمنا أيضاً أن التغيير يحتاج إلى صبر طويل ومثابرة. الليل الطويل في رمضان، السهر للصلاة والقيام، والامتناع عن الطعام والشراب ساعات طوالاً، كلها أمثلة حية على قدرة الإنسان على تحمل المشاق من أجل هدف أكبر. في سياق مواجهة الطغيان، هذه التجربة الرمضانية ترمز إلى أن العمل لإزالة الظلم ليس سريعاً، بل يتطلب صبراً وانضباطاً، وخطة واضحة، وتحملاً للشدائد.

 

إضافة إلى ذلك، رمضان يعيد للأمة تذكيراً بوحدة المصير: الصائم يشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين، ويدرك أن الظلم يؤثر على الجميع. هذا الإدراك يزرع الوعي بأن أي نظام جائر يؤثر على حياة الناس بشكل مباشر، وأن عدم اتخاذ موقف من الظلم يعني استمرار المعاناة. وهكذا يتحول الوعي إلى مسؤولية جماعية، ويصبح العمل لإحقاق الحق واجباً يمس كل جزء من المجتمع.

 

درس رمضان واضح؛ الطغيان لا يدوم، لكنه لن يسقط من تلقاء نفسه. الظلم لن يزول بمجرد الدعاء أو التمني، بل بالإرادة، بالوعي، وبالعمل المنظم. الصبر الحقيقي ليس على الاستسلام، بل على طريق التغيير، على تحمل المشاق، على مواجهة القوى التي تقف في طريق الحق. وهكذا تصبح رسالة رمضان أكبر من عبادة فردية، فهي تذكير للأمة بأن الظلم زائل، وأن الطريق إلى الحق يحتاج إلى صبر ومسؤولية، تماماً كما وعد الله، وأن كل طاغٍ مهما علا شأنه، سيزول حين تُسلب أدوات بقائه وتفقد شرعيته وحاضنته وحمايته.

 

بهذا الفهم، يصبح رمضان مدرسة للمثابرة والتخطيط والعمل الواعي، شهر يربط بين العبادة والإرادة، بين الصبر والتحرك، بين الشعور بالظلم والمسؤولية عن تغييره. الطغيان يبدو قوياً لكنه هش، والصبر في رمضان يعلّم الأمة كيف يكون صبرها في طريق الحق، لا على الاستسلام للواقع الظالم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع