- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة السادسة والعشرون
وعد النصر... بين سنن التغيير وإقامة السلطان بالإسلام
لم ينزل القرآن ليواسي النفوس بكلمات عاطفية، ولا ليصف الواقع كما هو ثم يترك الناس أسرى له، بل نزل ليقيم ميزاناً تُوزن به الأفكار، ويحدد سنناً تحكم حياة الأمم، ويبين الطريق العملي لإقامة الحق في الأرض. ومن أعظم هذه السنن سنة النصر؛ فالنصر في الإسلام ليس أمنية تُردد، ولا شعوراً يُستحضر في المواسم، بل هو وعد من الله مشروط بتحقيق مقتضياته، وعلى رأسها الإيمان العميق، والعمل السياسي الواعي لإقامة حكم الله في الأرض.
إن الله سبحانه حين قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، لم يربط الاستخلاف بمجرد التدين الفردي، ولا بالعبادات المجردة عن واقع الحكم، بل ربطه بالإيمان والعمل الصالح، والعمل الصالح يشمل إقامة المجتمع على أساس الإسلام، وإقامة السلطان الذي يحكم بشرع الله، ويحمل الدعوة إلى العالم.
كثير من الناس، خصوصاً في رمضان، يقرأون آيات النصر ويستشعرون معانيها الروحية، لكنهم يفصلونها عن بُعدها السياسي والحضاري. يُطلب النصر دون مشروع، والتمكين دون دولة، والتغيير دون صراع فكري وسياسي مع الأنظمة القائمة على غير الإسلام. وهذا فهم قاصر، لأن القرآن يربط النصر بإقامة الدين، لا بمجرد تحسين أخلاق الأفراد داخل أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله.
لقد كان رسول الله ﷺ في مكة يحمل دعوة فكرية سياسية واضحة، يصارع بها واقعاً قائماً على الشرك والظلم. لم يكتفِ بالدعوة الأخلاقية، بل كان يعمل لإيجاد كتلة مؤمنة واعية، تحمل مشروع الإسلام كاملاً، وتسعى لإقامة كيان سياسي يحكم به. وعندما هاجر إلى المدينة، لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالاً من مرحلة الصراع الفكري وطلب النصرة، إلى إقامة الدولة التي تطبق الإسلام في الحكم، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، وسائر شؤون الحياة.
النصر في المدينة لم يكن معجزة، بل كان ثمرة عمل منظم: إعداد أفراد على وعي سياسي بالإسلام، تفاعل مع المجتمع، طلب نصرة من أهل القوة والمنعة، ثم إقامة دولة لها سلطان وهيبة. هذا هو النموذج القرآني للنصر؛ نصر مرتبط بإقامة كيان سياسي يُطبق الإسلام ويحمله رسالة إلى العالم.
أما في واقعنا المعاصر، وفي بلاد مثل مصر، فإن الضيق الاقتصادي، والتبعية السياسية، وارتهان القرار للقوى الدولية، كلها ليست مجرد أزمات عابرة، بل نتائج طبيعية لغياب الحكم بالإسلام، ولخضوع البلاد لنظام رأسمالي يجعل السيادة للبشر والتشريع للأغلبية أو للنخبة الحاكمة، لا لشرع الله. ومن الخطأ أن يُظن أن النصر سيأتي مع بقاء هذه الأسس كما هي.
إن سنة الله في التغيير واضحة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. والتغيير المطلوب ليس مجرد إصلاح سلوكي فردي، بل تغيير المفاهيم التي تحكم الحياة، واستبدال مبدأ فصل الدين عن الحياة وتحكيم مبدأ جعل عقيدة الإسلام أساساً للدولة والمجتمع. فلا يكفي أن يكون الناس متدينين في عباداتهم، بينما نظام الحكم، والنظام الاقتصادي، والسياسة الخارجية، كلها تسير وفق تشريعات وضعية.
لقد شهد تاريخ المسلمين أمثلة واضحة على أن القوة والعزة ارتبطتا بوجود دولة تطبق الإسلام. ففي عهد الخلفاء الراشدين، كانت الدولة ترعى شؤون الناس على أساس الشرع، وتضمن توزيع الثروة وفق أحكام الإسلام، وتحمل الدعوة إلى العالم، حتى أصبحت أمة الإسلام قوة عظمى خلال سنوات قليلة. ولم يكن ذلك نتيجة موارد طبيعية فقط، بل نتيجة الثبات على العقيدة والسيادة للشرع.
أما حين غاب الحكم بالإسلام، وتسللت المفاهيم الغربية إلى بلاد المسلمين، وتفككت إلى كيانات قطرية، أصبحت كل دولة تبحث عن رضا القوى الكبرى، وتخضع لشروط المؤسسات المالية الدولية، وتُدار اقتصاداتها وفق الربا والديون. وهنا يتجلى الفرق بين نصرٍ مرتبط بالسيادة للشرع، وواقعٍ قائم على التبعية.
إن الصبر الذي يدعو إليه الإسلام ليس صبراً على الظلم، ولا قبولاً بالواقع الفاسد، بل صبر على طريق العمل لإقامة الحكم بالإسلام. صبرٌ على الأذى في سبيل قول الحق، وصبرٌ على طول الطريق، وثباتٌ على المشروع، دون مساومة أو ذوبان في أنظمة لا تعترف بسيادة الشرع.
ورمضان، بما فيه من تدريب على ضبط النفس وتحمل المشقة، يذكر الأمة بأن التغيير يحتاج إلى إرادة، وأن الامتناع عن الحرام، والصبر على الطاعة، يمكن أن يمتد إلى ميدان العمل السياسي لإزالة أنظمة الجور، وإقامة دولة تطبق الإسلام كاملاً غير منقوص.
إن وعد الله بالنصر حق لا ريب فيه، لكنه مرتبط بشرطه أن تكون الغاية إقامة الدين، وأن يكون العمل منظماً واعياً لإقامة سلطان الإسلام في الأرض. وعندها يتحقق الاستخلاف، ويزول الظلم، وتعود للأمة وحدتها وقوتها.
فالطرح الإسلامي ليس دعوة روحية مجردة، ولا إصلاحاً جزئياً داخل أنظمة فاسدة، بل هو مشروع شامل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، السيادة فيها للشرع، والسلطان للأمة، وتحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا هو الطريق الحقيقي للنصر، وهو واجب على الأمة أن تسعى إليه، حتى تلقى الله وقد قامت بما أوجب عليها.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



