- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة السابعة والعشرون
ليلة القدر وسنن التغيير... من الوعي إلى إقامة دولة الإسلام
ليلة السابع والعشرين من رمضان ليست محطة عاطفية عابرة، ولا مجرد لحظة يكثر فيها الدعاء والدموع، بل هي تذكير عميق بأن هذا الدين نزل ليُقام في واقع الناس، لا ليبقى محصوراً في وجدان الأفراد. فالقرآن الذي نزل في ليلة القدر لم ينزل ليُتلى فحسب، وإنما ليحكم، وليكون أساسا وحيداً لتنظيم شؤون الحياة، من الحكم والسياسة إلى الاقتصاد والاجتماع وسائر العلاقات.
كثيرون يتحدثون عن التمكين وكأنه هبة مفاجئة أو كرامة تقع بلا مقدمات. لكن الإسلام يربط النصر بسنة ثابتة؛ وجود جماعة مؤمنة واعية تحمل مشروعاً واضحاً لإقامة الحكم بما أنزل الله، وتسير فيه سيراً منضبطاً حتى يتحقق. فالله سبحانه يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، والاستخلاف هنا ليس تمكيناً فردياً، بل تمكين سياسي تُقام به دولة تُطبق الإسلام وتحمله رسالة إلى العالم.
المرحلة الأولى في هذا الطريق هي الوعي؛ وعيٌ بأن الإسلام مبدأ شامل، لا يقبل التجزئة، ولا يرضى أن يكون مجرد طقوس تعبدية. فالرسول ﷺ في مكة لم يبدأ بالمطالبة بإصلاحات جزئية داخل النظام في قريش، بل بدأ بتأسيس وعيٍ عقديٍّ وسياسي ينسف أساس النظام القائم. علّم الصحابة أن السيادة لله وحده، وأن التشريع حق خالص له سبحانه، فكان ذلك إعلاناً صريحاً برفض أي مرجعية بشرية تُزاحم الوحي في الحكم.
هذا الوعي لم يكن ثقافة نظرية، بل وعياً يقود إلى عمل سياسي منظم. فالنبي ﷺ تفاعل مع المجتمع، وواجه الأفكار السائدة، وكشف فساد الزعامة القرشية، ثم طلب النصرة من أهل القوة والمنعة، حتى أكرمه الله بنصرة الأنصار في المدينة. وعندما قامت الدولة هناك، لم تكن دولة وعظ وإرشاد، بل دولة سلطان؛ أقامت الحدود، ونظمت الاقتصاد بأحكام الزكاة والفيء والخراج والنقد والملكيات، وأدارت العلاقات الدولية على أساس حمل الدعوة والجهاد.
من هنا يتضح أن التمكين لا يتحقق بالدعاء المجرد، ولا بالاندماج في أنظمة تقوم على غير الإسلام، بل بالعمل لإزالة تلك الأنظمة وإقامة كيان سياسي يحكم بشرع الله كاملاً غير منقوص. فالواقع الذي تعيشه الأمة اليوم، من تبعية سياسية واقتصادية، ومن ارتهان للمؤسسات الدولية الربوية، ومن تجزئة للبلاد الإسلامية إلى كيانات متناحرة، هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة التي تجعل السيادة للشرع.
الصبر في هذا الطريق ليس قبولاً بالأمر الواقع، بل ثبات على مشروع التغيير. صبرٌ على الأذى، وعلى حمل الفكرة في وجه الاتهامات والتشويه، وصبرٌ على طول الطريق دون انحراف أو مساومة. لقد صبر الرسول ﷺ في مكة سنوات وهو يواجه الإيذاء والحصار، لكنه لم يبدل مشروعه، ولم يقبل حلولاً وسطاً تُبقي الجاهلية في الحكم.
وليلة القدر تذكر الأمة بأن القرآن الذي نزل فيها هو دستور حياة، وأن تعظيم هذه الليلة يقتضي تعظيم ما نزل فيها. فكيف يُعظم القرآن ثم يُترك حكمه؟ وكيف يُطلب النصر من الله مع الإبقاء على أنظمة تفصل شرعه عن الدولة وتحتكم إلى دساتير بشرية؟ إن التناقض بين طلب التمكين والرضا بالواقع القائم هو أحد أسباب استمرار الضعف.
التاريخ يشهد أن الأمة حين كانت تملك دولة تطبق الإسلام، كانت قوة يُحسب لها حساب. في عهد الخلفاء الراشدين، لم تكن الثروات وحدها سر القوة، بل وضوح المرجعية، ووحدة الكيان السياسي، وخضوع الحاكم والمحكوم لأحكام الشرع. وعندما فُقد هذا الكيان، وتسللت المفاهيم القومية والوطنية، ضاعت الوحدة، وأصبحت كل دولة تبحث عن بقائها ولو على حساب دينها وأمتها.
إن الطريق إلى التمكين اليوم هو ذاته الذي سار عليه الرسول ﷺ: إيجاد كتلة واعية على أساس العقيدة، تتبنى الإسلام بوصفه نظام حياة شاملاً، وتعمل عملاً سياسياً لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحد بلاد المسلمين، وتجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، وتحمل الدعوة إلى العالم.
ليلة السابع والعشرين ليست إذاً مجرد محطة روحانية، بل رسالة عملية: أن القرآن الذي نزل فيها ينتظر من الأمة أن تعود إليه حاكماً لا محكوماً، قائداً لا تابعاً. فالنصر وعدٌ صادق، لكنه مرتبط بتحقيق شرطه؛ إقامة الدين في واقع الحياة، وإعادة السلطان للإسلام. وهذا هو الطريق الذي ينسجم مع سنن الله في التغيير، وهو الواجب الذي ستُسأل عنه الأمة غدا بين يدي ربها.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



