- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة التاسعة والعشرون
بعد رمضان... هل نعود إلى الغفلة أم نسير في طريق إقامة الإسلام؟
الخطر الحقيقي بعد رمضان ليس في وقوع الذنوب فحسب، بل في العودة إلى الحياة ذاتها التي كان الشهر يهزّها فينا ويوقظنا منها. رمضان ليس موسم مشاعر عابرة، ولا محطة روحية منفصلة عن الواقع، بل هو مدرسة لإعادة صياغة وعي المسلم، ليعيش الإسلام بوصفه منهج حياة شاملاً، لا شعائر مؤقتة تنتهي بانتهاء الهلال.
في رمضان، يعلو صوت القرآن، وتمتلئ المساجد، وتلين القلوب، ويشعر الناس بقرب خاص من الله. لكن السؤال الأهم: ماذا بعد؟ هل يبقى الإسلام محصوراً في دائرة العبادة الفردية، أم يتحول إلى وعي سياسي يدرك أن هذا الدين نزل ليُحكم به في شؤون الحياة كلها؟
إن الإسلام ليس مجرد علاقة روحية بين العبد وربه، بل هو عقيدة ينبثق عنها نظام شامل ينظم الحكم والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نخسره بعد رمضان هو أن نعود إلى فصل الدين عن واقع الحياة، فنصلي ونصوم، ثم نرضى بأن تُدار شؤوننا بدساتير وقوانين وضعية لا تجعل السيادة للشرع.
رمضان يربينا على معنى الطاعة الكاملة. فالصائم يمتنع عن المباح طاعةً لله، فكيف يرضى بعد ذلك أن تُستباح أحكام الله في الحكم والسياسة والاقتصاد؟ وكيف يقبل أن تُدار البلاد بقوانين بشرية، وأن تُربط اقتصادات المسلمين بالمؤسسات الربوية الدولية، وأن تُجزأ الأمة إلى كيانات متفرقة تُقدّم ولاءها للحدود المصطنعة بدل رابطة العقيدة؟
إن الأزمة التي تعيشها مصر وسائر بلاد المسلمين ليست أزمة أخلاق فردية، بل أزمة نظام حكم. ارتفاع الأسعار، اتساع رقعة الفقر، تفاقم الديون، الارتهان السياسي للخارج، كلها نتائج طبيعية لغياب نظام الإسلام عن الحكم. والمعالجات الجزئية لا تغير الجوهر، لأنها تترك الأساس كما هو سيادة البشر بدلا من سيادة الشرع.
رمضان يجب أن يخرجنا بوعيٍ سياسيٍّ واضح، أن المشكلة ليست في سوء الإدارة ولا أدوات النظام، بل في غياب الدولة التي تطبق الإسلام كاملاً. فحين يغيب الكيان السياسي الذي يجعل القرآن دستوراً فعلياً للحياة، تبقى الطاعات الفردية محدودة الأثر في تغيير الواقع العام.
الصحابة رضي الله عنهم لم يكن رمضان عندهم عزلة عن الشأن العام، بل كان شهر إعداد، وفيه تتويج مراحل من الصراع السياسي والعسكري لإقامة سلطان الإسلام. كانوا يفهمون أن العبادة تزكي النفوس، لكن إقامة الدين تحتاج إلى عمل منظم لإيجاد دولة تطبق الأحكام وتحمل الدعوة.
ومن هنا فإن الوعي وحده لا يكفي، بل لا بد أن يتحول إلى عمل سياسي منضبط بطريقة الرسول ﷺ. في مكة، لم يكتفِ ﷺ بتزكية الأفراد، بل كوّن كتلة واعية على أساس العقيدة، تحمل مشروعاً واضحاً لإقامة الحكم بما أنزل الله. اشتغل بالصراع الفكري والكفاح السياسي، وكشف فساد النظام القائم، تزامنا مع طلب النصرة من أهل القوة والمنعة حتى قامت الدولة في المدينة.
هذا هو الطريق الشرعي للتغيير: إيجاد جماعة مبدئية على أساس الإسلام، تعمل لإيجاد رأي عام منبثق عن وعي عام، ثم تسعى لإقامة الدولة التي تجعل السيادة للشرع والسلطان للأمة. أما الاكتفاء بالإصلاح الجزئي، أو الاندماج في أنظمة تقوم على غير الإسلام، فهو مسار لا يحقق التمكين، بل يطيل عمر الواقع الفاسد.
بعد رمضان، نحتاج إلى ثلاثة أمور واضحة:
أولاً: تثبيت الوعي بأن الإسلام نظام شامل، وأن إقامة حكمه فرض على الأمة، لا خياراً سياسياً من بين خيارات.
ثانياً: الارتباط بعمل منظم يسير على طريقة الرسول ﷺ في التغيير، بعيداً عن العشوائية وردود الأفعال.
ثالثاً: الصبر الطويل على الطريق، دون مساومة أو انحراف.
الصبر الذي نتعلمه في الصيام ليس مجرد تحمل الجوع والعطش، بل هو تدريب على الثبات على الطاعة رغم المشقة. كذلك العمل لإقامة الإسلام يحتاج إلى صبر على الأذى، وصبر على طول الطريق، وصبر على حمل الفكرة في وجه التشويه والاتهام.
الخطر بعد رمضان إذاً أن نختزل الدين في دائرة فردية، وأن نرضى بواقع يفصل الإسلام عن الحكم، ثم ننتظر نصراً لا تتحقق شروطه. أما الطريق الصحيح فهو أن نجعل من رمضان نقطة انطلاق لوعي سياسي ناضج، يدرك أن القرآن الذي نزل في ليلة القدر لم ينزل ليُقرأ فحسب، بل ليُحكم به.
إذا خرج المسلم من رمضان وهو يدرك أن إقامة الخلافة على منهاج النبوة فرض شرعي وضرورة عملية، وأن العمل لها يجب أن يكون منظماً منضبطاً بطريقة الرسول ﷺ، فقد حفظ أعظم ثمرات الشهر. أما إذا عاد إلى حياته السابقة دون مشروع تغيير، فقد ضيّع فرصة عظيمة.
رمضان ليس نهاية موسم، بل بداية طريق؛ طريق إعادة الإسلام إلى مركز الحياة، طريق استعادة وحدة الأمة، طريق إقامة دولة تجعل العدل حكماً، والسيادة للشرع، وتحمل الخير للعالم. ذلك هو الامتداد الطبيعي لمدرسة رمضان، وذلك هو المعنى الحقيقي للثبات بعده.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



