الخميس، 08 شوال 1447هـ| 2026/03/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الثانية والثلاثون

وهم الاستحالة... كيف يتحول اليأس إلى طريق إقامة الخلافة؟

 

كثير من الناس يُلقَّنون اليوم فكرة أن التغيير مستحيل، وأن الظلم القائم قدرٌ لا يُرد، وأن قوة الأنظمة وسطوتها الأمنية والسياسية تجعل أي حديث عن التحول الجذري ضرباً من الخيال. هذا الشعور بالعجز ليس حالة عفوية، بل هو أحد أخطر الأسلحة التي يعتمد عليها الطغيان؛ إذ يكفي أن تقتنع الأمة بأن لا جدوى من العمل للتغيير حتى يستقر الظلم بلا مقاومة حقيقية. حين يموت الأمل الواعي في النفوس، لا تعود الأنظمة بحاجة إلى قمع دائم، لأن الاستسلام يصبح ثقافة عامة.

 

لكن هذا الوهم يتهاوى إذا قيس بميزان الإسلام. فالإسلام لا يعترف باستحالة التغيير ما دام البشر قادرين على العمل وفق السنن التي وضعها الله في الكون. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. هذه الآية ليست دعوة وعظية مجردة، بل تقرير لقاعدة سياسية بأن التغيير يبدأ من وعيٍ يتبعه عمل منظم منضبط بأحكام الشرع.

 

الرسول ﷺ واجه في مكة نظاماً متجذراً، تملك فيه قريش المال والزعامة والسلاح، وتسيطر على مفاصل المجتمع. لو قيس الأمر بموازين القوة المادية وحدها لكان التغيير مستحيلاً. لكن النبي ﷺ لم يتعامل مع الواقع بوصفه قدراً نهائياً، بل بوصفه واقعاً فاسداً يجب تغييره على أساس العقيدة. بدأ ببناء كتلة مؤمنة واعية، تُدرك أن السيادة لله وحده، وأن الحكم لا يكون إلا بما أنزل الله. خاض صراعاً فكرياً مع مفاهيم الجاهلية، وكشف فسادها، ورفض الحلول الوسط، ثم انتقل إلى طلب النصرة حتى أقام الدولة في المدينة.

 

إقامة الدولة لم تكن انفجاراً عاطفياً، بل نتيجة عمل سياسي منظم استمر سنوات. هذا المنهج هو الذي يُبطل مقولة الاستحالة. فالتغيير في الإسلام ليس فوضى، ولا انتفاضة غضب، بل عمل مبدئي يسير وفق طريقة الرسول ﷺ: صراع فكري، كفاح سياسي، طلب نصرة، ثم إقامة سلطان يطبق الإسلام كاملاً.

 

الأنظمة القائمة اليوم تخشى هذا الفهم تحديداً. فهي قد تسمح بانتقاد الخدمات أو السياسات الاقتصادية، لكنها تضيق ذرعاً بأي حديث عن أصل النظام والعقيدة التي انبثق عنها. لأن السؤال الحقيقي ليس عن سوء إدارة، بل عن مصدر التشريع: هل السيادة للشرع أم للبشر؟ حين يدرك الناس أن الأزمة الاقتصادية، والديون الربوية، والتبعية السياسية، ليست أخطاء عرضية بل نتائج طبيعية لغياب الحكم بما أنزل الله، يبدأ التفكير في التغيير الجذري.

 

في مصر وسائر بلاد المسلمين تتكرر الأزمات؛ ارتفاع الأسعار، تآكل الدخول، تضخم الديون، ارتهان القرار السياسي... يُطلب من الناس الصبر، لكن لا يُطرح السؤال عن النظام الاقتصادي القائم على الربا، ولا عن التبعية للمؤسسات المالية الدولية. يُعالج العرض وتُترك الجذور، وهذا ما يجعل الأزمات تتجدد مهما تغيرت الوجوه.

 

النظرة الصحيحة من زاوية الإسلام تنطلق من أن المشكلة الأساسية هي غياب دولة الخلافة التي تجعل السيادة للشرع والسلطان للأمة. فالإسلام لا يقدّم حلولاً جزئية داخل نظام رأسمالي، بل يطرح نظاماً اقتصادياً مستقلاً، قائماً على أحكام الملكيات، وتحريم الربا، ورعاية شؤون الناس بوصفها واجباً شرعياً على الدولة. كما يطرح نظام حكم يجعل الحاكم مقيداً بالأحكام الشرعية، وتُحاسبه الأمة على أساسها.

 

الوهم الأكبر أن يُظن أن إقامة هذا الكيان أمر خيالي، بينما قيام دولة الإسلام الأولى يثبت العكس. فالدولة التي قامت في المدينة خلال سنوات قليلة تحولت إلى قوة تُزلزل عروش الإمبراطوريات. لم يكن السر في كثرة العدد أو العتاد، بل في وضوح الفكرة، ووحدة القيادة، والالتزام بطريقة محددة في العمل.

 

كذلك فإن الطغيان المعاصر ليس قوة مطلقة؛ قوته مستمدة من تشتت الأمة، ومن غياب المشروع المبدئي الجامع. فإذا وُجد وعي سياسي عام بأن الإسلام هو البديل الحقيقي، وتحول هذا الوعي إلى رأي عام يطالب بالحكم بما أنزل الله، ثم وُجد العمل المنظم الذي يسير بطريقة الرسول ﷺ، فإن موازين القوى تتغير.

 

رمضان يعلّمنا معنى الصبر المنضبط. فالصائم يمتنع عن المباح طاعةً لله، فيتدرب على ضبط إرادته. هذا التدريب ليس غاية في ذاته، بل إعداد لتحمل مشقة الطريق في الحياة. فالتغيير يحتاج إلى صبر طويل، وثبات على الفكرة، ورفض للمساومة، كما فعل الرسول ﷺ حين عُرضت عليه تنازلات مقابل التخلي عن مشروعه.

 

الوهم بأن التغيير مستحيل يسقط حين تُفهم سنن الله. النصر ليس حلماً عاطفياً، بل نتيجة مباشرة للسير وفق الطريقة الشرعية التي قام بها النبي ﷺ. فإذا غيّرت الأمة ما بنفسها من مفاهيم الاستسلام، واستبدلت بها وعيا سياسيا مبدئيا، وعملت عملاً منظماً لإقامة دولة تطبق الإسلام، فإن وعد الله بالاستخلاف يتحقق.

 

ليست القضية إذاً بين قوة الطغيان وضعف الناس، بل بين غياب المشروع ووجوده. فإذا وُجد المشروع المبدئي الواضح، وسارت الأمة في طريقه بصبر وثبات، تحوّل اليأس إلى طاقة، وتحول الوهم إلى بداية طريق حقيقي نحو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع