الخميس، 08 شوال 1447هـ| 2026/03/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

لماذا ترتجف عروش الأنظمة أمام فكرة الخلافة؟

 

 

أخطر ما يواجه الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين ليس أزمةً اقتصادية طارئة، ولا احتجاجاً محدوداً، ولا حتى صراعاً سياسياً تقليدياً. أخطر ما يواجهها هو أن تستعيد الأمة وعيها السياسي على أساس عقيدتها. حين تدرك الأمة أن الإسلام ليس شعائر فردية فحسب، بل مبدأ كامل ينظم الحكم والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية، فإنها تبدأ بالعمل لتغيير الواقع من جذوره، لا من هوامشه. وهنا يتحول الوعي إلى قوة مبدئية تهز أركان البناء السياسي القائم.

 

إن الأنظمة التي نشأت بعد هدم الخلافة العثمانية لم تُبنَ على أساس العقيدة الإسلامية، بل على أساس الدولة القُطرية الوطنية، المرتبطة بالنظام الدولي الرأسمالي. هذه الأنظمة تستمد شرعيتها من دساتير وضعية، ومن اعتراف دولي، ومن نظم قانونية تفصل الدين عن الحياة. ولذلك فإنها ترى في أي حديث عن تحكيم الإسلام كاملاً، أو عن وحدة الأمة في ظل الخلافة، تهديداً مباشراً لأساس وجودها.

 

الوعي السياسي ليس تمرداً فوضوياً، ولا خروجاً غير منضبط، بل هو إدراك لطبيعة الحكم في الإسلام أن السيادة للشرع، وأن السلطان للأمة، وأن الحاكم يُبايَع على السمع والطاعة في المعروف، ويلتزم بتطبيق أحكام الله، ويُحاسَب إن خالف. حين تفهم الأمة أن الحكم عقدٌ رضائي يحصل ببيعة شرعية صحيحة، لا تغلباً بالقوة ولا تفويضاً مطلقاً بلا ضوابط، فإنها تعيد تعريف مفهوم الشرعية نفسه.

 

ولهذا تخشى الأنظمة من انتشار هذا الفهم؛ لأنه يكشف التناقض بين واقعها وبين أحكام الإسلام. فحين يُطرح سؤال ما مصدر القوانين؟ أهي الكتاب والسنة أم التشريعات البشرية؟ وحين يُسأل لماذا تُدار الثروات العامة ضمن منظومة رأسمالية تجعلها عرضة للخصخصة والارتهان؟ وحين يُناقش لماذا تُجزَّأ الأمة إلى دول متناحرة بينما الأصل الشرعي هو وحدة المسلمين تحت إمام واحد؟ عندها يصبح النقاش سياسياً مبدئياً، لا جدلاً إدارياً حول تحسينات جزئية.

 

لقد غُيِّبت عن الأمة مفاهيمها السياسية الأصيلة، واستُبدلت بها مفاهيم وافدة مثل الوطنية الضيقة بدل رابطة العقيدة، والمصلحة القُطرية بدل مصلحة الأمة، والشرعية الدولية بدل السيادة للشرع، والنفعية بدل الحلال والحرام. ومع الزمن، أصبح كثير من الناس ينظرون إلى هذا الواقع باعتباره قدراً لا يمكن تغييره. غير أن عودة الوعي تعني إدراك أن هذا البناء طارئ على تاريخ الأمة، وأن الأصل هو وجود دولة تطبق الإسلام وتحمله رسالةً إلى العالم.

 

الأنظمة تعمل على احتواء النقاش ضمن سقفها؛ فتسمح بانتقاد فساد مسؤول، أو المطالبة بإصلاح اقتصادي، لكنها تضيق ذرعاً حين يُطرح السؤال الجذري، هل النظام نفسه منبثق عن عقيدة الإسلام؟ هل البنية الدستورية والاقتصادية والسياسية أساسها العقيدة ومن أحكام الشرع؟ لأن هذا السؤال ينقل الأمة من دائرة الإصلاح داخل النظام إلى دائرة التغيير الشامل للنظام.

 

في هذا السياق، يصبح الصراع صراع أفكار لا صراع أشخاص. فالفكرة إذا توضحت، وتحولت إلى رأي عام منبثق عن وعي عام، فإنها تصنع قوة لا تستطيع أدوات القمع أن تقضي عليها. التاريخ يشهد أن الأمم لا تتحرك بالكثرة العددية فقط، بل بوضوح المشروع. والصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا الأكثر عدداً ولا عتاداً، لكنهم كانوا يحملون مشروعاً سياسياً مبدئياً منبثقاً من عقيدتهم، فغيّروا وجه العالم.

 

اليوم، حين يُطرح مشروع الخلافة بوصفه حكماً شرعياً وطريقة عملية لاستئناف الحياة الإسلامية، تُسارع الأنظمة إلى شيطنته، ليس لأنه دعوة إلى عنف أو فوضى، بل لأنه يضرب الأساس الذي قامت عليه. مشروع يجعل السيادة للشرع لا للدستور الوضعي، ويجعل الثروات العامة ملكيةً للأمة تُدار وفق أحكام الشرع، ويجعل العلاقات الدولية قائمة على حمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد لا على التبعية والارتهان.

 

إن الوعي الذي تخشاه الأنظمة هو الوعي الذي يربط بين الأزمات اليومية وبين أصل النظام. فالأزمة الاقتصادية ليست مجرد سوء إدارة، بل نتيجة تبني النظام الرأسمالي. والتبعية السياسية ليست خطأ تكتيكياً، بل ثمرة الارتباط البنيوي بالنظام الدولي. والتجزئة ليست صدفة جغرافية، بل نتيجة مباشرة لهدم الدولة الجامعة واستبدال دول قُطرية بها.

 

إننا نذكّر الأمة بأن هذا الكتاب أنزل ليُحكم به، لا ليُتلى في المحاريب فحسب. فيه آيات عن الحكم، وعن الطاعة في المعروف، وعن تحريم التحاكم إلى غير ما أنزل الله. قرآن يحرر الإنسان من سلطان شهوته نعم، لكنه ينبغي أن يحرره كذلك من الخضوع لواقع يخالف عقيدته. والوعي السياسي ليس خروجاً عن روح العبادة، بل امتداد لها؛ لأن إقامة حكم الله من أعظم القربات.

 

إن الأمة إذا استعادت وعيها السياسي على أساس الإسلام، فإنها لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن تغيير جذري يعيد بناء الكيان السياسي على أساس العقيدة. وهذا التغيير لا يقوم على الانفعال، بل على عمل سياسي مبدئي منظم، وصراع فكري يكشف زيف المفاهيم الدخيلة، وكفاح سياسي يفضح ارتباط الأنظمة بالمشاريع الأجنبية.

 

ولهذا ترتجف الأنظمة أمام فكرة واضحة متماسكة؛ لأنها تعلم أن الأمة إذا أدركت أن وجود إمام واحد يطبق عليها أحكام الإسلام فرض، وأن بقاءها ممزقة تحت أنظمة لا تحكم بالإسلام معصية جماعية، فإنها ستتجه نحو العمل لإقامة البديل المبدئي. وعندها تتحول الفكرة إلى قوة، والقناعة إلى رأي عام، والرأي العام إلى إرادة تغيير.

 

إن معركة الأمة اليوم قبل أن تكون معركة سلاح، فهي معركة فكر ووعي. فإذا انتصر الفكر والوعي، سقطت الشرعيات المصطنعة، وبرزت الشرعية الحقيقية المنبثقة من العقيدة الإسلامية. وإذا عادت الأمة إلى مشروعها السياسي المبدئي، فإنها تكون قد وضعت قدمها على أول طريق استئناف الحياة الإسلامية، لا كشعار عاطفي، بل كواقع سياسي جامع يعيد لها وحدتها وكرامتها وريادتها.

 

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعد سمير

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع