الخميس، 08 شوال 1447هـ| 2026/03/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الثالثة والثلاثون

الترقيع لا يصنع نهضة... لماذا لا تُنقذ الإصلاحات الجزئية مصر؟

 

 

في مصر اليوم يتكرر المشهد ذاته كلما اشتدت أزمة فيُعلن عن "حزمة إصلاحات"، أو تعديل قانون، أو مشروع اقتصادي ضخم، أو إجراءات لتخفيف الأسعار. يُسوَّق الأمر على أنه بداية الانفراج، ثم لا يلبث الواقع أن يكشف أن شيئاً جوهرياً لم يتغير. يعود التضخم، تتفاقم الديون، تتآكل الدخول، وتبقى معاناة الناس على حالها أو أشد. السبب ليس سوء تنفيذ هنا أو خطأ إدارياً هناك، بل إن المعالجة تنصبّ على الأعراض، بينما تُترك الجذور كما هي.

 

المشكلة في مصر ليست قراراً منفرداً، ولا قانوناً بعينه، بل منظومة حكم كاملة لا تقوم على أساس الإسلام. العقيدة التي تنبثق منها القوانين ليست الإسلام ولا تستمد من الكتاب والسنة، بل الدساتير الوضعية والمصالح السياسية والاقتصادية الضيقة. وحين تكون السيادة للبشر لا للشرع، فإن أي إصلاح جزئي يبقى محكوماً بسقف تلك المنظومة، فلا يخرج عنها ولا يغيّر بنيتها.

 

تُرفع أسعار السلع بحجة الضرورات المالية، ثم تُقدَّم مساعدات رمزية لامتصاص الغضب. تُستدان القروض الربوية لتغطية عجز سابق، فتتراكم فوائدها، ويُبرَّر المزيد من التقشف. وتُعلن مشاريع كبرى بأرقام ضخمة، لكن دون تغيير في طبيعة النظام الاقتصادي القائم على الربا والخصخصة وربط الثروات بالأسواق العالمية. هكذا تدور البلاد في حلقة مفرغة، لأن الأساس لم يُمس.

 

إن أصل الداء هو غياب الحكم بما أنزل الله، وغياب الكيان السياسي الذي يجعل السيادة للشرع والسلطان للأمة. فالإسلام لا يُقدَّم كوعظ أخلاقي يعالج السلوك الفردي فقط، بل كنظام شامل يعالج السياسة والاقتصاد والاجتماع من جذورها. لذلك فإن الحديث عن "إصلاح تدريجي" داخل نظام يقوم على غير الإسلام هو في حقيقته قبول بالإطار نفسه، ومحاولة تجميله لا تغييره.

 

الاقتصاد مثلاً لا يُصلح بزيادة الرواتب أو تثبيت الأسعار مؤقتاً، بل بتغيير قواعد الملكية، ومنع الربا منعاً قاطعاً، وجعل الثروات ملكية عامة ملكاً للأمة لا مجالاً للخصخصة، وضبط السياسة النقدية وفق أحكام الشرع لا وفق إملاءات المؤسسات الدولية. هذه المعالجات لا يمكن أن تتحقق بقرارات جزئية، لأنها تمس بنية النظام الرأسمالي نفسه.

 

كذلك الحكم؛ لا يُصلح بتعديل بعض المواد الدستورية أو تغيير بعض الوجوه، بل بجعل القرآن والسنة أساس الدولة والدستور والتشريع الوحيد، وإقامة النظام الذي يُقيد الحاكم بأحكام الشرع، ويجعل الأمة صاحبة السلطان تحاسبه على هذا الأساس؛ دولة الخلافة الراشدة. أما بقاء النظام يستمد من أهواء البشر وأحكامهم الوضعية، فسيبقي باب التشريع مفتوحاً لما يخالف الإسلام كلما اقتضت "المصلحة" ذلك.

 

الإسلام يقدّم نموذجاً مختلفاً اختلافا جذرياً. حين تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة، لم يبحث عن حلول وسط تُرضي القبائل التي ارتدت، بل أعلن بوضوح أن الزكاة حق لا يُساوَم عليه، وقاتل من منعها، لأن المسألة عنده ليست إيراداً مالياً بل التزام بأحكام الشرع. وعندما تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، لم يكتفِ بإصلاح جزئي، بل نظّم القضاء، وضبط الأسواق، وأقام بيت المال، ووسّع دائرة المحاسبة، لأن الدولة عنده جهاز رعاية يخضع للشرع، لا لإرادة الحاكم.

 

الفرق الجوهري أن القوانين في ظل الخلافة كانت منبثقة عن عقيدة، لا عن توازنات سياسية. لذلك كان القرار الاقتصادي أو الإداري مرتبطاً بحكم شرعي، لا باعتبارات الربح والخسارة أو إرضاء الدائنين. هذا التكامل هو ما منح الأمة استقراراً وعدلاً وقوة، لا ترقيعات مؤقتة.

 

أما اليوم، فإن أي مشروع اقتصادي مهما بدا ضخماً، إذا لم يُبنَ على أساس شرعي، يبقى معرضاً للانهيار أو التحول إلى عبء جديد. وكل "حزمة حماية" لا تغير من واقع الربا والضرائب المجحفة، لن تخرج الناس من أزماتهم. لأن المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في طريقة إدارتها، وفي الجهة التي تملك حق التشريع.

 

الحل الحقيقي يبدأ من تغيير المفاهيم وتصحيحها، من إعادة السيادة للشرع، وإقامة دولة تطبق الإسلام كاملاً غير منقوص. هذا لا يتحقق باندماج في النظام القائم، ولا بترقيع قوانينه، بل بعمل سياسي مبدئي يسير على طريقة الرسول ﷺ: صراع فكري يكشف فساد الأساس، وكفاح سياسي يفضح ممارسات الأنظمة، مع طلب نصرة لإقامة سلطان جديد يحكم بما أنزل الله.

 

الأمة في مصر وسائر بلاد المسلمين تحتاج إلى أن تدرك أن معاناتها ليست قدراً، وليست نتيجة أخطاء عابرة، بل ثمرة طبيعية لوجهة نظر فاسدة. وكلما تأخر التغيير الجذري، طال أمد الدوران في حلقة الأزمات. أما إذا وُجد وعي سياسي عام بأن الإسلام هو البديل الشامل، وتحول هذا الوعي إلى مشروع منظم لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فإن مسار الأحداث سيتغير.

 

الترقيع لا يصنع نهضة، والمسكنات لا تعالج مرضاً عضالاً. التغيير الحقيقي يبدأ من الجذور: من جعل الحكم بما أنزل الله أساساً للحياة كلها. عندها فقط يمكن الحديث عن استقرار حقيقي، ورعاية صادقة لشؤون الناس، ونهضة تنبع من عقيدة الأمة لا من وصفات مستوردة.

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع