السبت، 13 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

لماذا تتجاهل الأمة مسألة وحدتها باعتبارها قضيتها المصيرية؟!

 

 

عاشت الأمة الإسلامية عبر القرون تاريخا ناصعا حققت من خلاله أروع الإنجازات في مجالات شتى صارت أساسا لا يمكن تجاوزه لما وصلت إليه الأمم من تقدم علمي ومدني في عصرنا الحالي. فعاشت الأمة حضارة جعلتها في ريادة الأمم دون منافس. وذلك عندما سارت على خطا نبيها محمد ﷺ في تطبيق منهجه الرباني الذي أنار حياة الشعوب على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وصهرها في بوتقة واحدة امتدت كأكبر مساحة جغرافية لدولة واحدة في العالم؛ امتدت عبر ثلاث قارات. شعرت الأمة خلالها بالعزة والأمن، حيث كان المسلم يتنقل في هذه المساحات رافعا رأسه لا يخشى إلا الله. وكانت قوانين الدولة التي يتبناها الخليفة تسري على جميع الرعايا، مسلمين وغير مسلمين، مع الحفاظ على جميع حقوقهم وفق الشرع التزاما من الخليفة تجاههم بالبيعة التي في أعناقهم.

 

بالنظر بصورة عامة إلى اهتمامات الأمة الإسلامية في هذه الآونة، يتضح أنها لا تلقي بالاً لقضاياها المصيرية، بل تجد جل اهتمامها بمسائل تتعلق بالتعصب الوطني للحدود السياسية التي صنعها الأجنبي أو الاهتمام بالرياضة أو الانخراط في الملاهي الليلية والحفلات الماجنة ومشاهدة المسلسلات الأجنبية والاهتمام بأخبار مشاهير الرياضة والسينما والفنانين والممثلين من الجنسين وعارضات الأزياء، الأمر الذي يؤدي بهم إلى الولوج في مجتمع لا يتردد في فعل جميع المنكرات والفواحش.

 

إن الأمة قد فقدت أو تجاهلت أهم قضاياها المتعلقة بوحدتها التي توجب التضحية في سبيلها بالنفس والمال والوقت. ويتضح ذلك من خلال انصرافها عن هذه القضية في أحداث توجب عليها التوحد والاصطفاف في صف واحد بغرض عودتها لماضيها المشرف.

 

فعندما قامت ثورات الربيع العربي في عدد من بلاد المسلمين، كان معظم المسلمين ينظرون إليها كشأن داخلي لتلك الأقطار وكأنها لا تعنيهم في شيء بالرغم من أنها كانت فرصة سانحة للتغيير وإعادة نظام الإسلام الذي يوحدهم. ونسبة لغياب هذا الفهم عند الأمة، كان الأمر سهلا على الكافر المستعمر تفريغ هذه الثورات بالرغم من استمرار هذا الحراك لأكثر من عقد ونصف من الزمان، وجعلها تنتظم حسب نظامه في عملية إبدال وإحلال للحكام ليستمر النظام الرأسمالي كما هو، وذلك لغياب المشروع الذي يوحد الأمة على طريقة الرسول ﷺ. فخمدت ثورات الربيع العربي ولم تنته رغم محافظة الغرب على نفوذه بواسطة العملاء الجدد الذين اعتلوا كراسي الحكم في البلدان الثائرة.

 

وبالنظر إلى ما حدث في غزة بعد عملية طوفان الأقصى فقد أوجد نوعا من وحدة المشاعر وسط الأمة الإسلامية. ولكن كان اهتمام الأمم الأخرى أكبر وأقوى، حيث صرخت هذه الأمم في جميع مدنها الكبرى في وجوه حكامها تضامنا مع أهل قطاع غزة الذين تعرضوا للقتل والتنكيل والتجويع والحصار على يد يهود، في وقت نأى فيه حكام المسلمين عن نصرتهم. بل وقف بعضهم في صف يهود، وقدم له الدعم اللوجستي والغذائي غير المحدود لقتل أهل غزة!

 

لم يكتف العدو بذلك بل نقل عتاده الحربي صوب إيران البلد المسلم الذي يتمتع بشيء من القوة التي أصبحت مثار قلق كيان يهود. وقد كانت فرصة أخرى لاصطفاف الأمة بجيوشها لنصرة إيران، لكنها لم تفعل.

 

هذه الحالة المزرية للأمة لا شك أن وراءها من الأسباب التي لا تخفى على كل ذي بصر وبصيرة، وعلى كل مخلص يتفكر في كيفية عودة الأمة إلى مقعدها في ريادة الأمم. من أهم هذه الأسباب:

 

1- بُعد عهد الأمة عن زمن الخلافة التي امتدت لأكثر من ثلاثة عشر قرنا كانت في معظمها الدولة الأولى في العالم حيث عاش المسلمون فيها أزهى عصورهم وأمجادهم وتحقق لهم فيها العدل والأمن والعزة.

 

2- هدم دولة الخلافة وتمزيقها إلى مزق كثيرة لا تملك من أمرها شيئا، بل ظلت تحت نفوذ الدول الغربية الاستعمارية التي تعمل على إفقار الأمة بنهب ثرواتها ومنعها من التقدم والانعتاق.

 

3- منع هذه الدويلات من تحكيم الإسلام، وذلك من خلال المتابعة اللصيقة والمباشرة من خلال إقامة المؤتمرات بمسميات تخفي نواياهم الحقيقية تجاه الأمة، مثل حوار الأديان أو التسامح الديني أو الأخوة الإبراهيمية أو الوسطية... الخ.

4- الهيمنة على عقول الأمة من خلال التأثير الإعلامي القوي الذي يبث عبر وسائل الإعلام التي يتحكم فيها الغرب.

 

5- تشجيع ودعم الأحزاب والجمعيات الخيرية ومنظمات العون الإنساني التي تحمل الفكر العلماني الغربي وأيديولوجياته المختلفة التي تناقض الإسلام ونظامه.

 

6- إيصال الطغمة العميلة لكراسي الحكم ودعمها وحمايتها طالما أنها تلبي احتياجاتهم في نهب ثروات المسلمين، والمحافظة على نفوذهم على هذه البلاد.

 

7- تخريج دعاة وعلماء أكاديميين ومفكرين وسياسيين مزودين بثقافة الغرب المناهضة للإسلام وأحكامه وجعل الإسلام مجرد طقوس كهنوتية وتوجيه مسار الأمة الإسلامية لتنسجم مع الفكر العلماني الغربي.

 

8- كبت الدعاة المخلصين والتضييق عليهم بالسجن والقتل والتشريد وعزلهم عن الأمة ومنعهم من مخاطبتها عبر وسائل الإعلام على اختلافها ونوعها. وإلصاق التهم جزافا على المخلصين، كتهمة الإرهاب والتطرف الديني وغيرها من التهم.

 

يا أمة الإسلام إلى متى تُقعدكم هذه الأسباب وغيرها عن وحدتكم وإقامة دولتكم التي ستكون الدولة الأولى في العالم؟! يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

 

كما وردت أحاديث عديدة تؤكد حتمية وحدة الأمة خلف أمام واحد تبايعه على السمع والطاعة وجعلت هذه القضية قضية حياة أو موت، أي قضية مصيرية، حيث قال ﷺ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». إذن فلا يوجد علاج لمن يريد تفريق الجماعة إلا القتل. وهذا يعني أن وحدة الأمة قضية مصيرية ولا يفرَّط فيها أبدا. وقال ﷺ: «وَمَنْ بَايَعَ إِمَاماً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ» رواه مسلم، وفي رواية «كَائِناً مَنْ كَانَ». إذن فالأمر لا يحتمل النزاع ويعالج المنازع بالقتل، ما يدل على عظم وحدة الأمة فلا يجوز التنازل عنها لأنها من القضايا المصيرية.

 

ولتكتمل الصورة فقد جعل الرسول ﷺ البيعة في عنق المسلم تقيه الميتة الجاهلية، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رواه مسلم

 

وقد اهتم الصحابة رضي الله عنهم بهذا الأمر وذلك بمبايعتهم سيدنا أبا بكر الصديق خليفة للمسلمين بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وكذلك بايعوا عمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم أجمعين.

 

هذه الحروب والأحداث التي تعيشها الأمة وفي أطرافها المختلفة، ما هي إلا إرهاصات لقيام هذه الدولة التي تعز الإسلام والمسلمين. فلا تتقاعسوا أيها المسلمون ويا أيتها الجيوش عن أخذ زمام المبادرة وإعلان دولة الخلافة وذلك بعد ظهور ضعف وخور دول الكفار المستعمرين الذين فضحتهم هذه الحروب الأخيرة التي أظهرت تفككهم الداخلي قبل الخارجي.

 

فالله الله في انتهاك حرمة المسلمين في نسائهم وأبنائهم وضعافهم وشيوخهم. فمن لهم إن لم تكونوا أنتم أيتها الجيوش المسلمة. وما النصر إلا من عند الله، فتوكلوا على الله عز وجل واظفروا بأجر الأنصار، والله وليكم ولا مولى لهم.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد وداعة - الأبيض - ولاية السودان

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع