- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هل سيقود التضخم الاقتصادي العالم إلى حرب عالمية أو كبرى؟
في كل مرة يشهد فيها العالم موجة تضخم حادة، تعود إلى الأذهان أسئلة تاريخية مقلقة: هل الاقتصاد مجرد أزمات أرقام وأسواق، أم أنه شرارة خفية تشعل الحروب الكبرى؟ ومع تصاعد التضخم عالمياً، وتآكل دخول الأفراد، وازدياد التوتر بين القوى الدولية، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
في زمنٍ لم تعد فيه المدافع تُقرَع قبل الحروب، بل تُطبع النقود وتُرفع أسعار الربا، يقف العالم على حافة سؤال خطير: هل أصبح التضخم الاقتصادي هو الدافع الأكثر فتكاً في القرن الحادي والعشرين؟
حين تعجز الدول عن إقناع شعوبها بالخبز، تبدأ بإقناعهم بالعدو. وحين تتشوّه سمعة النخب والمبدأ الحاكم، يُستعان بالحروب لمحو الذاكرة، وتنظيف ما أمكن من قذارات الماضي، تمهيداً لإعادة الكَرّة بذاكرة صفرية.
وهل حين تتآكل قيمة العملة، تتآكل معها شرعية السياسات؟ وهل يُعاد رسم الخرائط ليس على طاولات التفاوض فقط، بل في أسواق الطاقة والغذاء والعملات أيضا؟
لن نقول إن التاريخ يعيد نفسه، لأننا نعيش فترة نادرة لم تمرّ شبيهة لها على سطح هذه المعمورة؛ اجتمعت فيها مضايقات الدنيا، وتتابعت الفتن. لكنه يهمس لنا بوضوح أن كل اضطراب اقتصادي عميق كان دائماً مقدمة لاضطراب سياسي أكبر، وكل تضخم انفلت من عقاله حمل في طياته بذور صراع داخلي أو خارجي.
واليوم، مع هذه الموجة من التضخم التي تضرب العالم أجمع، لم يعد السؤال: هل سيتدخل الاقتصاد في السياسة؟ بل إلى أي مدى سيعيد تشكيلها، وبأي ثمن؟
نحن إذن أمام لحظة تاريخية تُكتب فيها أسباب الحرب القادمة بلغة الأرقام، قبل أن تُترجم بلغة السلاح.
التضخم أكثر من ظاهرة اقتصادية، التضخم ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، بل هو اختلال عميق في العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. فالعقد الاجتماعي في جوهره اتفاق غير مكتوب يقبل فيه الشخص في النظام الرأسمالي بالضرائب والقوانين والسلطة، مقابل التزام الدولة بحماية قدرته على العيش الكريم، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وعندما يبدأ التضخم بالضرب على كاهل الدولة، لا ينهار هذا العقد دفعة واحدة، بل يتآكل من الداخل:
انهيار وظيفة الدولة في حماية القيمة، فالدولة هي الحارس للقيمة: قيمة العملة، الأجور، الادخار، والمستقبل. وعند الارتفاع غير المسبوق للأسعار، يتحول العمل من مصدر أمان إلى عبء يومي، والادخار من فضيلة إلى خسارة مؤكدة، فيظهر فشل الدولة في أبسط وعودها؛ حماية ثمرة الجهد. هنا لا يُنظر إلى التضخم كظاهرة تقنية، بل كخيانة صامتة.
إعادة توزيع غير معلنة للثروة: يصبح التضخم كأنه ضريبة خفية تنهب أصحاب الدخل الثابت وتدمّر الطبقة الوسطى، بينما يستفيد المضاربون وأصحاب النفوذ ومن يملكون الأصول الصلبة، مولّداً إحساساً عميقاً بالظلم.
تآكل الثقة: وهو أخطر ما يفرزه التضخم؛ فالثقة هي العمود الفقري للعقد الاجتماعي. تُفقد الثقة بالعملة، وبالخطاب الرسمي، وبالوعود الحكومية، وحتى بفكرة المستقبل المشترك، فيلجأ الناس إلى تخزين السلع، والكنز، والعقار، والهروب من السوق، فتُكسر العلاقة بين الدولة والمجتمع.
تحوّل التضخم إلى أزمة شرعية: تفقد الدولة قدرتها على الإقناع، ويُستبدل الخطاب الأمني بالخطاب الاقتصادي، وتتحول الثقة إلى خوف.
وهنا يتحول السؤال من: كم نسبة التضخم؟ إلى: لماذا ما زلنا نلتزم بعقد لم يعد يحمي أحداً؟ عندها يصبح التضخم خللاً في مشروعية الحكم، لا مجرد خلل في السوق. وكلما طال أمده، تحول من رقم اقتصادي إلى أزمة ولاء، ثم إلى أزمة استقرار. ولهذا نجد أن لحظات التضخم الحاد عبر التاريخ كانت مقدمة لانهيار أنظمة، أو صعود تيارات متطرفة، أو اندلاع صراعات خارجية للهروب من الداخل. فالدولة التي تفشل في حماية لقمة العيش، تُجبر لاحقاً على حماية نفسها من شعبها.
من دروس التاريخ: الكساد العظيم 1929 الذي مهّد الطريق لصعود النازية والفاشية، وكان من أهم العوامل التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية. والتضخم المفرط في ألمانيا 1923 الذي دمّر الطبقة الوسطى وخلق بيئة خصبة للتطرف السياسي. وأزمات الغذاء والوقود التي لعبت دوراً محورياً في اضطرابات وحروب إقليمية متعددة في القرن العشرين.
هذه الأمثلة تشير بوضوح إلى أن التضخم لا يصنع الحرب، لكنه يهيّئ المسرح لها.
التضخم العالمي اليوم: لماذا هو أخطر من سابقاته؟ لأنه بنيوي لا ظرفي، نابع من صلب النظام الرأسمالي نفسه؛ توسع غير محدود في طباعة النقد، ربا، فصل المال عن الإنتاج الحقيقي، والإمعان في أدوات رأسمالية مدمّرة. تشابك الاقتصاد العالمي؛ فأزمة في دولة كبرى تنتقل فوراً إلى باقي العالم بفعل العولمة. تحوّل المال من وسيلة إلى سلعة؛ فالمال ينتج مالاً بلا ارتباط حقيقي بالعمل أو القيمة، عبر المضاربات والفوائد والأسواق الوهمية، والخاسر هو المجتمع، والرابح رأس المال المالي. فقدان الدول سيادتها الاقتصادية؛ فالبنوك المركزية رهينة الأسواق، والحكومات خاضعة للتصنيفات الائتمانية، والقرارات تُصاغ في غرف المال لا في البرلمانات. تدمير الطبقة الوسطى ببطء؛ أجور ثابتة، وأسعار منفلتة، وادخار متآكل. عجز النظام الرأسمالي عن الحل الجذري؛ فلا يملك إلا رفع الفائدة والتقشف وتحميل الأفراد كلفة الأزمة، لأنه عاجز عن الاعتراف بجذور المشكلة دون الاعتراف بفشل نموذجه.
كيف يمكن أن يقود التضخم إلى حرب؟ ليس عبر إعلان مفاجئ، بل عبر مسار تراكمي: ضغط شعبي داخلي، خطاب قومي أو عدائي، سباق تسلح، توترات إقليمية، حروب بالوكالة، ثم انفجار صراع واسع.
ورغم ذلك، فالحرب العالمية ليست قدراً محتوماً، خاصة مع الردع النووي الذي يجعل كلفتها كارثية على الجميع، وإدراك القوى الكبرى أن الحرب المباشرة قد تعني نهاية النظام الرأسمالي نفسه.
وهكذا تجد الدول الكبرى نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: المطرقة: حرب كبرى أو تصعيد واسع قد يخرج عن السيطرة. والسندان: انهيار داخلي تدريجي اقتصادياً واجتماعياً ثم سياسياً، يلتهم شرعية الدولة من الداخل.
هذا المأزق حقيقي، لا مجرد تنظير فكري، لأن نموذج النمو نفسه وصل إلى حدوده: تباطؤ، ديون متضخمة، وطباعة نقد فقدت فعاليتها.
الانهيار الداخلي أخطر على النخب من الحرب؛ لأنه يهدد سيطرتها وصعود حركات راديكالية، بينما الحرب تؤجل المحاسبة وتعيد توجيه الغضب نحو الخارج. ومع ما كُشف من فساد النخب العالمية، من تسريبات جيفري إبستين، لم يعد خيار "الموت للجميع" مستبعداً. فالعالم لا ينزلق نحو المجهول لأنه يجهل الطريق، بل لأنه يعرفه ويتجنب الاعتراف بنهايته.
فالتضخم الذي يلتهم العملة اليوم، يلتهم في الحقيقة الثقة والشرعية من جذورهما. وحين تعجز الأنظمة عن ترميم العقد الاجتماعي المنهار، تبحث غريزياً عن بدائل أقل كلفة على المدى القصير، وأكثر تدميراً على المدى البعيد.
الحرب ليست خياراً عقلانياً، لكنها كثيراً ما كانت الملاذ الأخير للهروب من مواجهة الانهيار الداخلي. إنها ليست حدثاً مفاجئاً، بل مسار بطيء حين تُدار الأزمات بدل حلها، وحين تُقدَّم المصالح ورأس المال على الإنسان والاستقرار.
لذلك، اليوم هو أنسب الأيام لتقديم مشروع بديل يُزاحم هذه الرأسمالية العفنة: منهج رباني يكون فيه الاقتصاد خاضعاً للقيم، والمال أمانة، والإنسان غاية لا أداة. منهج يحرّم الربا والغرر والمضاربات الوهمية والاحتكار، ويجعل النقد ثابتاً (ذهباً وفضة)، والزكاة ركناً لا صدقة، ويحرّم الكنز حفاظاً على الدورة الاقتصادية. إنه ليس حلاً سحرياً، بل إطار مبدئي متكامل، يتمثل في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي وعدنا الله بها على لسان رسوله ﷺ، بشرط التغيير. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



